حكاية الأرمن .. من ضحايا الاستبداد إلى أنصاره

تاريخ النشر: 01.05.2018 | 11:05 دمشق

آخر تحديث: 17.05.2018 | 23:05 دمشق

قبل عرض متن هذه المادة، لا بد من الإشارة إلى أنني أتناول هنا حوادث معينة، وسياقا تاريخيا أو سياسيا محددا، ومواقف سياسية معلنة لها انعكاسات بهذا القدر أو ذاك على جملة الأحداث والمتغيرات الجارية في سورية. فعلى سبيل المثال، يجب أن لايُفهم من تناولي لجملة من اللاعبين مثل: ( أرمن، عرب، أتراك، سريان، أكراد) بأنني أعني من هذه المسميات التعميم على عموم أبناء هذه القوميات ومجاميعها، فصيغة التعميم الإيجابي أو السلبي، بموجب الفرز "العرقي" التقليدي،  لا أؤمن بها. وحديثي هنا "مخصص"  لمن هم في واجهة الحدث والمساهمين فيه، من النخب و الساسة والمنظمات والجمعيات والشخصيات. [وجب التنويه]

الأرمن والعلاقة مع العرب

الأرمن من الأقوام الهندية الأوربية التي استوطنت في شمال موطن الآشوريين، واتصل معهم الآشوريون منذ نشوء كيانهم السياسي عبر غزوهم، يشير طه الباقر إلى أن بلادهم عرفت لدى الآشوريين باسم "أورارتو" ولدى العبرانيين باسم "أراراط" وعرفوا أيضاً باسم "الهالديين".

أما تاريخ احتكاكهم بالعرب فتشير إليه الحوليات والتاريخ الأرمني عند الكلام على مملكة الرها (أديسيا) في القرن الثاني (ق.م)، أيام ملكها المدعو (ابكاريوس) ، ويبدو أن قدوم الأرمن إلى سورية الداخلية وتحديداً إلى حلب يعود إلى القرن الثامن الميلادي، وأقدم وفق ما يزعمه السكندر كشيشيان يعود إلى سنة 726م. أما وجود الأرمن في منطقة الجزيرة السوريّة "بحدودها الحالية" فيعود إلى أحداث نيسان/ أبريل 1915م التي يحيي ذكراها الأرمن في 24 من نيسان من كل عام بوصفها ذكرى" مذابح الأرمن".

الهجرة الأرمنية الكبرى إلى سورية

شكل الأرمن طلائع الهجرات المسيحية بداية القرن العشرين إلى سورية، وساهمت عدة عوامل في زيادة أعداد المهاجرين الأرمن إلى سورية، فالهجمات التي تعرضوا إليها سنة 1895، 1908، ثم جلاؤهم من الأناضول فيما عرف بـ (سفر برلك)،  وفترة الحرب العالمية الأولى 1914-1918 وما تخللها من صدامات بين الأرمن المدعومين من الروس وجيرانهم المسلمين وبشكل خاص الأكراد، و انسحاب الفرنسيين المفاجئ من كيليكيا ضمن اتفاقية فرانكلان – بويون سنة 1921 وترك الأرمن وحدهم، كلها دفعت بالآلاف من الأرمن للتوجه إلى الأراضي السورية الخاضعة للسلطة الفرنسية التي مهدت السبيل أمام استقبال الأقليات وبشكل خاص لمواجهة تصاعد الخطاب القومي العربي، مع التركيز على العناصر التي تملك عداء مع الأتراك لأن ذلك سيساعد الفرنسيين على مسائل ترسيم الحدود مع تركيا لاحقاً.

وفق التسجيلات الفرنسية اجتاز الحدود بين عامي 1922 و 1923 حوالي أربعين ألف أرمني للإقامة في سورية ولبنان.

سوريا لم تكن تضم مراكز أرمنية قبل عصر الانتداب الفرنسي، وقبل أحداث تركيا في بدايات القرن العشرين

وبين عام 1929-1930 قدمت ثلاثمائة أسرة أرمنية من ديار بكر، وشكلوا طبقة الحرفيين الأوائل، وقدرت أعداد المهاجرين من الأناضول وكيليكيا بنحو 100 ألف مهاجر، معظمهم من الأرمن، حيث تم احتساب 49.600 لاجئ، كان منهم 44.700 أرمني، كما نشرت وثائق أخوية الأرمن تقارير توثق بموجبها عدد الأرمن في حلب سنة 1935 حيث تشير إلى أن عدد الكاثوليك 6754 نسمة، أما الأرمن غير الكاثوليك فبلغ  49114 ، في حين نشرت الصحف المحلية آنذاك تفاصيل أكثر عن عدد الأرمن على لسان محافظ حلب الأمير مصطفى الشهابي كالآتي: الكاثوليك 7153 نسمة، الأرمن غير الكاثوليك 61529 نسمة. وبموجب دوائر الإحصاء الفرنسية في أواسط الأربعينيات، فإن أعدادهم في عموم سورية بلغ 98,879  نسمة، منهم 65,654 نسمة في حلب وريفها، و18,432 في دمشق وريفها، و5,941 في القامشلي و 1,405 في الحسكة و 2,741 في محافظة الفرات، و 2,736 في محافظة اللاذقية و850 نسمة في محافظة حمص وريفها، و507 في محافظة حماة  و224 نسمة في حوران و 389 في محافظة جبل الدروز.  وباستثناء وجود مستعمرة أرمنية قديمة في حلب منذ القرن التاسع عشر وماقبله، فإن سورية لم تكن تضم مراكز أرمنية قبل عصر الانتداب الفرنسي، وقبل أحداث تركيا في بدايات القرن العشرين، كالجلاء عن كيليكيا بعد اتفاقية أنقرة، ثم انتصار تركيا على اليونان سنة 1922ـ هذا فضلاً عن تشجيع الانتداب لتلك الهجرات التي استمرت دون انقطاع.

