حضرة القاتل المحترم!

حضرة القاتل المحترم!

الصورة
تجارب كيماوية لـ "نظام الأسد" على سجناء سياسيين (إنترنت)
11 شباط 2019

كان صديقي يسجل رواية نادرة عن تجارب النظام الكيماوية على السجناء السياسيين عندما تعثر باسم لا ينسجم مع السياق. روى الشاهد كل شيء بالتفصيل؛ حدد الموقع في منطقة أبو الشامات بريف دمشق الشرقي، وصف الطريق والبناء والهنغارات. قبل التجربة بأيام تنطلق سيارات إلى سجن تدمر لتطلب العدد الذي تريده من المعتقلين على ذمة قضية «الإخوان المسلمين». وضمن الوقت المتاح يُعامَلون بشكل جيد ويُغذَّون بانتظام لتحسين حالتهم الجسدية كي لا تؤثر على التجربة. في اليوم المحدد يُنقَلون إلى هنغار مغلق بإحكام يسمّى «المخبر». يُجمَعون في آخره ثم يدخل عليهم أحد الضباط ويبلغهم بلطف شديد أن التحقيق مع كل منهم سيُعاد وسيُطلَق سراحهم. ثم يخبرهم، كملاحظة هامشية، أن قنبلة غاز مسيل للدموع ستُرمى بعد قليل في الهنغار، وأن عليهم أن يركضوا حينها إلى أطباق البصل القريبة في الطرف الآخر منه لتخفيف أثر الغاز.

إثر ذلك يرمي أحد المنفذين قنبلة كيماوية إلى داخل الهنغار، بعد أن يرتدي اللباس الخاص، ثم يغلق الباب من الخارج. يبدأ مفعول الغاز بعد دقيقة. فيما يراقب ضباط المخابرات وخبراء متعددون من مركز البحوث العلمية عبر نوافذ زجاجية محكمة تطل على السجناء وهم يختلجون بشدة دون أن يتمكن أي منهم من التحرك نحو البصل، ثم يتهاوون بالتتالي جثثاً ستُنقل بعد ساعات إلى حفرة جماعية.

روى الشاهد كل شيء. ولأنه منشق حدد الضباط المسؤولين بدقة إذ كان يعرفهم بشكل جيد؛ أسماءهم، رتبهم، تنقلاتهم، أصولهم، سماتهم، مصائرهم. شخص واحد بقي محل التباس؛ وهو أحد خبراء مركز البحوث، متخرج في أوربا الغربية، من عائلة دمشقية عريقة، شارك في بعض التجارب.

 

وكان علينا أن نبحث عنه.

تطابق الاسم الذي استطاع الشاهد تذكره مع اسم أستاذ دكتور في أحد أقسام كلية الهندسة بجامعة دمشق. بدا عالماً محترماً، باختصاص بعيد عن السلاح الكيماوي، ولم يرد في سيرته الذاتية أنه عمل في مركز البحوث، ولم نستطع الحصول على صورة له ليراها الشاهد الذي كان يعصر ذاكرته ويعيد تأكيد الاسم علينا كل مرة.

أما العائلة فكانت كتيمة. لا مع الثورة ولا مع النظام. من الصامتين الذين ربما غادروا البلد بهدوء عندما «تسوء الخدمة». خلا أسرة صغيرة استطعنا الوصول إليها بما يشبه الصدفة، كانت قد فقدت أكبر أبنائها بعد اعتقاله، لسبب غير مفهوم، من أحد شوارع دمشق ذات يوم من أواخر 2012. كان شاباً وسيماً بجسم رياضي، كما بدا في الصور. حاول إخوته وأخواته ما يستطيعون من تسخير وساطات ودفع رشاوى لمعرفة مصيره الذي وردت بشأنه أنباء متضاربة، حتى فاض بهم الكيل وخرجوا من سورية وجاهروا بتأييدهم للثورة.

إنهم ضالتنا إذاً! بدأنا التواصل لمفاتحتهم بهدفنا الغريب: هناك شبان ورجال، عزيزون كشقيقهم الأثير، قُتلوا ببرودة دم وحشية، بمشاركة قريبهم الأكاديمي على الأرجح. فهل يمكن أن نعرف عن مسيرته أكثر؟ وهل نجرؤ على طلب «خيانة العائلة» وتزويدنا بصورة له؟!

تولت الشقيقة الكبرى الرد على أسئلتنا. وبالتدريج راحت تفقد هدوءها الظاهر. صُدِمتْ بالشهادة لكنها أصرّت أن العم كما تعرفه شخص راقٍ ومتدين ولا يمكن التخيل أنه الشخص المذكور فيها. اعترفت أنه عمل في مركز البحوث بالفعل لكنه كان «موظف عادي». وبدأت بالأسئلة الشكاكة: «هل هناك خطأ في الاسم أو الكنية؟ هل يفتري الشاهد؟ هل حرّضه النظام على تشويه سمعة العائلة المحسوبة على الطبقة السياسية في الخمسينات؟». حتى أخذت ترفض الإجابة وقطعت تواصلها معنا.

هاجر الشاهد. وتوفي العم خارج البلاد التي غادرها دون أن «ينشق» أو يتكلم. وتوفي مثاله الأكبر، الدكتور عبد الله واثق شهيد، مؤسس «مركز الدراسات والبحوث العلمية» ومديره لسنوات طويلة، بينها عقد الثمانينات الذي شهد ذروة هذه التجارب الكيماوية، حتى تقاعده. ليصبح بعدها أميناً عاماً لمجمع اللغة العربية الذي أصدر مؤخراً سيرته بقلمه.

كانت السيرة فرصة لإعادة تداول اسم شهيد في نطاق من الزملاء والتلاميذ المفعمين بحبه واحترامه والثناء عليه، الذين يتجاهلون عادة كل ما بات معروفاً عن الكيماوي السوري ودور مركز البحوث في تصنيعه، لصالح انطباعاتهم الشخصية المتواترة عن شهيد كعالِم حقيقي متفان وزاهد، ودود وأبوي ودمث.


لكنه كان هناك!!

تحتل الطفولة والصبا ثلث صفحات سيرة شهيد، وتذكر أوسع التفاصيل عن نشأته في محافظة حلب، ريفاً ومدينة. بينما يخلو القسم المخصص لمركز البحوث من أي وقائع ذات شأن رغم تقادمها بمرور الزمن، ويكاد يقتصر على استعراض الأطر العامة والبنى الإدارية والعلمية والهيكلية، وينعدم فيه ذكر الأسلحة الكيماوية بالطبع.

لكن الاحتفاء بالكتاب، والكلمات الملقاة في حفل تأبين صاحبه، وشهادات تسربت هنا وهناك بالمناسبة؛ أوضحت العلاقة الوثيقة بين الرجلين. فقد كان أستاذ الهندسة الراقي خبيراً في ديناميك الطيران والقذائف، وجاءت مشاركته في بعض تجارب الكيماوي لدراسة آلية إطلاق هذا السلاح من الطائرات وبالصواريخ، وبإشراف وإدارة أستاذه ومديره العام الدمث!

ومجدداً سنستنتج: لقد صنعْنا الكيماوي جميعاً!!

شارك برأيك