icon
التغطية الحية

"حروب الحمام" من الأزقة الدمشقية إلى المحاكم... دراما لا تنتهي

2025.10.02 | 19:04 دمشق

آخر تحديث: 2025.10.02 | 19:06 دمشق

أقفاص الحمام في سوق الجمعة بمنطقة السيدة عائشة في دمشق - المصدر: الإنترنت
أقفاص الحمام في سوق الجمعة بمنطقة السيدة عائشة في دمشق - المصدر: الإنترنت
The New Lines Magazine- ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- تربية الحمام في دمشق تُعتبر تقليدًا قديمًا وجزءًا من التراث الثقافي، حيث يُعتبر الحمام الشامي من السلالات المرغوبة، لكن الحرب السورية أثرت سلبًا على هذه الهواية بسبب القصف والحرمان.
- بالنسبة للمربين مثل إبراهيم كيلاني، كانت تربية الحمام ملاذًا نفسيًا واجتماعيًا خلال الحرب، حيث وفرت فرصة للتواصل الاجتماعي ومشاركة اللحظات السعيدة رغم المخاطر الأمنية.
- بعد الحرب، استأنف المربون تربية الحمام رغم التحديات الاقتصادية والاجتماعية، لكنهم يواجهون تحديات جديدة مع تغير الأجيال واهتمامات الشباب، مما يثير تساؤلات حول مستقبل هذه الهواية.

عندما يفتح إبراهيم كيلاني الأقفاص الموجودة في سطح بيته المزدحم بالأشياء، تقف الطيور مترقبة، ويهب النسيم محملاً بهديل الحمائم، ثم تتجمع العشرات منها فوق أرضية السطح، حيث تبدي ترددها لوهلة، كما يتردد الضيف المصاب بالحرج في حفلة. إلا أن صفيراً حاداً يطلقه إبراهيم يدفع بها للطيران نحو السماء في دفقة لونية جميلة تحجب بها تلك الطيور بأجنحتها أشعة الشمس الغاربة .

فوق أسطح البيوت بمنطقة السيدة عائشة بدمشق، ذلك الحي الثائر الذي كان يضج بالحياة على أطراف العاصمة دمشق، ترسم ظلال تشكيلات الطيور التي لا تفصل بينها سوى مساحات صغيرة قناطر في صفحة السماء، حيث تتقاطع حيناً وتتلاقى حيناً، لترقص رقصة عتيقة وآسرة كالمدينة نفسها. هنالك نحو ستة أسراب أخرى، كلها تخضع لسيطرة مربي الحمام كإبراهيم، أو ما يعرف بالحميماتي بالعامية الدارجة، إذ يشتهر مربو الحمام بتربية تلك الطيور الناعمة المحلقة في سماء الشرق الأوسط.

"موروث عتيق"

يحدثنا إبراهيم وهو يشير إلى زوج من الحمائم السوداء الرشيقة التي ماتزال في القفص، فيقول: "تلك هي السلالة الشامية" وهو نوع "مسود" قاتم، ويعتبر أحد السلالات الأصلية المرغوبة، بما أن سعر الحمامة الواحدة منها قد يزيد عن 1500 دولاراً، غير أن إبراهيم سريع النكتة الذي يرسم ابتسامة على الدوام وسط لحيته حالكة السواد، بدا جاداً لوهلة وهو يقول: "إنه موروث عتيق".

ظهر أول دليل موثق على تربية الحمام قبل خمسة آلاف عام، وذلك في الألواح المسمارية التي عثر عليها في بلاد ما بين النهرين، وهذا ما جعل التاريخ المشترك بين الإنسان والطير قديماً قدم اختراع العجلة. ولكن في ظل القصف والحرمان الذي فرضته الحرب السورية، اختفت تربية الحمام من سوريا.

