حكومة فيشي.. واستقلال دمشق المؤقت

حكومة فيشي.. واستقلال دمشق المؤقت

حكومة فيشي.. واستقلال دمشق المؤقت

تاريخ النشر: 28.06.2018 | 00:06 دمشق

في شهر حزيران من العام 1940، عندما كان الفرنسيون يبسطون انتدابهم على سوريا، كانت العاصمة باريس قد سقطت في يد الاحتلال الألماني، خلال الحرب العالمية الثانية، رغم أن فرنسا كانت تعد قوةً استعمارية كبرى لديها في الشرق الأوسط وشرق المتوسط مستعمرتا سورية ولبنان، ولديها قوات عسكرية كبيرة في هذه المنطقة قُدرت بحوالي مائة وخمسين ألف جندي، لكنها، وحتى تتلافى أخطاء الحرب العالمية الأولى، بَنَتْ على حدودها الشمالية مع ألمانيا، مانعاً صناعياً هائلاً ذا طبيعة عسكرية يدعى خط ماجينو، وهو عبارة عن مجموعة من الموانع الصناعية، وأبراج مراقبة، وشبكة معقدة من الأنفاق والسكك الحديدية تحت الأرض، وعدد كبير من الدشم الخرسانية الضخمة المحشوة بالمعدات العسكرية والذخائر.. أراد وزير الدفاع الفرنسي ماجينو من هذا أن يعرقل أي هجوم عسكري ألماني محتمل ريثما يتم استدعاء القوات الفرنسية للمواجهة، ولكن مع بداية الحرب العالمية الثانية حشدت ألمانيا قوة عسكرية ضخمة، والتفت حول الخط المانع، واحتلت ثلاثة دول دفعة واحدة هي هولندا وبلجيكا واللكسمبورغ، وفتحت عدة طرق باتجاه العاصمة باريس التي وصلت إليها خلال ستة أسابيع فقط، وفي الأسبوع الثامن كان هتلر يتنزه في الشانزيليزيه، وقادةُ فرنسا الجدد يوقعون اتفاقية مهينة معه قُسمت فرنسا بموجبها إلى شطرين، يقع الشطر الشمالي تحت الإدارة الألمانية مباشرة ويتضمن العاصمة باريس وقسماً جنوبياً عاصمته "فيشي"، تقوم فيه حكومة فرنسية عميلة للألمان، وهي الجهة التي كانت تدير القوة العسكرية المسيطرة على سوريا ولبنان، فكانت سوريا واقعة تحت احتلال دولة مُحتلة.

قبل أن تسقط باريس كانت الصفوة السياسية السورية محتقنة بمماحكات الكتلة الوطنية، وصراعات شظاياها العديدة بعد أن تفرقت إلى جماعات متعددة إثر استقالة الحكومة التي انبثقت عن توقيع اتفاقية 1936،

كان هتلر حاضراً في المشهد السوري كشخصية مفضلة، أو سوبر ستار، ووصل الأمر إلى تشكيل ميليشيا شبه عسكرية أنشأتها الكتلة الوطنية باسم "القمصان السوداء" اعتمدت لنفسها تحية هي ذات التحية الألمانية النازية.

لم يُرض أداؤها أحداً، فاستقال أول الأمر شكري القوتلي الذي كان وزيراً فيها، ثم تمرد فارس الخوري وهو رئيس مجلس النواب، واستقال جميل مردم رئيس الوزارة، ولم يلبث أن استقال الرئيس هاشم الأتاسي نفسه بعد كل هذا الخصام، فما كان من المندوب السامي إلا أن حل البرلمان، وعلق الدستور، ولجأ إلى حفنة من التكنوقراط ليديروا الدولة، كانت عندها المدن السورية في منتهى الهدوء، وتلقى السوريون هذه الأخبار بكثير من الاستكانة.

كان هتلر حاضراً في المشهد السوري كشخصية مفضلة، أو سوبر ستار، ووصل الأمر إلى تشكيل ميليشيا شبه عسكرية أنشأتها الكتلة الوطنية باسم "القمصان السوداء" اعتمدت لنفسها تحية هي ذات التحية الألمانية النازية "هاي هتلر"، كان طريفاً أن يؤدي القبضايات والمتعلمون المنضوون تحت راية القمصان "السوداء" تحية لا يعرفون معناها، ولكنهم تبنوها تحت ضغط شعبية هتلر الطاغية.

