حقائق جديدة تتكشف بعد توقيف شاحنة النفط الإيرانية

حقائق جديدة تتكشف بعد توقيف شاحنة النفط الإيرانية

الصورة
08 تموز 2019
تلفزيون سوريا - خاص

في الرابع من الشهر الحالي أوقفت السلطات البريطانية في جبل طارق، ناقلة نفط تحمل الوقود الخام من إيران إلى سوريا.

كانت هذه أول عملية من نوعها منذ إقرار الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة العقوبات النفطية على النظام في دمشق عام 2011، إذ لم يسبق أن قامت السلطات الأوروبية بأي إجراء عملي لتفعيل القرار، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول حقيقة أزمة الوقود التي ظهرت أثارها بقوة، خاصة نهاية الشتاء الماضي، حيث تؤكد المعطيات أن الفساد من جهة، وفقدان تنظيم الدولة "داعش" لمناطق سيطرته من جهة أخرى، كانا العاملين الرئيسيين في هذه الأزمة، وليس العقوبات المفروضة التي لم تكن قد وضعت حيز التنفيذ بعد.

فقد حظي توقيف ناقلة النفط الإيرانية في سواحل جبل طارق بردود فعل واسعة جداً، لكن سلسلة من المعلومات المرتبطة بهذا الخبر، كشفت مدى مسؤولية النظام عن أزمة الوقود التي عانت منها مناطق سيطرته، حيث أكدت المعلومات التي حصل عليها "تلفزيون سوريا" عدم توقف شحنات النفط الإيرانية التي كانت تنقل إلى سوريا وفق اتفاق "الخط الائتماني"، كما سبق أن أعلن الطرفان، هذا من جهة، ومن جهة أخرى كشف عن فشل صفقتي نفط كبيرتين كان يفترض أن تسهم في حل أزمة الوقود في سوريا، وذلك بسبب إصرار واجهات النظام الاقتصادية على احتكار كل صفقات توريد النفط على الرغم من شمولها بالعقوبات.

ولدى كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة برنامج عقوبات خاص بها ضد النظام، يشمل قطاع النفط، حيث أبدت الإدارة الأميركية مطلع العام 2019 "التزامها بقطع إمدادات النفط عن سوريا مهما كان مصدرها"، حسب الخارجية الأميركية.

وعملت واشنطن خلال الأشهر الماضية على التضييق على الواردات النفطية إلى سوريا، مثل منع الإدارة الذاتية من إتمام اتفاقاتها في مجالي النفط والغاز مع النظام، ومنع تصدير النفط إلى النظام عبر مهربين محليين، وكذلك تهديدها غير المباشر لشركات شحن النفط العالمية التي كانت تنقل الشحنات إلى الموانئ السورية، عبر تقييد بياناتها في قائمة غير شاملة، قالت الولايات المتحدة إنها زودت دمشق بالنفط ما بين عامي 2016 و 2018، ما جعل كثيراً من هذه الشركات تتوقف عن نقل الشحنات إلى سوريا.

وحسب المعلومات التي حصل عليها "تلفزيون سوريا"، فقد عمدت القطع البحرية الأميركية المنتشرة في البحر الأبيض المتوسط خلال العامين الماضيين، على اعتراض ناقلات النفط المتجهة إلى سوريا، وقيدت بياناتها دون احتجازها، الأمر الذي أثار قلق شركات شحن النفط، وجعل غالبيتها تمتنع عن استمرار العمل على الخط السوري، خاصة بعد إصدار القائمة نهاية العام الماضي، والتي كانت بمثابة تحذير حسب موقع Syrin reprot.

وكانت إيران قد أعلنت أنها علقت تصدير النفط الخام إلى سوريا في تشرين الأول أكتوبر 2018، والذي كان يتم بناء على ما يعرف بالخط الائتماني، لكن المعلومات المتوفرة عن الشحنة المصادرة حالياً في جبل طارق، تؤكد أنها غادرت إيران متوجهة إلى سوريا عبر طريق رأس الرجاء الصالح بهدف التضليل، منذ شهر نيسان الماضي.

لكن صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية أكدت في تقرير لها منتصف شهر حزيران يونيو الماضي على "أن النفط الإيراني ما زال يهرب إلى سوريا"، موضحة أن "خمس ناقلات نفط إيرانية وصلت إلى ميناء بانياس السوري خلال شهر أيار مايو الفائت".

الصحيفة أشارت إلى أن "كل ناقلة كانت تحمل قرابة مليوني برميل من النفط، تبلغ قيمتها حوالي 60 مليون دولار، حيث تستلم المصافي السورية الشحنات وتقوم بمعالجتها واستخدام المشتقات في العمليات العسكرية وبيع الباقي للمواطنين".

تقرير يترك باب الاحتمالات والتقديرات مفتوحاً على كمية النفط التي استجرتها حكومة النظام من إيران منذ ادعاء مصادر مقربة من الجانبين إيقاف العمل بالخط الائتماني، خاصة وأنه حتى ما قبل بداية شهر حزيران الماضي، لم تكن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يعتمدان نظام تعقب السفن في البحار والمحيطات في برنامج العقوبات لديهما، لكن صحيفة وول ستريت جورنال قالت في تقريرها السابق "إن مليونين ونصف المليون برميل نفط يومياً ظلت تصدرها إيران من خارج مخصصات السوق العالمية، وليس هناك معلومات عن الجهات التي تشتريها"، لكن الصحيفة أكدت أن ذلك لن يستمر مع تفعيل نظام تتبع السفن الذي بدأ منذ مطلع حزيران الفائت، والذي كانت أولى نتائجه على ما يبدو، توقيف السفينة الإيرانية في جبل طارق في الرابع من الشهر الحالي.

لكن رغم ذلك، فإن هذه الأرقام لا تكفي لسد احتياجات النظام النفطية لمناطق سيطرته التي تبلغ ١٠٠ ألف برميل يومياً (يدعي النظام أن الاحتياجات تبلغ ٣٥٠ ألف برميل يومياً، ومن المؤكد أن هذا الرقم يشمل الاحتياجات العسكرية)، حيث تنتج الحقول الخاضعة لسيطرته أقل من عشرة بالمئة من هذه الاحتياجات، أي 25 ألف برميل حسب المدير العام لشركة محروقات الحكومية، بينما كان يتم تأمين القسم الأكبر من النقص من خلال الاستيراد من تنظيم الدولة "داعش" عبر وسطاء محليين، أبرزهم شركة القاطرجي.

ومع خسارة التنظيم لمناطق سيطرته، وبسبب التضييق الذي فرضه التحالف الدولي على تصدير النفط إلى النظام من مناطق سيطرة الإدارة الذاتية ابتداء من أواخر الشتاء الماضي، ظهرت وبقوة أزمة الوقود لدى النظام، والتي ساهم في التخفيف من حدتها لاحقاً دخول فصل الصيف من جهة، وسماح النظام لتجار غير مشمولين بالعقوبات الغربية باستيراد شحنات من لبنان بالدرجة الأولى، وبيعها بأسعار السوق غير المدعوم.

ساهم هذا الإجراء بالتحفيف من حدة الأزمة، وحسب مصادر "تلفزيون سوريا" فإن النظام بدأ خلال تلك الفترة بالعمل على إيجاد حلول أكثر نجاعة من خلال البحث عن مصادر توريد أخرى مستدامة، حيث أكدت المصادر حصوله على موافقة تجار من الجزائر، وكذلك من وزارة النفط العراقية، إلا أن الاتفاق مع الجانبين تعثر بسبب الفساد وإصرار رجالات النظام المتنفذين والمعاقبين بالاستحواذ على هذه الصفقات وبيع النفط في السوق الحر لصالحهم وليس عن طريق الحكومة.

وتقول المصادر: إن الجزائريين ووزارة النفط العراقية اشترطا أن يتم توريد النفط إلى سوريا وفق عقود مع رجال أعمال لا تشملهم العقوبات الغربية، وهو ما وافق عليه النظام السوري في البداية، قبل أن يتعثر الاتفاق بسبب دخول رامي مخلوف على الخط مجدداً، وإصراره على أن يكون هو، وعبر واجهاته من رجال الأعمال الذي يعملون لصالحه، من يستورد النفط من الجانبين.

تدخل أدى إلى انسحاب الطرف الجزائري من المفاوضات، بينما توقف مشروع قانون تصدير النفط العراقي إلى سوريا بأسعار تفضيلية عند اللجنة القانونية في البرلمان العراقي، التي كانت قد وافقت على المشروع بانتظار تقديمه للتصويت، لكن عودة مندوبي وزارة النفط العراقية من دمشق من دون اتفاق مباشر مع وزارة النفط السورية أدى إلى تجميد مشروع القانون.

ورغم أن مصادر في النظام تحدثت عن أن مشروع القانون العراقي لم يتم تجميده بل مازال قيد الدراسة تمهيداً لإقراره في أقرب جلسة للبرلمان العراقي، إلا أن مصادر عراقية قالت لـ"تلفزيون سوريا" إن المشروع تم تجميده بالفعل بسبب تدخل رامي مخلوف في المفاوضات بين حكومتي بغداد ودمشق بهذا الخصوص، على الرغم من أن مقدمي المشروع وداعميه في البرلمان والحكومة العراقية قد واجهوا معارضة كل من إيران والولايات المتحدة له، وبالتالي فمن الأرجح أن يتم تجاهله على المدى المنظور.

وبينما يرفض الكثير من المعارضين السوريين أن يتم إلحاق الضرر بالمواطن العادي جراء أي عقوبات تطبق على النظام، تأتي هذه المعلومات لتؤكد أن النظام هو من يقف خلف أزمة الوقود لأهداف واضحة وتتعلق بالفساد أولاً، وبالتمهيد لرفع الدعم الحكومي بشكل نهائي عن الوقود ابتداء من الشتاء القادم بذريعة العقوبات النفطية.

شارك برأيك