حرب الكلب الثانية .. تطور المادة يعيد الإنسان إلى ما قبل التاريخ

تاريخ النشر: 11.05.2018 | 00:05 دمشق

آخر تحديث: 14.05.2018 | 20:07 دمشق

وكأننا أمام رواية عن الماضي وأخرى عن المستقبل، هذا ما يستطيع المتتبع للروايات الفائزة بجائزة بوكر بنسختها العربية أن يلاحظه بسهولة، ففي العام الماضي فازت رواية (موت الصغير) للسعودي محمد حسن التي تتناول حياة المتصوف العرفاني محيي الدين ابن العربي، فيما فازت هذا العام رواية (حرب الكلب الثانية) الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون للأردني من أصل فلسطيني إبراهيم نصرالله، وهي رواية أشبه ما تكون بخيال علمي مع بعض الفنتازيا التاريخية.

تطور تكنولوجي هائل

"نحن نعيش في بلاد هشة مهما حاولنا بأنوفنا الشامخة أن نكتب على السماء غير ذلك" صحيح أن الرواية تبحر في عالم المستقبل، ولكنها تبقى في المستقبل القريب، حيث تكون المطربة المصرية شيرين والمطرب الفلسطيني محمد عساف من مطربي الزمن الجميل، ما يعني أن تاريخ الرواية هو بعد أقل من قرن من الزمان، و سيكون الفلسطينيون حينها منتفضين انتفاضتهم التاسعة، فيما سيكون العالم قد رجع القهقرى، ليعيد الاحتفال بذكرى مجرميه كهتلر وموسوليني وغيرهم، وستكون شركة تويوتا قد بدأت بإنتاج السيارات الطيارة، في حين تكون أغلب سيارات الأجرة قد أصبحت بدون سائق، ويكفي أن تضع العنوان على شاشة في السيارة حتى توصلك إلى حيث تريد.

حرب بسبب كلب

بطل الرواية هو راشد معارض انتقل إلى صفوف النظام، بل حتى تزوج من سلام أخت الضابط الذي كان مسؤولاً عن تعذيبه حينما كان ضد (القلعة) كما يسميها الكاتب والتي هي الحكومة، ليصبح ذاك المعارض القادر على إقناع أحد شركاء المسؤولين في النظام الحاكم، ليتشاركوا في مشروع للمتاجرة بأرواح الناس وصحتهم سمَّوه ( أسرى الأمل) حيث يقومون بعلاج الناس في مشافٍ خاصة، ويأخذون عمولة على هذا العمل، بعد أن هدموا وشوهوا سمعة المشافي العامة، في وقت تزداد فيه أهمية المشافي، خصوصاً عقب اندلاع حرب الكلب الثانية، إذ كانت الحرب الأولى في غابر الزمان بسبب كلب ضال بين بلغاريا واليونان، أما الثانية التي تتكلم عنها الرواية فهي الحرب المتخيلة التي سيكون كذلك سببها كلب باعه صاحبه فأخذ نصف ثمنه، وعاد بعد شهر ليأخذ النصف الآخر فماطله المشتري للشهر الذي يليه، وعندما عاد البائع لم يجد المشتري الذي كان في تعزية، ولكن كلبه السابق قفز عليه وقتله، فانتفضت عائلة البائع ضد عائلة المشتري فقتلوا كل من كان في التعزية، لتندلع تلك الحرب، ويصبح القتل شائعاً بين الناس.

المكان ينطبق على كل الدول العربية

رغم أن الرواية السارحة في عالم التطور التكنولوجي لم تحدد مكاناً محدداً ولا حتى زماناً، ولكن يبدو أن المكان ينطبق على كل البلاد العربية، الغارقة في الفساد والرشى، في زمن قد ضربته التغيرات المناخية حتى أصبحت كل الفصول فصلاً واحداً، وجفت المياه الصالحة للشرب حتى بات البشر يستوردونها من المريخ!، وأصبحت كل الفواكه متشابهة الطعم، والحيوانات متشابهة كذلك، بل حتى البشر باتوا متشابهين، وهذا هو أساس فكرة الرواية. فراشد عندما تزوج سلام قال لأمه إن الدنيا جميلة وليست عادلة، فلو كانت عادلة لاستطاع أن يتزوج في ذات الوقت امرأة أخرى شبيهة لزوجته، وعليه عندما جاءته سكرتيرة جميلة قرر أن يسافر بها ويجري لها عملية تغيير كي تشبه زوجته، وهو ما نجح به، بل بات المقلَّد يتفوق على النسخة الأصلية!، فالموظفون والمرضى في المشفى يتجمهرون كي يروا السكرتيرة الجميلة كلما جاءت أو ذهبت، فيما لا يأبهون لزوجته، والتشابه بين الناس ليس فقط جسمانياً بل حتى نفسياً، حيث استطاع الأطباء تغيير حتى محتويات الدماغ للأشخاص المقلِّدين، وما هبت الحكومة لتعاقب الناس على هذه الفعلة، إلا خشية من أن يصبح هناك أشباه للرئيس!.

صرخة ضد البوتوكس

راشد ذاته تعرض لعدة حالات اعتقال بعد خشية من أن يكون هو شبيهاً لنفسه، بل حتى جاء تعذيبه حتى الموت على يد أخ زوجته نتيجة شك الأخير بأن هذا ليس راشد الحقيقي بل شبيهه، وشيء كهذا حصل مع زوجته سلام التي تعرضت للاعتقال نتيجة عملية إجرام قامت بها شبيهة لها، ولولا أخوها الضابط لبقيت في السجن. وكأن الرواية صرخة في وجه عمليات التجميل التي نراها اليوم حتى باتت كثير من الفنانات متشابهات، وبالكاد نستطيع أن نميز إحداهن عن الأخرى، وهي كذلك صرخة في وجه النزعة المادية المتغوِّلة التي جعلت الناس كآلات خالية من المشاعر، بل حتى الحيوانات تأثرت فالحرب كلها بسبب قلة وفاء الكلب!، كما أن النمل المعروف بتفانيه وعمله المنظم يصبح أنانياً محباً لذاته راغباً بالانتقام من بني جنسه، في تأثير من سلوك البشر عليه.

رواية ديستوبية

الرواية التي تتناول سرداً قصصياً جديداً على القارئ العربي، صنفها كثير من النقاد ضمن الأدب الديستوبي، الذي هو نوع من الأدب الخيالي، يصور مجتمعات مستقبلية سيئة بغرض تسليط الضوء على قضايا سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو دينية أو فلسفية.

ونهاية الرواية السوداوية توضح أن ما صنعته يد الإنسان المتهور سيعيده إلى غياهب التاريخ، وسيرجعه إلى الخيمة التي أحاطت بها الأطلال، وكأن المتن السردي هو ناقوس خطر يقرع للتحذير مما يمكن أن تؤول إليه أمور كوكبنا إذا ما استمرت الأمور على المنوال ذاته" من أمام خيمته السوداء التي أحاطت بها الأطلال من ثلاث جهات كسواتر حرب، كان راشد يراقب ما يدور، مرتديا عمامته الضخمة وثوبه الأسود الذي يصل إلى منتصف ساقيه. دعك لحيته الكثيفة الطويلة التي تخفي ملامحه وصاح بصوت رج المكان: ثكلتك أمك يا ابن الغبراء، ما الذي أعادك إلينا؟".