نشرت مجلة التايم الأمريكية تقريراً في عدد العشرين من أيار عام 1940 لمحررة تدعى "مارغريت وايت"، رصدت فيه الحياة في سورية قبل سقوط باريس بأشهر، فالتقطت صوراً كثيرة من شوارع دمشق وحلب وحمص معظمها لجنود مغاربة وتونسيين وسنغال يبدون في حالة وسط بين اللامبالاة والتأهب، بينما يبدو الشارع غير مكترث بالمعركة التي يتصارع فيها أعضاء الكتلة الوطنية، ولا بالمعركة التي تدور على مشارف باريس، فيظهر في إحدى الصور بائع موز مبتسم ويتحلق حوله رجال أحدهم بربطة عنق، وآخر بعمامة، وثالث بقمباز، يبتسمون براحة تامة للكاميرا. أتاح وجود الموالين لفيشي في سورية ظهور عواطف تمالئ دول المحور (التي تشكل ألمانيا جزءاً منها) وكان بين هؤلاء كثيرون ينتمون إلى الكتلة الوطنية ذاتها.

تجاهل المندوب السامي المعين من قبل حكومة فيشي كل رجالات الكتلة الوطنية، ولجأ إلى وجيه وطني معروف يدعى خالد العظم، وكلفه بتشكيل الحكومة، اعتقد المندوب السامي أن هذه الحكومة هي حكومة استقرار، فجيوش هتلر تجتاح أوروبا، وحكومة فيشي تمارس أعمالها بانتظام، كان سهلاً على العظم تأليف الحكومة حيث لا يوجد برلمان بحاجة ليأخذ رأيه، فسار الأمر بسلاسة لا ينكرها العظم ذاته الذي يعترف بأن أيام هذه الحكومة كانت من أفضل أيامه، ولكن هذه الحكومة فوجئت عندما علمت بأن جيش الحلفاء أصبح على مقربة منهم، بينما كانت الوزارة ورئيسها يقومون بزيارة إلى المحافظات،

قطع الحلفاء الطريق على هتلر الذي دعم ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق عن طريق دمشق، وحسموا لأنفسهم التفوق المطلق في هذه المنطقة.

وحين وصلوا حلب أخذ رئيس الوزراء (العظم) علماً أن الإنكليز قد دخلوا درعا، بما يعني أن حملة بدأت من قبل الحلفاء لاسترجاع السيطرة على مستعمرات فرنسا الشرق أوسطية، وفي الواقع لم تكن الجيوش التي دخلت درعا إنكليزية صرفة، بل كانوا خليطاً من الهنود والأستراليين وقوات فرنسا الحرة، وجدوا لأنفسهم طريقاً من شمال فلسطين، ورغم تفوق القوات المفترض الذي يميل لصالح قوات فيشي الفرنسية، فإن الحلفاء دخلوا دمشق بسهولة لافتة.

قطع الحلفاء الطريق على هتلر الذي دعم ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق عن طريق دمشق، وحسموا لأنفسهم التفوق المطلق في هذه المنطقة، ولكن الشعبية الهتلرية لم تخبُ في الشوارع، وبقي من مظاهرها الكثير. في الليلة التي رحل فيها جنود فيشي وجَّه المندوب السامي رسالة إلى خالد العظم رئيس الوزراء وسلمه بموجبها كل صلاحيات جيش الانتداب، فتحولت سوريا في تلك اللحظة إلى بلد مستقل بعد أن جلا عنها جيش الانتداب، واستغل العظم الفرصة وأطلق المسجونين السياسيين فوراً، وجلس في مكتبه ينتظر وصول المنتصرين، لكن لم يمض وقت حتى عادت سوريا وتحولت مرة أخرى إلى دولة محتلة، فسرعان ما توجه مجموعة من الضباط الإنكليز والفرنسيين فوراً إلى مكتب رئيس الوزراء الذي وقف مستسلماً، ففاجأه كولونيل إنكليزي يدعى كازو بالعبارة التالية:

"لقد جئنا إلى سوريا لأمرين: الأول طرد الألمان والثاني إعلان استقلالكم". كان ذلك في العشرين من حزيران عام 1941.

كلمات مفتاحية
مقالات مقترحة
حصري: شحنة سلاح إيرانية مفقودة في دير الزور تثير جنون إسرائيل
انكماش الاقتصاد الأردني يزيد الضيق على العمال السوريين 
مسؤول الحرس الثوري في دير الزور يصل العراق للقاء ضباط إيرانيين
مطار حلب يستقبل أول طائرة من بيروت بعد تعليق العمل بسبب "كورونا"
8314 إجمالي الإصابات بكورونا شمال شرقي سوريا
صحة النظام: لقاح "كورونا" في نيسان واليونيسيف "لا موعد محدد"