 

بالنسبة لبعض الناس فإن تربية الحمام وإطلاقه نحو السماء مجرد هواية تمارس على أسطح البيوت ليس إلا، أما بالنسبة لآخرين، فإن ذلك مشروع مربح قائم على التنافس الشديد، ولكن بالنسبة لمربي الحمام الذي بقي يمارس تلك الهواية خلال الحرب، تحولت تلك الممارسة إلى عالم يهرب إليه (وجميع مربي الحمام من الذكور)، وحالة رفض للتخلي عن آخر خيط من الحرية.

يحدق إبراهيم وهو ينظر إلى سرب حمائمه وهي تحلق بشكل دائري عائدة إليه، فيهتف بأمر يطلقه بكلمة متقطعة وهي: "تاك.. تاك"، فتتعرف الطيور على صوت صاحبها، وتهبط نحوه من فورها. وهكذا، يبدو الأمر غاية في البساطة، إلا أن إبراهيم ليس مبتدئاً في هذا المجال، إذ منذ أن كان في العاشرة من عمره وهو يدرب الحمام، وقد أصبح عمره اليوم 35 عاماً.

اجتماعات وجمهور لعروض الطيران

تجتمع مجموعة صغيرة من أصحاب إبراهيم على سطح بيته لتبدي إعجابها بعرض الطيران، ومن بينهم شاب عاد إلى سوريا منذ فترة قريبة بعد أعوام أمضاها بالغربة في ألمانيا، فيقول إن بعض اللاجئين أخذوا معهم خيرة طيورهم في تلك الرحلة المحفوفة بالمخاطر إلى أوروبا، وذلك لأنهم لم يطيقوا الابتعاد عن تلك الطيور.

لطالما كانت تلك الاجتماعات التي تتم على سطح بيت إبراهيم مناسبة اجتماعية مهمة، وعن ذلك يقول ابن عم إبراهيم، واسمه محمد: "بعض الشباب يعتبر ذلك مشروعاً تجارياً، لكننا نفضل أن نضع كرسياً هنا برفقة الشيشة وأن نكتفي بالجلوس ومراقبة الحمام، إذ لا يجوز تحديد سعر لذلك". في عام 2011 عندما اندلعت الحرب في سوريا، اختلف إيقاع حياة هؤلاء الشباب اختلافاً جذرياً، فانتهت لقاءاتهم التي كانت تتم على السطح في منطقة السيدة عائشة.

ومع اقتراب الاقتتال القادم من الضواحي القريبة من الجهة الشرقية لدمشق، أقام جيش بشار الأسد نقاط تفتيش ونشر قناصة على الأبنية العالية التي تشرف على هذا الحي، وهكذا أضحت اجتماعات من هذا النوع ممنوعة، إذ لو شوهد أكثر من ثلاثة أشخاص سوية، فإن ذلك كان يعتبر مؤامرة ضد النظام، يعقبها الاعتقال والترحيل إلى سجون الأسد، التي لم يرجع منها أكثر من مئة ألف إنسان.

 

فتح باب السطح، وانضم إلى الجمع رجل قصير وبدين في منتصف العمر، حيث عرّف عن نفسه بلقب أبي عبد الله، وعنه قال إبراهيم: "هذا عمي، وهو من علمني المهنة".

الحرب والحمام

يمتلك أبو عبد الله معظم الحمائم في هذا السرب، والتي يصل عددها إلى نحو ستين. ولكنه قبل الحرب كان يملك خمسمئة، وكان يفخر بتلك المجموعة التي كانت موضع حسد الجميع بلا شك في منطقة السيدة عائشة. ولكن عندما صارت كلفة الحفاظ على تلك الحمائم باهظة، باع معظمها ليهتم بشؤون أسرته، وعن ذلك يقول: "آلمني بيعها، ولكن في الوقت ذاته، كنا بحاجة لأن نأكل... ولنطعم أولادنا".

أجبرت الضرورة معظم مربي الحمام في مختلف أنحاء سوريا على بيع طيورهم، ما أوجد سوقاً مربحاً لتلك الطيور على الرغم من المخاطر التي تحيق به، فقد كان المهربون يجتازون أماكن الحرب المشتعلة بين مناطق سيطرة الثوار، ويوزعون الرشى في طريقهم على حواجز النظام، ليدخلوا طيورهم في نهاية المطاف إلى لبنان أو الأردن، وبما أن الطلب على مربي الطيور السوريين بات كبيراً هناك، لذا وصلت قيمة خيرة الطيور التي تقوم بقضاء الحوائج إما عبر طيرانها أو تربيتها إلى عشرات الآلاف من الدولارات، غير أن أبي عبد الله وابن شقيقه إبراهيم لم يضطرا إلى التخلي عن طيورهما كلها، بل ظلا يربيانها حتى مع اشتداد الحرب من حولهما.

يشير إبراهيم إلى بعض الفتحات التي خلفها الرصاص في سطح مموج صدئ لأحد أقنان الحمام لديه، وهذه الفتحات خلفها رصاص قناصة الأسد، إذ في تلك الأيام، كان إبراهيم يزحف من قفص لقفص، وهو يسحب كيس الحبوب خلفه ليطعم طيوره. ولكن في حال لم يتمكن القناص من إصابة إبراهيم، فإنه كان يطلق الرصاص على حمائمه بدلاً منه، بما أنه كان يعرف بأن ذلك سيزعجه أكثر. وعلى الرغم من كل هذا الغضب، والكلفة العالية لعلف الطيور، رفض إبراهيم التخلي عما يحب لسبب بسيط وهو أن مربي الطيور لا يستطيع التخلي عن إنسانيته، ويضيف: "طالما بقي الإنسان حياً يتنفس، سيواصل تربية الطيور".

https://www.syria.tv/node/144031

في عام 2016، ومع اشتداد المعارك في المدن ما جعل الإقامة في حي السيدة عائشة مسألة خطيرة للغاية، انتقل إبراهيم جنوباً إلى منطقة صحنايا الواقعة على أطراف العاصمة دمشق، وأخذ معه طيوره، في حين حصل أبو عبد الله وأسرته على تأشيرة للسفر إلى المملكة المتحدة، لكنه بقي ليعتني بأمه التي اشتد مرضها فمنعها من السفر.

بكل هدوء يحدثنا أبو عبد الله عن ذلك بين تدخينه للفافات التبغ وتناوله لشرائح البطيخ فيقول: "كنا في حرب نفسية، فلم ننعم براحة البال، لكننا حاولنا أن نبحث عما يبهجنا هنا، إذ كان ذلك هو المفر بالنسبة لنا".

بعد عامين على ذلك، عقدت هدنة بين فصائل الثوار بدمشق والنظام السوري البائد، فعاد أبو عبد الله وإبراهيم إلى بيتهما في السيدة عائشة، إلا أن سهراتهما على سطح البيت ظلت مستحيلة إلى أن سقط الأسد في كانون الأول الماضي، عند ذلك صار بوسعهما أن يدفعا طيورهما للتحليق بلا خوف.

تربية الحمام بعد الحرب

عند انتشار نبأ هروب الأسد وتبخر جيشه في تلك الليلة، أحس أبو عبد الله وكأن روحه قد رجعت إليه، إذ طوال فترة امتدت لأكثر من عشر سنين لم ير عدداً كبيراً من رفاقه وجيرانه، وعن ذلك يقول: "لقد اجتمعنا مع كل الأحباب للمرة الأولى، والأطفال الذين عاشوا خارج البلد نبتت لديهم لحى لدرجة صار من الصعب عليك التعرف إليهم عند رؤيتك لهم".

ماتزال سوريا الجديدة مقسمة بشكل كبير، مع ظهور موجات عنف طائفي في أنحاء البلد، لكن أبا عبد الله يتمسك بأمله بالمستقبل، إذ برفقة ابن شقيقه عاد من جديد لتربية الحمام على السطح، بل إنهما صارا يقودان السيارة قاطعين مئات الكيلومترات ليصلا إلى مدن مثل حماة وإدلب حتى يلتقيا بمربي طيور ثقات أو حتى يعقدا بعض الصفقات في سوق الجمعة المخصص للحمام والذي عاد لنشاطه السابق في دمشق. كما مايزال أبو عبد الله يحمل ذكرى الطيور التي باعها خلال الحرب والتي لم تنس ديارها، فقد عاد أحد الطيور إليه بعد أن أمضى ست سنين في إحدى المدن القريبة.

