حلم إبليس بالجنَّة

تاريخ النشر: 17.02.2022 | 05:17 دمشق

كشفت بعض الأحداث في الآونة الأخيرة ارتفاع المستوى في حدة الانتقادات العلنيَّة التي يوجهها بعض الأفراد والشرائح والتي تتناول على نحوٍ خاصٍّ الأوضاع الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة المزرية التي وصلت إليها سوريا، وتتمثَّل الانتقادات الفرديَّة باللقاء الإذاعي الذي أجراه الفنان عباس النوري مع "راديو المدينة" والذي أُجبر بعده على التراجع والاعتذار عن بعض ما ورد فيه ولا سيَّما الشق المتعلق بالجيش وحزب البعث الحاكم.

ولم يكن حال الصحفي الموالي كنان وقاف العامل في جريدة الوحدة الرسميَّة التي تصدر في مدينة اللاذقية بأحسن من حال النوري، فقد اعتُقل الوقاف، وتعرَّض للإذلال والإهانة، ولم تشفع له مع النظام مواقفه السابقة، فاضطر إلى كتابة ما يشبه الوصيَّة الأخيرة التي تعكس حجم التهديدات والضغوطات التي تعرض لها، حتَّى ظنَّ نفسه يعيش أيامه الأخيرة، فأوصى المقربين منه أن يهتموا بأولاده من بعده.

وعلى مستوى الشرائح الاجتماعيَّة فقد اضطر عدد من تجار وصناعيي حلب دمشق إلى ترقين قيودهم من سجلات غرفتي التجارة في المدينتين احتجاجا على تردي الأوضاع الاقتصاديَّة من ناحية، وعجزهم عن مواصلة دفع الإتاوات التي فرضها عليهم النظام بصيغة ضرائب من ناحية ثانية.

يُضاف إلى ذلك "حراك السويداء" الذي تضطرم ناره فترة من الزمن ثم تخفت تدريجيًّا، لكنَّ النار سرعان ما تعود إلى التوهُّج مجدَّدا، وفي كلِّ مرَّة يبدأ بشعارات مطلبية؛ ما تلبث أن تتطور إلى شعارات سياسية، لا تقلُّ راديكاليَّة عن شعارات الثورة التي كانت الحناجر الثائرة تطلقها في مختلف المدن السوريَّة.

ولعلَّ الظروف الكثيرة المحيطة بمدينة السويداء تتحكم إلى حدٍّ كبير بطبيعة حراكها وحدوده، فلا النظام في الوقت الراهن قادر على التعاطي معها بأسلوبه الوحشي المعتاد الذي رأيناه في داريَّا والقصير ودوما وريف إدلب، ولا الحراك قادر على تطوير نفسه بطريقة تفضي به إلى انتزاع بعض المكاسب من النظام.

لقد كشفت هذه التطورات الأخيرة – على المستويين الفرديِّ والجمعيِّ - عن أمرين اثنين؛ أولهما نفاد صبر ما يعرف بالشريحة الصامتة، التي كانت طوال سنوات الثورة تعتبر أقرب إلى كتلة الموالاة منها إلى المعارضة، وتخطيها جدار الخوف الذي كانت قد تخطته غالبيَّة شرائح المجتمع السوري عندما انطلقت الشرارات الأولى للثورة السوريَّة عام 2011.

والأمر الآخر الذي كشفته التطورات الأخيرة يتمثل في ازدياد تصلب مواقف النظام حيال أيِّ نوع من أنواع التغيير، وعدم قابليته لتقديم أية تنازلات مهما صغر حجمها وخفَّ وزنها، وبدا هذا جليا في تصريحات المستشارة السياسية لرأس النظام بثينة شعبان التي اتهمت فيها كلَّ من تجرأ على نقد النظام وتحميله مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في سوريا،  اتهمتهم جميعا أفرادا وجماعات "بأنهم عملاء لإسرائيل ولجهات أجنبية"، اتهامات قديمة جديدة ما فتئ النظام يشهرها في وجه معارضيه منذ أن استولى على السلطة عام /1963/ من القرن الماضي بواسطة انقلاب عسكري وأتبعه بانقلاب آخر عام /1966/ أسماه "حركة 23 شباط" أحكم من خلاله العسكر قبضتهم على السلطة، ومعه بدأت تتبلور ملامح نظام أقلوي شمولي، استقى فلسفته ونهجه من فلسفة الأنظمة الشمولية، وقدم نفسه للعالم على أنه نظام علماني، ثم أتى بعدها حافظ الأسد، وقاد آخر الانقلابات عام /1970/ ضد رفاقه من حركة /23 شباط/ سماه "الحركة التصحيحية".