الأرمن يحصلون على الجنسية

حصل الأرمن على الجنسية السورية والتي يبدأ تاريخها بالمعنى القانوني للكلمة في 30 من آب/ أغسطس 1924، حين اعتبر جميع من ينتمون إلى التبعية أو الجنسية العثمانية مكتسبين تلقائياً الجنسية السورية. وشمل ذلك جميع الأرمن وغير الأرمن المهاجرين والموجودين في سورية في 30 من آب / أغسطس 1924 بصفة كونهم عثمانيين. كما أن الرسولية الكاثوليكية كانت قد فتحت مجالاً واسعاً للمهاجرين الأرمن للعمل ضمن مشروع تشجيع الكثلكة الفرنسي.  وقد كان استقرارهم في منطقتين رئيستين هما حلب ودير الزور بعد مرورهم برأس العين التي كانت تمثل إحدى نقاط التجمع الرئيسية في الشمال السوري، ينتقل من خلالها المهاجرون إلى حلب عبر سكة حديد بغداد،  وبعد إنشاء مدينة القامشلي استقر قسمٌ كبير منهم فيها. وأُنشأت لهم كنائس وأحياء خاصة منذ بدأ تخطيطُ المدينة على يد الفرنسيين, وقد بلغت أعدادهم بموجب الإحصاءات الفرنسية في محافظة الجزيرة السوريّة سنة 1943م نحو 9783 نسمة .

ذكرى "مذبحة" الأرمن

يحيي الأرمن في 24 من نيسان من كل عام ذكرى ما عرف ضمن الحوليات الأرمنية ( بمذابح الأرمن) أو مجازر الأرمن. المذابح التي يقول الأرمن إن أكثر من نصف مليون أرمني، بلغتهم: "كيز مليون"، قضوا فيها. في الوقت الذي يفتح الأتراك فيه أبواب الأرشيف العثماني ويتيح الوصول إليه أمام المختصين والمهتمين وحتى العوام، للبحث في هذه المزاعم، والتي وإن كان الأتراك لا ينفون وقوع ضحايا أرمن فيها، إنما يشيرون إلى أن الصورة التي يتم عرضها وتحاول بعض الدول الأوربية تبنيها والترويج لها، هي منقوصة ومحرفة بشكل متعمد، وتغفل أنه مقابل سقوط أرمن من رعايا الدولة العثمانية في الأحداث التي جرت بداية القرن العشرين وسنة 1915م، فإن ضحايا مسلمين ( أكراد وأتراك) أيضاً سقطوا على يد الجيش الروسي المدعوم من الميليشيات الأرمنية المسلحة آنذاك.

مقالنا هنا لا يتسع للخوض في هذه التفاصيل واستعراض ما يزعمه كل طرف من الأطراف، فما أؤمن به كإنسان أولاً، وكابن للذاكرة السورية التي احتضنت فلول اللاجئين الأرمن وغير الأرمن من مختلف الأقليات في فترة مابين الحربين العالميتين، ومن خلال تجربة الألم المتجددة التي يعاني منها السوريون اليوم من قتل وتهجير طائفي على يد نظام إجرامي مستبد قاتل في سورية، تسبب بقتل مئات الآلاف وتدمير معظم الحواضر البشرية في سورية،

الأرمن يتمسكون بمناصرة علنية لهذا النظام المجرم الذي لا شيء يشبهه بالإجرام والقتل إلا ذلك الوصف الذي يكتبه الأرمن عن المتسببين " بمذابحهم" قبل مئة عام.

وقام بدون أدنى شك بتهجير الملايين من المدنيين إلى جميع أصقاع الأرض، فإني أقف بكل تأكيد مع جميع ضحايا الحروب، سواء في عصرنا الراهن أو في العصور السالفة. ومن بينهم الأرمن بكل تأكيد.

ضحايا أم أنصار الاستبداد؟!

