icon
التغطية الحية

حلب "منورة".. ما الانعكاسات الإيجابية لزيادات ساعات الوصل الكهربائي؟

2025.11.13 | 20:22 دمشق

حلب ليلاً (تلفزيون سوريا)
حلب ليلاً (تلفزيون سوريا)
تلفزيون سوريا - حلب
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- شهدت حلب تحسناً كبيراً في التيار الكهربائي، حيث وصلت ساعات التغذية إلى 16 ساعة يومياً، مما أعاد الحياة والنشاط إلى المدينة بعد سنوات من الانقطاع المتكرر.
- التحسن في الكهرباء انعكس إيجابياً على القطاع الصناعي، حيث زاد الإنتاج وقلّت التكاليف، مما شجع المستثمرين على إعادة تشغيل المعامل وتوفير فرص عمل جديدة، معززاً مكانة حلب كعاصمة للصناعة السورية.
- عودة الكهرباء ترمز لاستعادة الدولة حضورها وتعزز الثقة بين المواطن والمؤسسة، مع اقتراحات لتحسين الوضع تشمل فرق صيانة ميدانية واستخدام الطاقة الشمسية لتحقيق استقرار دائم.

بعد أكثر من عقد من الانقطاع المتكرر والليالي الحالكة التي اعتادها الحلبيون، استعادت مدينة حلب بريقها مع تحسن غير مسبوق في واقع الكهرباء، إذ وصلت ساعات التغذية في بعض الأحياء إلى نحو 16 ساعة يومياً، وهو رقم لم تعرفه المدينة منذ العام 2012، لكن هذا التحسن لا يبدو مجرد حدث خدمي عابر، بل تحول في المشهد العام للمدينة التي أنهكتها الحرب الذي شنها النظام المخلوع، وكأن تيار الكهرباء الذي عاد إليها لم يضيء الشوارع فقط، بل أعاد الحياة إلى عصبها الصناعي والاجتماعي، وأحيا شيئاً من الأمل في نفوس سكانها.

حلب "منورة"

يحب الحلبيين أن يطلق على مدينتهم وصف "العاصمة الاقتصادية لسوريا"، وهي بالفعل تلك المدينة التي تنبض بصوت معاملها وأسواقها وورشها الصغيرة، وتعتمد على منظومة كهربائية واسعة تغذي آلاف خطوط الإنتاج، ومع اندلاع المعارك في النصف الثاني من العام 2012 بعد دخول الجيش السوري الحر إلى المدينة وتصعيد النظام المخلوع من قصفه جواً وبراً، تهاوت المحطات الكهربائية وخطوط النقل، فغرقت المدينة في العتمة، وخلال السنوات اللاحقة أصبح صوت المولدات بديلاً قاسياً عن صوت المدينة الحقيقي.

ولسنوات، دفع الأهالي في حلب فاتورة باهظة لقاء ساعات محدودة من الكهرباء التي تقدمها المولدات، والتي تعود ملكية غالبيتها لأشخاص كانوا مرتبطين بشكل مباشر بالأجهزة الأمنية التابعة للنظام المخلوع، أو على الأقل كانوا يقاسمون أصحاب المولدات وارداتها المالية لذا كانت الأسعار مرتفعة وتثقل كاهل أهالي المدينة، بعض الأهالي وربما شريحة كبير من الحلبيين الفقراء تكيف مع جدول حياة فرضه غياب التيار النظامي، وأصحبت الدراسة على ضوء المصابيح الصغيرة، والطبخ والغسيل في ساعات متقطعة، والعيش على وقع هدير المولدات في كل حي.

أما اليوم فقد تغير المشهد، عمال الكهرباء عادوا إلى المحطات المدمرة، والورش الفنية أعادت تأهيل الشبكات المتهالكة، والمدينة التي أطفأتها الحرب بدأت تلمع من جديد، والأحياء الشرقية بدأت تصلها خطوط الكهرباء حياً بعد أخر بعد سنوات طويلة من غياب الشبكة الكهربائية بشكل كامل عنها، فخطوط الشبكة في هذه الأحياء تضررت بشكل كبير، وفي بعضها غابت الشبكة كلياً بسبب تعرضها للسرقة والتخريب المتعمد في الفترة ما بعد سيطرة النظام المخلوع عليها في الفترة ما بعد العام 2016.

وفي جولة لموقع تلفزيون سوريا داخل المدينة، لمسنا بوضوح هذا التبدّل في المزاج العام، قال منصور علي، أحد سكان حي حلب الجديدة لموقع تلفزيون سوريا: "الأنوار أعادت الأمان، الناس تمشي في الشوارع ليلاً، والمحال تفتح حتى وقت متأخر، ولم نعد نسمع ضجيج المولدات كالسابق، نتمنى أن تصل ساعات الوصل الى 24 ساعة، أي على مدار اليوم، استمرار التيار ينعكس إيجاباً على مختلف قطاعات العمل في حلب".

وفي حي سيف الدولة، تحدث أبو يوسف عن أثر الكهرباء في الحياة اليومية: "أولادي يدرسون الآن على الضوء النظامي، ليس على مصباح البطارية، تغيّر مزاج البيت كله، حتى شعور القلق من انقطاع الكهرباء تلاشى، صار في إمكان أفراد العائلة الاستحمام في أي وقت، وممكن استخدام الكهرباء في الطهي والغسيل بكل أريحية".