لقد اختطَّ حافظ الأسد نهجًا سياسيًّا مختلفًا عن سابقيه، وأظهر إعجابًا شديدًا بتجربة النظام الشمولي في كوريا الشمالية، بعد زيارته لها عام /1974/ واعتبره أفضل أنظمة الحكم التي يمكن أن تكون أنموذجا يمكن الاقتداء به، وألهمه نظام كيم إيل سونغ كثيرًا من مرتكزاته الأمنيَّة.

وعلى هذا الأساس كان الأسد قد بنى تصوراته لأسس نظام حكمه الأمنيِّ قبل أن يصل أصلًا إلى سدَّة السلطة، لكنَّه وبعد وصوله إليها تأثَّر تأثرًا خاصًّا بالتجربة الكوريَّة، وظهر هذا الأمر بوضوح عقب زيارته لبيونغ يانغ، ولقائه بمؤسس الدولة الأكثر شموليَّة وقمعًا وانغلاقًا في العالم كيم إيل سونغ.

عاد الأسد الأب مندهشًا ومفتونًا بالتجربة الكوريَّة إلى درجة أنه أصدر مباشرة عقب عودته إلى دمشق مرسومًا يقضي بتأسيس "منظمة طلائع البعث" وفق الأنموذج الكوري، وأصدر كذلك أمرا ببناء قصر الفيحاء الرياضي في حي المزرعة الدمشقي وأيضا حسب فن العمارة الكوري الشمالي، ولهذا الموضوع قصَّة؛ فقد تضمن برنامج زيارته إلى كوريا لقاءً جماهيريا مع نحو خمسة وعشرين ألفًا من سكان العاصمة بيونغ يانغ في قصر رياضي كالذي أمر الأسد بتشييده في دمشق، وروى لي إعلامي رافق حافظ الأسد في زيارته "التاريخية" تلك، حسب وصف إعلام النظام لها، بأن الأسد خرج من هذا اللقاء متأثرًا ومعجبًا ومبهورًا حتى الثمالة من دقة التنظيم بحيث إن خمسة وعشرين ألفا من رعايا كيم إيل سونغ دخلوا القصر الرياضي، وخرجوا منه خلال مدة لم تتجاوز عشرين دقيقة من دون أن يحدثوا أيَّ ضجيج، ومن شدة انبهاره بالسويَّة العالية للتنظيم تمنى أن يرى في دمشق حدثا كالذي رآه في العاصمة الكورية الشمالية، ولتحقيق هذ الأمنية نصحه مضيفه كيم إيل سونغ بأن يبدأ من الأطفال، وربما كانت هذه النصيحة وراء إسراعه إلى إصدار مرسومه القاضي بتأسيس "منظمة طلائع البعث".

زيارة كوريا الشمالية هي التي أسهمت عمليا بوضع اللبنات الأساسية للنظام الأمني للدولة الأسدية، دون أن ننسى بالطبع تأثير نظم المؤسسات الأمنية للدول الشيوعية السابقة وفي مقدمتها جهاز "اشتنازي" لألمانيا الشرقية والذي أشرف على إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية السورية في أعقاب أحداث الثمانينات من القرن الماضي.

إذًا نحن في مواجهة نظام أمني معقد ومركب اختصر تجارب أعتى الأجهزة الأمنية للدول القمعية في العالم، ووضعها في خدمة الهدف الأوحد المتمثل بضمان بقائه، نظام بالتأكيد لن يسمح، ولن يتسامح مع أبسط أشكال النقد، لأنه يدرك أن أي تسامح مع نقد أو قبول بأي فكرة إصلاحية ستطيح به كما أطاحت "البريسترويكا" بالنظام السوفيتي المنهار. ويأتيك من يدعو هذه الأيام لإعادة تعويمه والتطبيع معه بغية منحه فرصة ليغير سلوكه، هذه الدعوات يمكن تصنفيها تحت عنوان "الوهم" الذي يشبه حلم إبليس بالجنة.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار