حلب تتحرر.. هجوم النظام المعاكس لاستعادة حي صلاح الدين

تاريخ النشر: 21.04.2021 | 06:25 دمشق

آخر تحديث: 22.04.2021 | 13:16 دمشق

تستحضرني كل يوم قبل موعد الإفطار تلك الأيام الرائعة من شهر رمضان صيف عام 2012 عندما دخلنا مدينة حلب، وكيف استقبل الأهالي فصائل الجيش الحر وفرحتهم الكبيرة بأبنائهم الفاتحين المحررين، وموائد الإفطار والسحور على الأرصفة التي كان الحلبيون يقدموها لنا، نشوة بالنصر والتحرر من رجس عصابات الأسد وشبيحته.

لم يكن يعكر صفو هذه الأجواء في ذلك الوقت سوى هدير الطائرات وأزيز الرصاص وأصوات المدافع التي تدك الأحياء المحررة. جموع من الشباب الثائر كانت تأتينا إلى غرفة العمليات في مدرسة القنيطرة بحي صلاح الدين تريد التسلح والانضمام لفصائل الجيش الحر، فالنظام يحشد باتجاه حي صلاح الدين الذي يعتبر المعقل الرئيس للثوار وخط التماس الأول، والمواجهة فيه تعتبر معركة كسر عظم، حيث أطلق النظام على معركته اسم "أم المعارك".

أكتب مقالي هذا وشريط الذكريات العامر بمواقف العزة والكرامة يمر كأنه الآن، شوارع صلاح الدين والشباب المتحمس، أصواتهم المطالبة بأي قطعة سلاح، بندقية صيد، كلاشينكوف، مسدس، المهم أن يدخل المعركة في مواجهة الآلة العسكرية للنظام، ذاهبين إلى الموت كأنه نزهة.

لم يكن لدينا من السلاح والذخيرة ما يكفي، لو ذكرنا كميته الآن بعد حوالي تسع سنوات لن يصدق إلا من عاش تلك المرحلة من عمر الثورة، فقد كان يتناوب كل ثلاثة أو أربعة مقاتلين على قطعة سلاح خفيف، بينما لم يكن في جعبة أي منهم أكثر من مخزن أو مخزنين في أحسن الأحوال. 

في المجلس العسكري كنا نوزع ما يأتينا من سلاح وذخيرة على قلتها من خلال الضباط الموجودين في غرفة العمليات (النقيب مصباح عجان الحديد والنقيب حسام صباغ)، وبعد عشرة أيام من دخولنا المدينة توقف الإمداد لفترة طويلة، وكما قال لي سفير إحدى الدول الداعمة: "مررنا لكم قليلا من الرصاص فأوشكتم أن تحرروا حلب، لو سلحناكم أكثر لأسقطتم النظام خلال شهر"!!

كانت أولى محاولات النظام في 29 تموز عندما استقدم رتلاً كبيراً من الكليات العسكرية لاقتحام شارع 10 وشارع 15، المواجهين لأوتوستراد الحمدانية

اختار النظام محور هجومه الرئيسي على حي صلاح الدين الذي تكمن أهميته، لقربه من الكليات العسكرية (المدفعية، التسليح، المدرسة الفنية الجوية)، وإطلالته على حي الحمدانية الذي يقطنه غالبية ضباط النظام، كما أنه مجاور لأكاديمية الأسد للهندسة العسكرية التي تعتبر بوابة حلب إلى الريفين الغربي والجنوبي.

كانت أولى محاولات النظام في 29 تموز عندما استقدم رتلاً كبيراً من الكليات العسكرية لاقتحام شارع 10 وشارع 15، المواجهين لأوتوستراد الحمدانية، ورغم قلة سلاح الثوار وشح ذخيرتهم واجهوا النظام بمقاومة عنيفة وكبدوه خسائر كبيرة في أول معركة حقيقية لهم، سقط فيها عشرات من جنوده بين قتيل وجريح تاركين أسلحتهم فارين بأرواحهم، وهنا أذكر تماماً كيف أن سائقي دبابات النظام ومن شدة خوفهم دعسوا كثيرا من جرحاهم أثناء الهروب.

كثف النظام قصفه على أحياء حلب المحررة مركزاً نيرانه على حي صلاح الدين، الذي أمطره بوابل من قذائف المدفعية والهاون وصواريخ طائراته الحربية والمروحية، في مؤشر على اقتراب هجوم واسع على الحي.

بالحماس والاندفاع ونشوة الانتصار، وبدافع تخفيف الضغط عن الحي، وتحديدا في الثالث من شهر آب، وسع الثوار مناطق سيطرتهم باتجاه الأحياء المجاورة لصلاح الدين، منها سيف الدولة والأعظمية والزبدية والإذاعة وأحياء أخرى، حيث خاضوا معارك عنيفة، وفي ذات اليوم حرروا حاجز بريد سيف الدولة الذي كانت تتحصن فيه قوات النظام وشبيحته، وقسم شرطة الزبدية وقسم السكري.

في اليوم التالي بدأت قوات النظام هجومها البربري على حي صلاح الدين بعد أن استقدمت أكثر من مئة دبابة ومدرعة يرافقها آلاف من قوات النخبة في الحرس الجمهوري والقوات الخاصة والفرقة الرابعة، وأعداد هائلة من الشبيحة.

دارت معارك كانت هي الأقوى والأشرس، استخدم فيها النظام كل صنوف الأسلحة ولأول مرة يستخدم فيها طيران الميغ 21، استبسل فيها الثوار دفاعاً عن الحي، وارتقى كثير من قادات وعناصر الجيش الحر، وأوشكت بعض المجموعات على الفناء لكثرة الشهداء والمصابين فيها.

أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر كتيبة نور الدين الزنكي، وكتيبة أبو أيوب الأنصاري، وسرية أبو عمارة، وكتيبة التوحيد والجهاد التي تعرض قائدها أبو حيدر لإصابة بالغة أدت إلى شلله، وكتيبة سيوف الله الأحرار التي لم يتسنَ لقائدها صقر أبو قتيبة المشاركة في تلك المعارك، بسبب إصابته وفقْده لعينه في مواجهات مع عناصر الأمن قبل يومين من دخول الجيش الحر إلى الحي.

مجموعات صغيرة بأعدادها، عظيمة بأفعالها، ضعيفة بإعلامها، كان لها الدور الأكبر في صمود تلك الأحياء، ويحتاج عدها جميعا إلى مجلدات، ولكن أحاول استحضار الذاكرة ما أمكن، فكيف لي أن أنسى الأبطال من كتيبة سيوف الشهباء، وأمجاد صلاح الدين، شهداء صلاح الدين، درع الشهباء، سرايا الفتح، لواء شهداء الأتارب والملازم مصطفى عكوش الذي تعرض لإصابة في معارك حي الإذاعة أدت إلى إصابته بالشلل، الملازم بلال الذي أتى بمجموعته من قرية سرمين في ريف إدلب، وكتيبة أبو العلمين من حلفايا، التي بترت يد قائدها سامي رحمون في تلك المعارك، ومجموعات من حفسرجة، وحزانو، وريف المعرة الشرقي، وجبل الزاوية، والعديد من المناطق الأخرى.

بعد أيام من الكر والفر والمعارك الضارية وتحت الضغط الشديد وقلة السلاح ونفاد الذخيرة، وبتاريخ 8 آب 2012 بدأ الثوار بالتراجع تدريجياً والانسحاب التكتيكي من الحي بعد أن أوشكوا أن يقعوا في الحصار، واستطاع النظام إحداث خرق من جهة ملعب الحمدانية عبر الشوارع الطولانية والعرضانية ومن جهة حارة الحشكل جنوب الحي، وبعد أيام من انسحاب الثوار وصلت قوات النظام إلى دوار صلاح الدين، معلنة يوم 11 آب سيطرتها على كامل الحي.

دخلت قوات النظام وشبيحته الأحياء التي هجرها أهلها مع اشتداد المعارك، وعاثت بها فساداً وإجراماً وتعفيشاً، انتقاماً من أهلها الذين كانوا نِعم الحاضنة الشعبية لأبنائهم المدافعين عن كرامتهم، الذين فضلوا النوم على الأرصفة وفي مداخل الأبنية على أن يفتحوا بيتاً أو محلا.

أيام قليلة واستوعبت فصائل الجيش الحر هجوم النظام وأعادوا ترتيب صفوفهم وتجميع قواهم وتوافدت المؤازرات من الأرياف والأحياء الأخرى منها كتيبة مصعب بن عمير بقيادة معتصم عباس، وكتيبة فجر حلب بقياد الشهيد أبو علاء منغاني، وكتيبة ذو النورين بقيادة عبد الله لولة، الذي استشهد أولاده الثلاثة وأزواج بناته الثلاث في معارك العز والشرف، ومن لواء الفتح المشكل حديثا، يتقدمهم القيادي أيمن عليطو، الذي ارتقى شهيداً مدافعاً عن حي صلاح الدين، ومن لواء التوحيد بقيادة العقيد أبو الفرات، ومضر نجار، وكتيبة أبو بكر الصديق من مدينة الباب بقيادة بطلين استُشهدا على يد تنظيم داعش الإرهابي فيما بعد هما (الشيخ رئاب) وهو الاسم الحركي للشيخ زاهر شرقاط آنذاك، و ياسر أبو الشيخ، ومجموعات من أرياف إدلب وحماة، وبدأت المعارك على كل الجبهات لدحر قوات النظام.

