حرب آل حميدة وبري.. آثار جانبية لخصخصة العنف

تاريخ النشر: 02.02.2021 | 00:02 دمشق

آخر تحديث: 04.02.2021 | 07:28 دمشق

كما في أفلام هوليوود التي تعرض الحياة المافيوية ونمط العلاقات السائد بين أعضاء عصاباتها يمكن أن يتخيل المتابع لقصة صراع آل حميدة وآل بري في مدينة حلب مع مطلع القرن الجديد سردية أحداثها، وخاصة المدخل الدرامي المثير.

قبل أن نغوص في تفاصيل القصة وعلاقتها بالسلطة والمكتب الرئاسي في سوريا مباشرة يجب التأكيد على أن كل مرة يتم ذكر اسم أحد العائلتين فيها، فإنه لا يشير بأي حال من الأحوال لكل أبناء العائلتين، وإنما لهؤلاء الذين التزموا البنية العشائرية التي بناها "الزعماء" من الطرفين حولهما، سواء أبناء شعبان بري أو عمر حميدة رئيس فرع أمن الدولة السابق في محافظة حلب، ولا يندرج ذلك على باقي أبناء العائلتين الذين أتعبتهم طريقة تناول المجتمع للموضوع والارتباط الإجباري بأفعال غيرهم في مجتمع تسوده العلاقات الأهلية.

يستدعي سرد القصة هذه الأيام سببان رئيسيان، الأول هو موت عمر حميدة الذي مات بصمت سالماً، في الوقت الذي لم يعتد أحد على موت رجالات النظام بشكل طبيعي، فأكثرهم ماتوا قتلا على يد النظام، وستتم الإضاءة على تلك النقطة لما تحمله من بعد يفسر نمط العلاقة المافيوي بين النظام وزعماء عشائره الأمنية. النقطة الثانية هي السلطة المتزايدة والقدرة على العنف المطردة التي ينالها آل بري يوما بعد يوم منذ انخراطهم في قمع الثورة وحتى اليوم، حيث هناك معارك حامية تدور بينهم وبين غيرهم على فرض سيطرتهم على مناطق حلب.

بدأت القصة في ملهى ليلي في أواخر التسعينات، عندما كان عبد الوهاب حميدة ابن أخيه لعمر حميدة وزينو (زين العابدين) بري - الزعيم العاري كما صوره الثوار-  يتنافسان على إحدى الفتيات، وأدى الأمر إلى شجار بين الطرفين، تطور لسحب زينو مسدسه، فتمكن الآخر من تخليصه المسدس، ولكن جرحت يده أثناء العراك، وأعاد المسدس لزينو على اعتبار أنهم أبناء منطقة واحدة، وخرج ليطبب يده، والجدير بالذكر أن هناك مصاهرات عدة بين العائلتين نتيجة تجاورهما في حي باب النيرب، وتقول الرواية إنه عندما كان عبد الوهاب عند الطبيب هاجمته مجموعة من آل بري وفتحوا النار في العيادة مما أدى إلى مقتله ومقتل ممرضة في العيادة.

كان عمر حميدة حينها قد خرج من الخدمة، ولعل هذه المعركة نشبت نتيجة حاجة آل بري لفرض سيطرتهم في حي باب النبيرب بعد أن كانوا يستطيعون أن يتغولوا على كل العشائر باستثناء آل حميدة لخوفهم من موقع عمر حميدة، وهذا أمر شكل لديهم حساسية كبيرة، خاصة أن آل حميدة كانوا يسيطرون على تجارة المخدرات القادمة من لبنان، في حين أبناء عمومتهم النعيم من البقارة سيطروا على تهريب التبغ.

لم يحرك عمر حميدة ساكناً، ولم يقبل الصلح، وانتظر مدة تزيد عن الأربعة أعوام.

لقد اختار عمر حميدة كبير عائلة آل بري حينها، وجن جنون العائلة وباتت تطارد آل حميدة في كل مكان

زعيم آل بري حينها، وزعيم جيس عموما، كما سمى نفسه، في حلب وما حولها كان محمود بري، أكبر أبناء شعبان وأكثرهم شهرة، في الوقت الذي أقدم أخوه على قتل ابن أخي عمر حميدة كان هو عضواً في مجلس الشعب، وبعد أيام من خروجه من المجلس وسقوط الحصانة عنه وفي أثناء طريقه لزيارة في حي صلاح الدين قطعت سيارة ما الطريق على سيارته، وفهم محمود الأمر، فنزل من السيارة مسرعاً متجهاً للصندوق الخلفي ليخرج سلاحا، ما إن فتح الصندوق حتى فاجأه شخصان يركبان دراجة نارية جاءا من خلف السيارة وفتحا عليه نيران رشاشيهما وأردياه قتيلا في منتصف الشارع وأمام زوجته التي كانت بصحبته في السيارة.

لقد اختار عمر حميدة كبير عائلة آل بري حينها، وجن جنون العائلة وباتت تطارد آل حميدة في كل مكان، وتهجّر الكثير من أبناء العائلة الذين لا دخل لهم بتلك المعركة التي بدأت بملهى ليلي، والذين سكن معظمهم سابقا في بيوت قريبة من بيوت آل بري، وراحت حوادث القتل تتتالى، ومعظم المعارك تلعلع نيرانها في باب النيرب على بعد لا يزيد عن مئتي متر عن قسم باب النيرب الجنائي، والذي لم يحرك ساكنا طيلة فترة حرب العصابات تلك.

لم تقتصر الضحايا على أبناء العائلتين، بل تعدتهما إلى ضحايا لا ذنب لها، على سبيل المثال فتح أحد أبناء عائلة بري النار على ميكروباص عمومي لأنه رأى أحد أبناء حميدة فيه، ووقع ضحايا لا ذنب لهم، وسعت عائلة بري عموما للوصول لعمر حميدة كرد ليس فقط للثأر، بل أصبحت سمعة سطوتهم وقوتهم على المحك بعد أن تم قتل زعيمهم، والحل الوحيد لرد الاعتبار هو قتل عمر حميدة، وقاموا بقتل العديد من أبناء حميدة وانتظروا عمر حميدة في جنازاتهم دون فائدة، حتى تم استهداف شخص من آل حميدة وتم نقله إلى مشفى الطب العربي في شارع النيل، وأثناء مراقبة المشفى رأى أبناء بري عمر حميدة يدخل المشفى، وعندما دخلوها كان عمر حميدة قد قام بزيارة قصيرة للمريض وخرج من باب آخر، وفتح أبناء بري النار في المشفى وسقط عدة ضحايا من طاقم المشفى. بدأت القصة تتراكم بشكل أسرع حتى تدخل بشار الأسد فيها، وهدد الطرفين بأنهما إن لم يتوقفا فسيتخذ إجراء بحقهما، وهدد أحمد شعبان بري الزعيم الجديد للعائلة بعد موت أخيه بأن يطرده من مجلس الشعب الذي دخله كترضية لما حصل، إن لم تتوقف المعركة بينهما، غير أن عمر حميدة استمر في استفزازاته لآل بري حتى ارتكب أحدهم خطأ، وبناء عليه تم طرد أحمد بري من المجلس فعلاً، وأثناء عودته من دمشق، بعد أن سقطت عنه الحصانة بيومين فاجأته سيارة على الطريق، وقام أبناء حميدة بقتله أيضا ليصبح عدد زعماء آل بري الذي قتلهما عمر حميدة اثنين، ومن الأمر الذي لا يمكن إهماله، أن بشار الأسد الذي دخل شخصيا في القصة لم يتخذ إجراء ضد عمر حميدة بعد قتله الزعيم الثاني لعائلة بري، بل تم بشكل حازم فض النزاع، واستفاد من ذلك عبد الملك بري ابن أخي شعبان ومنافس أبنائه على زعامة العشيرة لتتمدد في سطوته ويدخل في مجال تجارة المخدرات الذي ازدهر به بعد الثورة.

قصة حرب العصابات تلك تثير نقاطا مهمة في علاقة النظام بالمجتمع واضمحلال الدولة تماما في سوريا:

لم يفهم الموالون حتى يومنا هذا أن المشكلة بين السوريين والنظام لا ترتبط بحوادث فردية يجري تبريرها بين الفينة والأخرى، بل بسياسة عامة للنظام

أولها أن هناك تشكيكا نوعا ما في سردية القصة وأن بشار الأسد لم يتدخل بالأمر، على أن المشكلة لا تكمن في تدخل الأسد من عدمه، بل بقابلية التصديق، بمعنى أنه لو سمع أحد أن رئيس وزراء السويد مثلا تدخل ليحل مشكلة بين عصابتين في الجنوب لما صدق أحد ذلك، على أن تدخل الأسد ليس أمرا واردا فحسب،  بل هو الأقرب للتصديق والأكثر احتمالا، وهذا يضيء على أمر مهم جدا، فكثير من الموالين حاولوا دحض قصة اعتقال الأطفال في مدينة درعا على يد الأمن، والتي كانت شرارة مهمة من شرارات الثورة، ولم يفكروا ألبتة أن مشكلتنا لم تكن إن قام الأمن باعتقالهم أم لا، مشكلتنا في تصديق معظم أبناء سوريا للحادثة سواء حدثت أم لم تحدث، حيث إن الأمر قابل بشكل كبير للحدوث. لم يفهم الموالون حتى يومنا هذا أن المشكلة بين السوريين والنظام لا ترتبط بحوادث فردية يجري تبريرها بين الفينة والأخرى، بل بسياسة عامة للنظام حفظها السوريون مدة خمسين عاما عن ظهر قلب، ويقيّمون كل موقف وقصة من خلالها.

الأمر الثاني يكمن في أن القصة تظهر نموذج جناحي النظام الذي يعتمد عليهما في إحكام السيطرة ومواجهة الخصوم، نموذج عمر حميدة الذي يركز أهدافه ويعمل بهدوء، ويثير ضجة في أهدافه المركزة، وشهدنا حالات كهذه باغتيالات مهمة كما حدث مع مشعل تمو في بداية الثورة، والنموذج الآخر هو النموذج الغبي الذي لا يتقن إلا العنف، والمزيد من العنف، وهو نموذج دل عليه سلوك آل بري في حربهم التافهة مع آل حميدة، وسطوة آل بري اليوم في حلب توضح جليا أي نهج اختار الأسد.

النقطة الأخيرة والأهم، هي المتعلقة ببنية النظام بكامله، وكيف أنه قضى على مفهوم الدولة نهائيا، ليضعنا حاليا في أخطر المراحل بعد أن أخرج من وعي معظم السوريين ضرورة الإجماع على دولة لم تكن موجودة. رغم أن حافظ الأسد جاء في إطار حملة اشتراكية راديكالية قادها حزب البعث في الستينات، وأنه أصر في كل مراحله على ضرورة الاشتراكية، فإن ما فعله النظام لم تفعله أعتى المؤسسات الرأسمالية، فمع أنه قاد اقتصادا "اشتراكيا" ووضع ملكية الدولة فوق كل ملكية، فإنه خصخص الشيء الوحيد الذي لا يجرؤ أي نظام على خصخصته، لقد خصص العنف، أي جرّد الدولة من مفهمومها الجوهري "جهاز احتكار العنف"، وجعل العنف بيد مقاولين بينهم رسميون وبينهم غير رسميين.

المقاولون الرسميون تمثلوا بقادة القطع العسكرية الأولى التي شكلها الأسد من حوله، وعلى رأسها الحرس الجمهوري وسرايا الدفاع والقوات الخاصة، لم تكن تلك الميليشيات قطعا عسكرية وطنية، لا من حيث طبيعة علاقتها التنظيمية بالجيش وأركانه، ولا من حيث بنية عناصرها، فلم يكونوا سوريين بالمعنى الوطني، أي لم يتم تشكيل تلك القطع على أساس تعبئتها بعناصر لا يشترط فيها سوى مواطنتها السورية كما يحصل عادة في الجيوش، بل اعتمد في تشكيلها على العلويين، ومرة أخرى نقصد هنا بالعلويين، ليس أبناء الطائفة العلوية، فهم سوريون سواء من عارض الأسد منهم أو من دعمه، ولكن المقصود في هذه المادة هؤلاء الذين خطط لهم الأسد للانخراط في بنية التزام طائفية بناها حوله، وهي إحدى حلقاته إلى جانب حلقات أخرى بنى عبرها حوله بنى التزام مشيخية وعشائرية وحتى تجارية. لتلك الميليشيات "المقاولين" معتقلاتها وترتكب فيها الجرائم والموبقات ولا تلتزم بالقانون الموضوع على اعتبار أنها ليست جزءا من الدولة، وإنما مقاول يمارس العنف لصالح النظام، ومن هذا الصنف يأتي عمر حميدة.

المقاولون غير الرسميين وهم الذين أطلق الأسد يدهم في العنف، ومنحهم يدا عليا حتى على السلطات القضائية والتنفيذية والتشريعية في الدولة، ولا تربطهم بالدولة أي علاقة، وإنما يرتبطون بشكل مباشر عبر عقد غير معلن من نظام بشار الأسد، الذي كان أشبه بشركة استثمار من المرتزقة أكثر منه نظاما ديكتاتوريا. في مناطق عديدة من سوريا، في شرقها وجنوبها وشمالها تلعب البنية التقليدية دورا كبيرا في توزيع العنف، كثير من المعارك تحدث بين العشائر لا تتدخل فيها الدولة نهائيا، بل أحيانا ممثلو الدولة أو من هم بمقام ممثليها مثل رؤساء الفروع الأمنية وغيرها يحضرون مجالس الصلح كأي ضيوف آخرين لكن "عليهم القيمة".

لا يعني ذلك أيضا استثمار العلاقات في المجتمع التقليدي لإحلال السلم الأهلي فيه، وإنما يعني التخلي عن صفة الدولة الحقيقية لأشخاص معينين بذاتهم مقابل ضمان هؤلاء الأشخاص للولاء للنظام، ولا تتدخل الدولة في ممارسة دورها في إدارة العنف إلا كداعم لهؤلاء الأشخاص.

خصخصة العنف تلك توسعت جدا في الثورة، وبدأت بالمقاول الأول الذي استفاد من تلك القصة، حزب البعث، الذي سرعان ما شكل كتائب البعث، ومن ثم لجان الدفاع الوطني وقطعان الشبيحة التي تشكلت بالدرجة الأولى من أمثال عشيرة بري وغيرها في مختلف المحافظات السورية، وكلما ارتفع ثمن المقاولة أكثر هبط سهم الدولة، هكذا حتى اختفت الدولة تماما، وهذا ما يمثله مجلس الشعب الأخير بما يحويه من عناصر، فضلا عن مستثمر خارجي يبدأ بحزب الله وفصائل الفضل أبو العباس ولا ينتهي بمرتزقة فاغنر.

هذا المرض استشرى في المجتمع السوري منذ فترة طويلة، لذلك نرى آثاره في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام، فعلى سبيل المثال أعلن المجلس الوطني في الربع الأول من عمر الثورة أن جبهة النصرة فصيل رئيسي من الثورة السورية، رغم أن جبهة النصرة تتناقض بشكل صارخ مع أهداف المجلس نفسه، وهذا ما يفعله أعضاء الائتلاف حين يدخلون لسوريا، فكثير منهم تحميهم سيارات من مجموعات ارتكبت جرائم بحق السوريين مقابل "دعم" أو وعد به، لم يأت في بال هؤلاء شكل الدولة التي يرغبون بالتعبير عنها، وإنما همهم أن يؤمنوا الحماية، مقابل منح العنف للمقاول الأقوى، لم يمنحوه إياه طبعا، لأنهم لم يديروه بعد في إطار الدولة، ولكنهم تصرفوا كما لو أنهم أداروه، ومن ثم خصخصوه.

ختاما يجب التأكيد على أن كل بنية التزام تقليدية في سوريا تم السماح لها بالتشكل على غرار بنى الالتزام المركزية التي بنتها عائلة الأسد حولها، ولأن عائلة الأسد هي الأكثر كفراً بالدولة، فهو الذي علم باقي الكافرين بها طريقة تصفية حساباتهم خارج نطاقها، هذا ما شهده مسار الاغتيالات الذي بدأ بمحمد عمران ولم ينته بالحريري ورستم غزالة، ولعل المشهد الأخير في مسلسل العراب الجزء الأول لحاتم علي يحكي القصة بوضوح، فقد كان "أبو عليا" أحد أهم رجالات النظام كما تم الإيحاء به، وعندما جاء قرار تصفيته، لم يتم استدعاؤه في محكمة، ولا اعتقل بجريمة، بل تمت تصفيته في بيته، بل قصره، حصن عزه كما تخيل دائما، ومن أقرب رجاله، شيء يشبه اغتيال غازي كنعان في مكتبه وبين رجاله.