تحرك عجلة الصناعة

بالنسبة لأصحاب الورش والمعامل الصغيرة، كان التيار الكهربائي المنتظم بمنزلة "أوكسجين الإنتاج" وبالأخص ورش الخياطة والتطريز وغيرها من الورش الصغيرة التي تنتشر بكثرة داخل أحياء حلب وبالأخص في الأحياء الشرقية، فهي معامل صغيرة لا تزعج عادة الأهالي لذا تتكاثر باستمرار بين البيوت وفي الأقبية، يبدو أن زيادة ساعات الوصل الكهربائي ستعيد لها ألقها، وسيعود الإنتاج في قطاعات الألبسة الجاهزة (ولادي ونسائي ورجالي) كسابق عهده.

قال أبو أحمد، صاحب ورشة خياطة: "كنا نعمل على المولدات بأسعار لا تطاق، الآن الكهرباء النظامية جعلتنا نضاعف ساعات العمل ونقلل التكاليف، الربح تحسن، وعدنا لتشغيل عمّال كنا اضطررنا للاستغناء عنهم". ويؤكد عدد من الصناعيين أن استقرار الكهرباء يعيد الثقة للمستثمرين، ويشجع على إعادة تشغيل المعامل المتوقفة، ويرى بعضهم أن استمرار التحسن لمدة عام فقط، مع دعم حكومي للطاقة الإنتاجية، كفيل بمضاعفة الإنتاج في المنشآت الصغيرة والمتوسطة.

تقول مصادر مطلعة على واقع القطاع الصناعي في حلب لموقع تلفزيون سوريا، إن التحسن الواضح في واقع الكهرباء ينعكس بشكل مباشر وملموس على القطاع الصناعي في المدينة، الذي يشكّل العمود الفقري لاقتصادها، فمع زيادة ساعات الوصل الكهربائي وتراجع الاعتماد على المولدات الخاصة، تنخفض تكاليف الإنتاج بصورة كبيرة، الأمر الذي يتيح لأصحاب الورش والمعامل الصغيرة إعادة تشغيل خطوطهم المتوقفة واستعادة جزء من قدرتهم التنافسية. وتشير المصادر إلى أن استقرار التيار الكهربائي يعيد الحياة إلى معامل الألبسة والنسيج والتطريز والألمنيوم والحدادة وغيرها من الصناعات التقليدية التي تشتهر بها حلب، كما يسهم في توفير فرص عمل جديدة بعد سنوات طويلة من الركود. ويتجلى هذا التحسن، وفق المصادر، في ارتفاع وتيرة الإنتاج المحلي وزيادة الطلب على المواد الخام والخدمات المساندة، ما يخلق حراكاً اقتصادياً متصاعداً يعيد لحلب مكانتها الطبيعية كعاصمة للصناعة السورية.

عودة الثقة

يرى أحمد علبي، تاجر من حي العزيزية، أن الإنارة باتت رمزاً لاستعادة الدولة حضورها الفعلي، ويقول في حديثه لموقع تلفزيون سوريا: "الضوء في الشارع يعني أن المؤسسة العامة عادت للعمل، والمواطن بدأ يشعر أن هناك إدارة تهتم، وأن العلاقة بينه وبين الدولة يمكن أن تقوم على الثقة".

وفي حين تتبدل تفاصيل الحياة اليومية، يمكن القول بأن هناك تحسناً في المزاج العام، وشعوراً جماعياً بأن التعافي لم يعد حلماً بعيداً، بل واقعاً ملموساً يمكن البناء عليه، لكن معظم الأهالي ممكن التقاهم موقع تلفزيون سوريا في حلب كانت لديهم اقتراحات عديدة لتحسين واقع الكهرباء، أهم تلك المقترحات:

. تشكيل فرق صيانة ميدانية للاستجابة السريعة للأعطال، وبالأخص في الأحياء الشرقية التي تعاني الشبكات فيها من الاهتراء وهي أصلاً بحاجة لاستبدال كلي.

. إشراك المجتمع المحلي في الحفاظ على الشبكة الكهربائية وحمايتها من التخريب والسرقة.

. توسيع استخدام الطاقة الشمسية لتخفيف الضغط على الشبكة الكهربائية.

. تقديم حوافز للصناعيين الذين يعيدون تشغيل منشآتهم، وتقديم الكهرباء لهم بأسعار رخيصة.

. تخفيض أسعار الكهرباء للاستخدام المنزلي بشكل يتناسب مع مستوى الدخل.

رغم أن عودة الكهرباء إلى حلب تبدو في ظاهرها إنجازاً خدمياً مهماً بعد عام تقريباً على التحرير، إلا أنها في جوهرها مؤشر على عودة الحياة نفسها إلى مدينة أنهكتها الحرب وأثقلتها سنوات العتمة، فالنور الذي عاد إلى شوارعها وبيوتها لم يبدد الظلام فحسب، بل أضاء طريقاً جديداً نحو التعافي الاقتصادي والاجتماعي، وأعاد شيئاً من الثقة بين المواطن والمؤسسة العامة، وفي حين تتلمس المدينة طريقها نحو استقرار دائم في التيار الكهربائي، يعلق الحلبيون آمالاً كبيرة على أن تكون هذه الخطوة بداية لمسار أوسع من إعادة الإعمار والتنمية، وأن تبقى الأضواء التي أُشعلت اليوم رمزاً لنهضة حقيقية لا تنطفئ.