حلف التطرف

حلف التطرف

الصورة
16 تموز 2019

سلام الكواكبي

مدير المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات في ب

وقعت حادثة اغتصاب وقتل كانت ضحيتها شابة في إحدى المدن الفرنسية، وقد اعتقلت أجهزة الشرطة أربعة من المشتبه بهم وسرعان ما أفرجت عن ثلاثة منهم محتفظة بالرابع سوري الجنسية والحاصل على اللجوء في فرنسا والبالغ من العمر 32 عاماً. الثلاثة الآخرون، سيتم ترحيلهم لأنهم لا يحملون أوراق إقامة شرعية وهم من جنسيات مختلفة. إذاً هي عملية اغتصاب وقتل، ولدى القضاء مشتبه لم تتم إدانته بعد وتم الاعتماد على وجود بقايا من حمضه النووي على جسد الضحية كما أن الشرطة عثرت لدى تفتيش مسكنه على جهاز الضحية الهاتفي. وحتى الآن، هي حادثة كتلكم التي تحتويها الصفحات الداخلية لبعض صحف الإثارة والحوادث. لكن أمراً مشتركاً لفت انتباه نوعين من المتطرفين وهو أن المتهم سوري.

الصنف الأول للمتطرفين عبّرت عنه مارين لوبين رئيسة حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف. فقد أشارت في معرض تعليقها على هذه الجريمة البشعة بأن من يتحمل مسؤوليتها إلى جانب الشاب المجرم إن تمت إدانته، هو الدولة الفرنسية صاحبة السياسة المتراخية في إدارة ملف الهجرة واللجوء. وبالطبع، سيتم استغلال هذه الحادثة إلى أقصى حدود الاستغلال من قبل مناصري حزبها الفاشي كما من قبل بعض الآخرين غير المصرحين بعنصريتهم ولكن الذين لا يكمنون في زوايا مشاعرهم عنصرية أقل من متطرفي اليمين مهما كانوا منتمين إلى يسار أو إلى يمين.

وقد صادف أن جرت الواقعة في نفس أسبوع فوز منتخب الجزائر بعدة مباريات تصفية ضمن إطار كأس إفريقيا والتي تلاها مظاهرات فرح لجزائريي فرنسا سرعان ما تخطت الحدود في بعض أطرافها ليقوم بعض المراهقين الشاذين بتكسير بعض المحلات وسرقتها.

هديتان ثمينتان لليمين المتطرف ومن لاذ به فكرياً، علناً أو تقيّةً، للعمل على ترديدهما على مسمع الفرنسيين في الإعلام وفي اللقاءات الجماهيرية التي يُكثر من عقدها المتطرفون اليمينيون معتمدين على التزام ناخبيهم بالحضور رغم كل الظروف على عكس الأحزاب التقليدية التي يأفل نجمها أكثر فأكثر ويبتعد عنها ناخبوها كسلاً ومللاً من سياساتها المكررة والتقليدية والحذرة عموماً.

أما الطرف المتطرف الثاني الذي انبثق عن هذه الحادثة، فهو يتمثلّ ببعض السوريين الذين تناولوها في وسائل التواصل الاجتماعي. فكثير منهم، اعتبر بأن في مجرد إشارة الصحافة الفرنسية ووكالات الأنباء إلى جنسية المشتبه به هناك عنصرية يجب أن تتم إدانتها. وانتقل بهم الأمر إلى التندر تهكماً على الخبر محملين مضمونه الكثير من الكذب والتلفيق لدرجة أن كتب أحدهم قائلاً: "وهل كان جواز سفره إلى جانب الضحية؟". وبالطبع، لم تغب نظرية المؤامرة العزيزة على ثقافة البعض والتي يجدون تطبيقات لها في الرياضة كما في الفن كما في السياسة وكما في الاقتصاد.. الخ. فالمؤامرة والإيمان بها يدفعان إلى الاعتقاد والظن، بل الحسم، بأن هذا المغتصب، إن ثبتت جريمته، وتمت إدانته، فما هو إلا "موفد" من قبل النظام لتشويه سمعة السوريين (...).

كما أولئك الذين اعتبروا يوما أن السوري لا يمكن أن يتسول (...)، فهنا أيضا البعض ممن يعتبر بأنه

المتطرفون اليمينيون الفاشيون من الفرنسيين يعرفون ماذا يفعلون، وهم يتحملون مسؤولية تطرفهم ومستعدون لمواجهة المحاكم إعلامياً أم قضائياً

من الحتمي أن يكون المتهم إما عميلاً لجهاز مخابرات أرسله للإساءة لسمعة السوريين، أو هو تلفيق إعلامي عنصري من قبل الفرنسيين. وربما يأتي ثالث، وهو ينتظر في الكواليس، ليقول بعد أن تتم إدانة الشاب، بأنه أدين ظلماً وبأن الجريمة ارتكبها شخص آخر وتم تلفيقها للسوري بحثاً عن إثارة الضغينة ضد مجمل السوريين.

كلهم متطرفون: اليمين الفرنسي الشعبوي الفاشي، كما البعض ـ وهم قلة لكن صوتها مزعج ـ من السوريين الذين يدافعون بأي ثمن، وبإسنادات غير منطقية، عما يرتكبه أحدهم وهو ما يحصل في "أحسن العائلات". فجرائم الاغتصاب شبه يومية كما الاعتداءات ولا يمكن أن تندرج تلكم الجريمة إلا في عدادها وما الإشارة إلى جنسية المتهم إلا للتفصيل في الخبر كونه يحمل أوراق لجوء ليس إلا.

المتطرفون اليمينيون الفاشيون من الفرنسيين يعرفون ماذا يفعلون، وهم يتحملون مسؤولية تطرفهم ومستعدون لمواجهة المحاكم إعلامياً أم قضائياً. أما النوع الآخر من المتطرفين، أي من السوريين، فهو أساساً يعتمد على التبسيط الشديد في تحليل الأمور، كما إلى غياب الوعي المجتمعي وتحديد الواجبات والحقوق. إضافة لذلك، تفتقد هذه الجاليات الجديدة للأطر التنظيمية التي يمكن من خلالها نشر الوعي بأسس دولة القانون التي تضمهم في حيواتهم الجديدة. كما يبرز تعطّش للتعبير عبر وسائل التواصل دون أية مسؤولية، ليست جنائية بالتأكيد، وإنما عقلانية أو منطقية، خصوصاً أن هذه الحرية غابت عنهم عقوداً في أقل تقدير. في حين تنشغل نخبهم في إحياء نشاطات مهمة في المطلق ولكنها لا تفتأ تدور في حلقات النخبة ذاتها. فلا وقت متاح ولا طاقة كافية للتوجه إلى العمل الميداني بعيداً عن الإبداع الفني مثلاً أو التنظير الفكري، سعياً للاحتكاك بمن هم في أمس الحاجة للتوعية وللأخذ بيدهم، فيزيائياً حتى، باتجاه بعيدٍ عن تطرف رد الفعل الذي يصب حتما في فائدة التطرف الفرنسي اليميني الفاشي.

شارك برأيك