icon
التغطية الحية

حقيبة عند الباب.. نزوح ليلي يعيد الخوف إلى أهالي حلب

2025.12.27 | 09:12 دمشق

آخر تحديث: 27.12.2025 | 09:15 دمشق

RS]
النيران تشتعل بمنزل في حلب تعرض لقصف مصدره "قسد" التي تسيطر على حيي الأشرفية والشيخ مقصود، 22 كانون الثاني 2025 ـ gettyimages
تلفزيون سوريا - حلب - عبد الغني العريان
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- شهدت أحياء الجميلية والسبيل والسريان في حلب نزوحاً متفرّقاً للعائلات بسبب القصف المدفعي من مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، مما أدى إلى مقتل أربعة مدنيين وإصابة آخرين، حيث سعت العائلات للبحث عن أماكن أكثر أماناً.

- عائلة "أبو فراس" من حي الجميلية اضطرت لمغادرة منزلها بعد سقوط قذيفة، مما أسفر عن مقتل أم وطفل واندلاع النيران، ولجأت إلى الحديقة العامة القريبة.

- النزوح كان فردياً وغير منظم، ومع توقف القصف مؤقتاً، عاد بعض السكان بحذر إلى منازلهم، بينما فضلت عائلات أخرى تأجيل العودة بانتظار استقرار الوضع.

بدأت عائلات من أحياء الجميلية والسبيل والسريان في مدينة حلب، بمغادرة منازلها بشكل متفرق، حاملة معها ما تيسر من الأغراض الشخصية، مع تصاعد القصف المدفعي القادم من جهة أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، والذي أسفر عن مقتل أربعة مدنيين وإصابة آخرين.

الخروج لم يكن منظماً ولا جماعياً، بل اتخذ شكل تحركات فردية سريعة، شملت عائلات وأطفالاً وكبار سن، بحثاً عن أماكن أكثر أمناً داخل المدينة أو في محيطها القريب. ومع الساعات الأولى للتصعيد، تراجعت الحركة في الشوارع الرئيسية، وأُغلقت المحال التجارية، في حين خلت الأحياء من مظاهر الحياة اليومية التي عادت تدريجياً خلال الأشهر الماضية.

ومع كل موجة قصف، توسعت رقعة المغادرين، خصوصاً في الأحياء الأقرب إلى خطوط التماس، في مشهد يعكس نمط نزوح محدود، لكنه مفتوح على احتمالات التوسع في حال استمرار التصعيد.

عائلات نزحت من منازلها في الأحياء المذكورة تروي لموقع تلفزيون سوريا، تفاصيل نزوحها عقب القصف المدفعي الذي شنته "قسد" على المنطقة.

ليلة في الحديقة العامة

عائلة "أبو فراس" من سكان حي الجميلية كانت من بين العائلات التي وجدت نفسها خارج المنزل خلال دقائق، يقول الرجل الخمسيني لـ تلفزيون سوريا: "سقطت قذيفة بالبناء المجاور الى بيتنا وقتلت الأم وطفل لا يزيد عن 15 عام واشتعلت النيران في المنزل، فقررنا الخروج من المنزل على الفور".

أخذت العائلة أوراقها الثبوتية، بعض الملابس، وزجاجة ماء، واتجهت سيراً على الأقدام نحو الحديقة العامة القريبة من الحي، لم يكن القرار مخططاً، بل خياراً فرضته السرعة والخوف.

في الحديقة، تجمعت بعض العائلات بعضهم افترش الأرض، وآخرون جلسوا على المقاعد الإسمنتية، في حين بقي كثيرون واقفين، يراقبون السماء مع كل صوت جديد؛
كان الأطفال الأكثر تأثراً بالمشهد، من بكاء وارتجاف وتساؤلات متكررة عن سبب الخروج، كما يصف أبو فراس اللحظات الأولى لمغادرة العائلات من الحي.

"بقينا حتى الفجر"، يقول أبو فراس، "البرد كان قاسياً، لكن العودة الى المنزل كانت خطر أكثر من البرد، وبكل اسف لا يوجد لدينا أقارب نلجأ إليهم في أماكن أخرى".