حمي الوطيس وبدأ الكرارون معركتهم بمعنويات عالية وإصرار الليث في الدفاع عن عرينه بوجه الضباع. كانت البداية بتاريخ 11 آب من الكازية العسكرية في حي العامرية القريبة من الكليات العسكرية حيث دارت رحى معركة قاسية، قتل فيها قائد الكازية العقيد حبيب جامع شقيق اللواء المجرم جامع جامع، وارتقى فيها لنا شهيدان هما عبدالقادر شاشو، ومجد ترمانيني.

توسعت جبهات القتال لتشمل بالإضافة لحي صلاح الدين جبهات سيف الدولة، الإذاعة، الأعظمية، العامرية، ودارت معارك لم تشهدها جبهات حلب قط، استمرت حتى منتصف الشهر التاسع من نفس العام، استخدم فيها الثوار تكتيكات جديدة من خلال فتح (الخراقيات) ضمن الأبنية والتسلل والاشتباك المباشر مع العدو، ليتمكنوا من استعادة ثلثي حي صلاح الدين والإذاعة وسيف الدولة، حيث امتدت هذه المعارك إلى دوار الكرة الأرضية والهجرة والجوازات ومبنى الإذاعة والتلفزيون.

خمسة وثلاثون يوماً والمعارك الطاحنة لم تتوقف لحظة واحدة، خسر النظام فيها مئات من قواته

معارك سيسطّرها التاريخ ويخلد أسماء قادتها سواء ممن قضى نحبه أو ممن ينتظر .. أذكر منهم (الشهيد أبو علي الصليبي، أبو الصادق، مهنا جفالة، أبو الحسنين، عمر سلخو، ربيع دعبول، الشهيد النقيب محمد دشو، النقيب مالك إدريس ابن مدينة خان شيخون، الملازم أول أبو يعرب ابن مدينة القريتين، الملازم أول أحمد الحلو، أبو أدهم خليفة، الشهيد أحمد الدبيح، أبو محمد الإدلبي).

خمسة وثلاثون يوماً والمعارك الطاحنة لم تتوقف لحظة واحدة، خسر النظام فيها مئات من قواته في محاولة يائسة لطالما روج لها عبر إعلامه الكاذب أنه سوف يستعيد كامل المدينة من خلالها، ولكنه فشل، وسلّم بأن حلب أصبحت خارج سيطرته، فتراجع تحت الضربات القوية للثوار مركزاً جهده الرئيسي على حماية أوتوستراد الحمدانية ودوار الكرة الأرضية وإبعاد الثوار عن قصر الضيافة ونادي الضباط.

معارك عز وكرامة ارتقى فيها خيرة شبابنا شهداء، أذكر آخرين منهم من باب الوفاء والعرفان لمن قدم التضحيات: أبو علي خضرو، الشهيد أبو العباد، الشهيد الطالب الجامعي زاهر دندل، الطالب الجامعي أيهم عكيدي الذي لبى نداء استغاثة النقطة الطبية التي حوصر فيها المسعفون والمسعفات بعد انسحاب المجموعات في العاشر من شهر آب فاقتحم الصفوف بسلاحه الخفيف مسرعاً لإنقاذهم فنال شرف الشهادة الذي كان مبتغاه.

هذه النقطة الطبية التي أنشأها المهندس عز الدين سالم المشهور بأبو سمير طبية ومعه حرائر ماجدات ممن شاركن في الثورة السلمية من بدايتها، أذكر منهن بيان وحنان التي استشهد شقيقاها في تلك المعارك، ومن ثم زوجها أبو خالد عزيزة، وعد الخطيب، وبنات الشهيد أبو ماجد كرمان اللواتي كن من الشجاعة والثبات بمكانة ما تفوق شجاعة الرجال، كيف لا، ووالدهن شهيد وعمهن شهيد وشقيقهن الوحيد شهيد، وزوج إحداهن شهيد.

رُسمت خطوط التماس في الأحياء الغربية على هذا الوضع حتى سقوط حلب نهاية عام 2016.

عن أسباب توقف وفتور المعارك في الأحياء الغربية ورسم خطوط التماس فيها، ودور الجماعات الإسلاموية، والدعم المسيس، وانتقال المعارك إلى جبهات أخرى وبمنحى وشكل مختلفين سيكون مقالي القادم.