حكومة سعد الحريري لإنقاذ حزب الله أولاً

حكومة سعد الحريري لإنقاذ حزب الله أولاً

حكومة سعد الحريري لإنقاذ حزب الله أولاً
25 تشرين الأول 2020

هذه المرة، عودة سعد الحريري إلى رئاسة الحكومة اللبنانية ليست كالمرات السابقة. فبعد مرور سنة على استقالته، تحت ضغط انتفاضة شعبية وإفلاس القوى السياسية المختلفة وعجزها، وانكشاف النظام اللبناني على فساده وخرابه، وتساوي أطراف السلطة وأحزابها في المسؤولية عن الانهيار.. بدا أن أركان المنظومة الحاكمة استطاعت إخماد التمرد الشعبي من ناحية، وتجديد "شرعيتها" داخلياً بقوة الاصطفاف الطائفي، وخارجياً عبر القبول بالمبادرة الفرنسية التي بدت كحبل نجاة لها، إضافة إلى خطوات "تطبيع" العلاقات مع الولايات المتحدة عبر ملف ترسيم الحدود مع إسرائيل.

خلال عام خطر شهده النظام اللبناني، تولى حزب الله مسار "الإنقاذ". أولاً، بترهيب المحتجين والمتظاهرين والناشطين والانقضاض على تجمعاتهم، وتخويف الكثرة الغالبة من اللبنانيين بأخذهم عنوة إلى حرب أهلية إن استمروا بانتفاضتهم. وثانياً، برسم مسار إعادة إنتاج السلطة وتعويمها عبر حكومة "تكنوقراطية" ترأسها حسان دياب، عينتها الطبقة الحاكمة بهندسة دقيقة من حزب الله، ثم بغض النظر عن "التفاوض" مع أميركا وإرضائها بملف الحدود، بموازاة ترحيبه العلني بالمبادرة الفرنسية الإنقاذية، التي تتضمن اعترافاً كاملاً بالسلطة القائمة ورموزها.

هكذا، تبددت "الثورة الشعبية" من ناحية، وانكسر الحصار الدولي (نسبياً). ولاستكمال هذا المسار، بدا أن حزب الله ببراغماتية تامة لا يريد سوى ترميم الطبقة السياسية الحاكمة هي نفسها. وما سعد الحريري إلا المثال الأهم على ذلك. فرغم كل الخصومة بينه وبين الحزب وما يتخللها من تعبير عن الصدع المذهبي بين السنة والشيعة، ورغم التباين الإيديولوجي في النهج الاقتصادي بوصف الحريري رمز الليبرالية الرأسمالية وسياسات السوق، ورغم العداء المبدئي

يمثل الحريري كل ما يعاديه حزب الله "خطابياً" وشعاراتياً، لكنه بات الحاجة القصوى له. إنه مخرج الطوارئ الذي سينقذه من ورطته التي يعاني منها على امتداد سنوات

بين حليف السعودية وحليف إيران، إلا أن الحزب استمات حتى يعيد سعد الحريري رئيساً للحكومة، ولو عنى ذلك كسراً لحليفه "الاستراتيجي" رئيس الجمهورية ميشال عون.

بمعنى آخر، يمثل الحريري كل ما يعاديه حزب الله "خطابياً" وشعاراتياً، لكنه بات الحاجة القصوى له. إنه مخرج الطوارئ الذي سينقذه من ورطته التي يعاني منها على امتداد سنوات.

فسياسات الحزب العدوانية والعنيفة التي أخذته إلى اليمن والعراق وسوريا، أفضت إلى أن يلقي على لبنان تبعات سياسية وأمنية واقتصادية وديبلوماسية لا طاقة له عليها، وأدت إلى انكشاف كارثي داخلياً وخارجياً إلى حد خطر الجوع وخطر انهيار الدولة نفسها. الحصار الخانق والعزلة والعقوبات المتلاحقة بالتوازي مع معاناة إيران نفسها، جعلت الحزب عاجزاً عن الاستمرار بمغامراته ولم يعد قادراً على المخاطرة بخسارة بيئته الحاضنة نفسها.

بالطبع، خطابات حسن نصرالله في "التوجه شرقاً"، أي نحو الصين وروسيا وإيران، تبددت أوهامها سريعاً. كذلك دعوته إلى الزراعة البيتية والإكثار من الصدقات والتبرعات، بدت أفكاراً بالغة السذاجة ومنعدمة الحيلة.