"حروب الحمام" وكشاشيها

وعلى الرغم من أنه علّم إبراهيم كل ما يعرفه، إلا أن أبا عبد الله علم نفسه تلك الحرفة كما يتعلمها أي طفل في الخفاء بعيداً عن عيون أبيه الذي لا يقبل بذلك، وذلك لأن المجتمع عموماً لا ينظر بعين الرضا لتربية الحمام، ويعتبرها مضيعة رخيصة للوقت يمارسها المتلصصون على أسطح البيوت كما أنها لا تستحق كل هذا الوقت والمال الذي يهدره المرء على هذه التسلية ويحرم أهله وأحبابه منه. فعلى مدار قرون، ارتبط مربو الحمام بموروثات شعبية تتحدث عن السرقة والغش والعنف بما أنهم يمارسون عملية "كش الحمام" أو ما وصفه الكاتب الكندي ماريوس كوسيجوفيسكي بـ"حروب الحمام" التي لا يشاهدها أحد، إلا أن مربي الحمام يقومون خلالها بتدريب أسرابهم على التحليق والهبوط بتشكيلات تغري طيور بعضهم بعضاً بالانضمام إلى السرب الآخر في أثناء الطيران في بعض الأحيان، ثم يكذب مربو الحمام على بعضهم وعلى القانون أيضاً بشأن ما حدث، ويعقب ذلك جولة عنف بين مربي الحمام وسط دراما مكثفة تحدث في الأزقة الخلفية، فيتحول الأمر إلى قتال شوارع، وقد يصل حد الطعن أو القتل، وعن ذلك رثا أحد القضاة المتقاعدين في دمشق لحال جدول المحاكم وكيف كان ممتلئاً بمغامرات مربي الحمام، بما أن بعضهم كان يسخر من بعض، ويزعم بأنه أكل طائر الآخر الفائز بعد أن استدراجه بعيداً عن سربه وغيرها كثير من الحكايات. ومن المعروف عن المحاكم رفضها لشهادة مربي الحمام على اعتبار أنه شخص بلا أخلاق.

"الحميماتي الخلوق"

إلى جانب صيت الخسة الذي طال بعض مربي الحمام، هنالك من يصف نفسه بـ"مربي الحمام الخلوق"، والذي ينأى بنفسه عن الجرائم البسيطة المترتبة على هذه الهواية، إذ يقول إبراهيم مثلاً إنه في إحدى المرات استدرج حمامة جاره وأمسك بها، ثم أعادها لصاحبها الحقيقي على الفور، ومع ذلك، ونظراً لوضع هذه الهواية في المجتمع السوري، مايزال مربي الحمام عرضة للغرامات أو لمصادرة سربه بكامله على يد رجال الشرطة في حال تقدم جيرانه بشكوى ضده.

مع انتهاء الحرب في سوريا، ووصول جيل كامل إلى سن الرشد بين وسائل التواصل الاجتماعي والألعاب الرقمية، قد تنحسر هواية تربية الحمام، ولذلك يرثي أبو عبد الله لحال أحفاده الذين يمضون أماسيهم في البيت ملتصقين إلى جوالتهم، فخلال الوقت الذي أمضيناه بصحبته على السطح لم يصعد أحد من الأطفال لرؤية الطيور وهي تحلق أو ليسأل عما كنا نفعل.

وعندما سألناه عن احتمال تغيير الأطفال لأفكارهم يوماً ما بحيث ينمو لديهم فضول تجاه الطيور والأسلوب الذي يمكن للمرء من خلاله أن يجعلها تناور في طيرانها في سماء المدينة، ضحك أبو عبد الله وقال: "منشوف".

 

المصدر: The New Lines Magazine