لا شيء أغرب عندي من مناصرة الأرمن لنظام الأسد، نظام ارتكب كل الموبقات والجرائم التي يندى لها الجبين، صورة الفظائع المنقولة اليوم بالصوت والصورة هي أبلغ من أي شرح و وصف، لا شيء سوى مقطع الفيديو الحي يمكن له وصف بشاعة ما ارتكبه بشار الأسد بحق شعبه. الأرمن ورغم تبنيهم السرديات التي تتحدث عن آلامهم ومآسيهم ومعاناتهم قبل مئة عام، ورغم كل ما تحمله هذه السرديات من علامات استفهام ومبالغات ومحاولات إسقاط واستثمار سياسي، فإنهم (الأرمن) ويا للعجب، يتمسكون بمناصرة علنية لهذا النظام المجرم الذي لا شيء يشبهه بالإجرام والقتل إلا ذلك الوصف الذي يكتبه الأرمن عن المتسببين " بمذابحهم" قبل مئة عام.

لم يكتف الأرمن بمسألة الصمت على مذابح النظام بحق الشعب السوري الذي احتضنهم، ولا حتى بتبني رواية النظام والتشبيح له في حلب وغيرها من المحافظات، بل وبات الأرمن أيضاً يساهمون من خلال ميليشيات وعصابات مسلحة غير نظامية بالتشبيح لصالح النظام والقتال في صفوفه. حتى الحكومة الأرمنية التي أطاحت بها قبل أسبوع جماهير العاصمة الأرمنية يريفان، اتخذت موقفاً مناصراً للأسد ومتبنية روايته ضد شعبه.

دوافع مناصرة بعض الأقليات للنظام

في الواقع سأبقى في إطار " الأقليات المهاجرة" منذ بداية القرن العشرين إلى سورية، ولن أتحدث عن الأقليات السورية الأخرى التي بقيت مواقفها خاضعة لإطار نسبة وتناسب وتحكمها مخاوف ربما يمكن مناقشتها في مقال آخر. لكن ما الذي يدفع الأقليات التي هاجرت إلى سورية واحتضنها الشعب السوري قبل ولادة جد بشار الأسد، إلى مناصرة النظام؟

دون إطالة، أعتقد أن الأسباب الكامنة لهذه المناصرة الوقحة للنظام، تعود إلى أن الأقليات المسيحية المهاجرة إلى سورية في عهد الانتداب الفرنسي، إنما تقارن وضعها في سورية في حقبة الانتداب وما بعده أيضاً، بوضعها غير المرغوب فيه في تركيا في الماضي، وبالتالي تجد في سورية المكان الذي نعموا فيه بالأمن والاستقرار والدعم أيضاً في ظل الفرنسيين والحكومات التي أعقبت الاستقلال، لذلك تجدهم أكثر تمسكاً بدعم النظام الرسمي والتحرك في فلكه وفلك الحكومات التي يرونها مصدر أمان لهم في وجه خطر كامن ربما، وذاكرة ملوثة ومشوهة لدى الأجيال الحاضرة من أحفاد المهاجرين المسيحيين عن المسلمين، يتم استحضارها والتسويق أيضاً إلى أن النظام ضمانة لهم وحماية من أولئك " الأعداء التاريخيين" المتربصين بهم، وهذا تغييب حقيقي وتشويه لعقود من التعايش السلمي الآمن سبقت حقبة نظام الأسد بل وسبقت حتى الوجود الفرنسي بل والخلافة العثمانية برمتها.

النظام السوري بدوره لعب على هذا الوتر، وبات يولي أهمية خاصة للأقليات ويزيد من الاهتمام بها بعد الثورة، وبشكل خاص الأقليات التي تمتلك عداء تاريخيا مع الأتراك، فبدأ النظام يتماهى مع ذاكرتهم حول هذه المآسي التي تعرضوا لها مع تركيا، بل وبات خلال سنوات الثورة يحيي ذكرى هذه المذابح ويلتقي بوفود من الأرمن وغيرهم في إطار اللعبة السياسية في ظرف يستدعي ذلك، هذا كله برأيي يجعلنا نتفهم كيف بات هؤلاء أقرب بمواقفهم إلى النظام ومدافعين عن إجرامه.

ختاماً: يقع على عاتق السوريين جميعاً، وبشكل خاص نخب هذه الأقليات، أن لا تضع بيضها في سلة الاستبداد المهترئة، وأن تعول على مستقبل تصالحي مع جميع أبناء الوطن، وتتخلى عن التخندق والتقوقع على نفسها، وتكون أكثر ثقة وانفتاح لأن الانغلاق والخوف غير المبرر يدفع الكثير منها اليوم لارتكاب انتهاكات بحق أبناء الشعب السوري بشكل لا يمكن تصوره، ولا يمكن أيضاً إذا ما استمر الوضع على ماهو عليه التنبؤ بمستقبله ومستقبل التعايش في سورية. مصلحة السوريين في السعي لأن يحكموا أنفسهم دون وصايا من نظام مستبد وأدواته ومحركيه الإقليميين والدوليين.

كلمات مفتاحية