مع انفجار بيروت في 4 من آب، أضحى "لبنان حزب الله" هو الدمار والموت والانهيار. وصار حزب الله مجسداً لانعدام الحياة والخراب والكارثة. إنه المتهم الأول بما آل إليه المصير اللبناني. وعليه، أيقن الحزب أنه غير قادر على الاستمرار بالنهج نفسه. وأن احتمال خسارته للهيمنة والنفوذ والقوة تلوح في الأفق، خصوصاً أن تورطه في سوريا وصل إلى نهاية وخيمة، وأن حيلته بالهروب من مآزقه الداخلية بشن حرب على إسرائيل لم تعد مجدية وليس لديه القدرة على تجربتها وتحمل أثمانها التدميرية.

هكذا، يذهب حزب الله إلى أحضان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المنقذ. وهكذا يجهد بكل ثقله للإتيان بسعد الحريري رئيساً للحكومة. وبمعنى أوضح، قرر حزب الله هدنة طويلة مع إسرائيل ستتثبت عبر مفاوضات ترسيم الحدود، كما عبر توسيع مهام قوات الأمم المتحدة في الجنوب. كذلك، وحسب ما أعلنه حليفه جبران باسيل، فالحزب يعمل جدياً على إعادة انتشار أشبه بالانسحاب من سوريا. وداخلياً، سيمنح حزب الله سعد الحريري قدرة واسعة وحرية كبيرة في إدارة التوازن السياسي للدولة وترميم علاقاتها العربية والدولية، كما في سياساته الاقتصادية ومشاريع إعادة الإعمار والتفاوض مع صندوق النقد الدولي..

صحيح أن الحزب سيظل ممسكاً بالقرار الاستراتيجي، ومديراً أعلى للتناقضات الداخلية وموازينها.. إلا أنه، ومن موقعه هذا، سيمنح سعد الحريري "صلاحيات استثنائية" في عمله الحكومي.

وبالمقابل، فإن "النسخة الجديدة" من الحريري، ستكون أقرب إلى الطور الأول من حقبة والده رفيق الحريري (أي ما بين 1990 و1998)، حين كان الأب هو المعبّر عن التوافق بين النظام السوري (وحزب الله) والسعودية وأميركا، وليس ما صاره خصوصاً بعد العام 2000، طامحاً إلى إخراج لبنان من تحت "الوصاية السورية" ومن مسلسل الحروب مع إسرائيل، ومن وجود ميليشيا مسلحة مذهبية (حزب الله).

سعد الحريري الآن، هو اقتراح حزب الله لتخفيف الضغط الأميركي عليه، ولإبقاء أوروبا ممتنعة عن تصنيفه "منظمة إرهابية" ولترميم علاقة لبنان بدول الخليج وسائر الدول العربية، ولتمتين علاقته ببيئته الاجتماعية، وللنجاة من محاسبته على الحقبة الكارثية التي أنزلها باللبنانيين عمراناً واقتصاداً وسياسة وأمناً.

المفارقة الهائلة، أن الحزب لم يجد في كل حلفائه وفي صفوفه من هو مؤهل لإنقاذ لبنان، بل وجده في خصمه القديم، في الشخص الذي لم يترك حزب الله تهمة إلا وسددها نحوه.

هذه هي براغماتية حزب الله المتهم بقتل الأب.. والمستميت لتنصيب الحريري الابن رئيساً لحكومة الإنقاذ. بل وهذه هي أيضاً براغماتية الحريري نفسه، الذي لا يهنأ بالعيش إلا في السلطة ولو عن طريق أشد الخصوم خطورة وأذى.

فهل يكرر التاريخ نفسه، تاريخ حكومات الأب كما تاريخ حكومات الابن؟ على الأرجح، في ديارنا، هذا ما يحدث مراراً، وعلى نحو مأسوي لا هزلي.

مقالات مقترحة
نائب وزير خارجية الأسد: الجولان سيعود وبومبيو راحل
ماذا تخطط إدارة ترامب في زيارة وزير خارجيتها إلى الجولان؟
"هذه الأرض جزء من إسرائيل"..ماذا قال أشكنازي وبومبيو عن الجولان؟
كورونا.. 66 وفاة في الأردن و11 في لبنان
حجر صحّي في حيّ كامل بإسطنبول وتركيا تسجّل أعلى إصابات بكورونا
9 وفيات و281 إصابة جديدة بفيروس كورونا في شمال غربي سوريا