قصف يعيد فتح الجراح

القصف الذي طال أحياء الجميلية والسريان والسبيل، جاء في إطار اشتباكات متقطعة بدأت مساء الإثنين، وأسفرت عن مقتل مدنيين، بينهم طفل وسيدة، وإصابة آخرين بجروح متفاوتة، بعضهم من متطوعي الدفاع المدني الذين استُهدفت مركبتهم في أثناء توجههم لإسعاف المصابين.

وأطلقت تلك القذائف من مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، واستهدفت أحياء سكنية مكتظة، ما أدى إلى اندلاع حرائق في منازل، وإحداث حالة هلع واسعة بين السكان.

ولم يقتصر النزوح على الجميلية وحدها، مع بداية الاشتباكات، تحركت عائلات من أحياء السريان، الزهور، الميدان، العوارض، وبستان الباشا، قبل أن يمتد لاحقاً إلى السبيل وأجزاء أخرى من الجميلية.

لم يحمل نزوح حلب هذه المرة ملامح التجمّع الجماعي الذي طبع سنوات الحرب الأولى، بل جاء متفرقاً ومحدوداً، بلا مخيمات ولا مراكز إيواء. عائلات غادرت منازلها ليلاً على عجل، وانتقلت إلى بيوت أقارب أو معارف داخل المدينة، في حين غادر آخرون نحو الريف القريب، في حركة نزوح قصيرة المدى، فرضها الخوف أكثر مما خطط لها الناس.

غياب وجهة واضحة للنزوح جعل كثيرين يتنقلون أكثر من مرة خلال ساعات قليلة، بحثاً عن مكان يشعرون فيه بقدر نسبي من الأمان، من دون أن تتشكل تجمعات كبيرة أو نقاط لجوء ثابتة، في مشهد يعكس هشاشة الاستقرار الذي عاشته المدينة خلال الأشهر الماضية.

ومع توقف القصف في ساعات الفجر الأولى، عاد بعض السكان بحذر إلى منازلهم المتضررة جزئياً، عائلة أبو فراس كانت من بين العائدين، بعد ليلة قضتها خارج المنزل؛ يقول أبو فراس: "لم نعد لأن الخوف زال، بل لأن القصف توقف مؤقتاً، ولأن البقاء خارج المنزل لم يعد خياراً ممكناً بالنسبة لنا".

ورغم الإعلان عن وقف لإطلاق النار في محيط الشيخ مقصود والأشرفية، بقيت عودة الأهالي مشوبة بالقلق، في حين فضلت عائلات أخرى تأجيل العودة، بانتظار اتضاح ما إذا كان الهدوء القائم بداية لتهدئة حقيقية أم مجرد فاصلة قصيرة في مسار التصعيد.

التصعيد الأخير جاء في وقت حساس سياسياً، مع تصاعد الحديث عن تنفيذ اتفاق 10 آذار بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية. غير أن ما جرى ميدانياً أعاد طرح تساؤلات حول قدرة هذا الاتفاق على الصمود، في ظل خلافات داخلية، ورفض بعض القيادات الميدانية الالتزام ببنوده.

وقد لا يُصنف هذا النزوح بأنه واسع النطاق، لكنه حمل ثقلاً نفسياً كبيراً على سكان حلب، الذين ظنوا أن مرحلة الهروب الليلي باتت من الماضي.

بالنسبة لأبو فراس، لم تعد المسألة تتعلق باتفاقات أو خطوط تماس، قائلاً: "نحن مدنيون نعيش في أحياء سكنية"، ويضيف: "وعندما تُقصف هذه الأحياء من مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، فإن المدنيين هم من يدفعون الثمن في كل مرة".

في حلب، يكفي صوت قذيفة واحدة لإعادة ذاكرة مدينة كاملة إلى نقطة الصفر، حيث الحقيبة دائماً جاهزة، والحديقة العامة قد تتحول فجأة إلى ملجأ مؤقت، حتى إشعار آخر.