"حربٌ خاصّة": توثيقٌ يؤكّد واقعًا وجُرمًا

"حربٌ خاصّة": توثيقٌ يؤكّد واقعًا وجُرمًا

"حربٌ خاصّة": توثيقٌ يؤكّد واقعًا وجُرمًا
فيلم "حرب خاصة" عن سيرة الصحفية "ماري كولفن" التي قتلها "نظام الأسد" في حمص عام 2012

تاريخ النشر: 04.03.2019 | 23:03 دمشق

آخر تحديث: 28.01.2020 | 18:33 دمشق

مهنة الصحافة مُتْعِبةٌ، ومحفوفةٌ بالمخاطر، إن تكن جدّية ومسؤولة وحقيقية، وهذا مفقودٌ في أمكنة كثيرة في العالم. المهنة المقصودة هنا معنيّة بالعمل الميدانيّ، أي المتابعة الدقيقة لأحوال أناس ومجتمعات وبيئات.

الأميركية ماري كولفن (1956 ـ 2012) "مُراسِلة حرب". تذهب إلى المناطق الملتهبة، كي تنقل أحداثًا تجري، وانفعالات تُصيب أناسًا، ووقائع يشهدها كثيرون، لكن كثيرين، في الوقت نفسه، يتجاهلونها، خصوصًا أن مصالح الدول غير مكترثة بكرامات الناس وحقوقهم. صحافية معروفة بخوضها مواجهات وتحدّيات، تُقتَل في "حي بابا عمرو" في حمص (22 فبراير/ شباط 2012)، لأن نظامًا مجرمًا يريد إسكات قول حقيقيّ ينقل واقعًا ملتهبًا، يصنعه النظام نفسه. اقتباسُ حكايتها سينمائيًا محاولة لتوثيق سيرة امرأة تخترق الممنوع، وتتسلّل إلى عمق المصائب، كي ترى وتعيش وتكتشف وتكتب وتبوح. وكي تنقل إلى العالم مآسٍ غير مُدركٍ وطأتها وبشاعتها.

حكاية ماري كولفن منقولة سينمائيًا بفضل الأميركي ماتيو هاينمان (1983). مخرج وثائقي، يوثّق حكاية كولفن في "حرب خاصة". فيلم يُهاجمه مريدو نظام بشّار الأسد، والأخير "مُتّهم" بقتلها بحسب دعوى قضائية لوالديّ كولفن، بعد تأكدّهما من أنّ القتل مقصودٌ من قِبَل حاكم ينفي حربه ضد مدنيين، فتفضح كولفن كذبه، لأنه متورّط بقتل مدنيين في حمص، وفي غيرها أيضًا.

"حرب خاصة" شهادة توثيقية لصحافية غير متردّدة عن "محاورة" الموت في بقاع جغرافية مختلفة

"حرب خاصة" شهادة توثيقية لصحافية غير متردّدة عن "محاورة" الموت في بقاع جغرافية مختلفة، وغير منافِقةٍ لشدّة التزامها أحوال الناس وخرابهم وموتهم. في "حرب خاصة"، يظهر توتّر ماري كولفن وغضبها بادّعاء تمثيلي (روزاموند بِيْكِي) لن ينفي، إطلاقًا، ارتباك الشخصية الحقيقية إزاء عيشٍ ذاتي غير مُريح (اضطراب علاقاتها العاطفية، رغبتها الموءودة في الإنجاب، قلقها وألمها ومواجعها المنبثقة، تحديدًا، من فقدانها عينها اليُمنى أثناء عملها في سيريلانكا، إلخ)؛ ولن ينفي أبدًا حساسية المواضيع التي تختارها وتكتب عنها، وأحوال ناس مواضيعها وجغرافيا مواضيعها.

أميل إلى قولٍ مفاده أن "حرب خاصة" لماتيو هاينمان غير مُنصف ـ كلّيًا ـ لماري كولفن، وغير متمكّن ـ كلّيًا ـ من بلوغ المرتبة الإنسانية والأخلاقية والمهنيّة رفيعة المستوى لها. توثيق تقليدي، مع تمثيل متوتر وغاضب بدلاً من أن يعكس التمثيلُ توتّرَ الشخصية الحقيقية وغضبها. مع هذا، فالتوثيق متحوِّل إلى شهادة بصرية عن مُكافِحَةٍ من أجل حقّ، من دون امتلاكٍ فعلي لمفردات نص بصري سمعيّ إبداعي، يمتلك نواة حكائية قابلة لأن تكون فيلمًا أهمّ وأجمل من التوثيق المروَّج له كفيلمٍ سينمائيّ، يحتاج إلى تقنيات كثيرة كي يُصبح فيلمًا.

هذه معضلة. النص مهمّ، فهو يروي سيرة صحافية أميركية "متورّطة"، إيجابيًا، بشؤون عالم منهار، من سريلانكا، حيث تفقد عينها اليُمنى أثناء تغطيتها الميدانية حربًا وخرابًا وتحوّلات (ثوار التاميل)، إلى أفغانستان وليبيا والعراق، وصولاً إلى حمص، التي تشهد موتها وموت صديقها المُصوّر الصحافي الفرنسي ريمي أوشليك (1983)، الذي يؤدّي جيريمي لاأورت دوره في الفيلم. لكن الشرط السينمائي غائبٌ، وهذا يُسقِط عن العمل جمالياته الفنية، من دون أن يُلغي أهمية الفعل البصري، الذي يقول للعالم إن صحافية تجوب مدنًا وتلتقي أناسًا وتنقل حكايات، تُقتَل عمدا (قصف من الطائرات على مبنى متحوّل إلى مقرّ صحافي، يرصده أمن النظام السوري ومخابراته قبل تحويله إلى أنقاض بتنفيذه تلك المهمّة الجُرمية)، لأن نظامًا يكذب بعد أن يقتل، فإذا بماري كولفن تقول حقّا فتُقتَل في الحيّز الجغرافيّ الأخير في حياتها، الذي تنقل حكاياته إلى العالم، والعالم صامت.

يسخر ممانعون ملتزمون خطابًا أسديًا من وضع ماري كولفن عُصابة سوداء على عينها المفقودة، ما يجعلها شبيهة بموشي دايان. هي تقول هذا في سهرة مع أصدقاء. لكن العُصابة غير سلبيّة، فهذا شأن طبيّ ـ نفسيّ بحت، لكن ممانعي بشّار الأسد يريدون تمويه حقائق ووقائع لن تحول عُصابة العين دون كشف جرمه ومهاتراته. فالأهمّ كامنٌ في فعلها المهنيّ الكاشف خرابًا وأكاذيب، وهذا يلتقطه "حرب خاصة" فيُقدّمها كما هي من دون سينما، كأن ماتيو هاينمان، القادم من ثقافة سينمائية وثائقية، غير عابئ بما هو خارج التوثيق الفعليّ لسيرة امرأة لن تخشى موتًا ولن تهاب مخاطر، رغم أن مَخاطر أخيرة تنهال عليها فتُفْقدها حياتها بعد أشهرٍ قليلة على انطلاق حراك مدني عفوي سلمي سوري، الذي ينهال النظام الأسديّ عليه قتلاً وتخريبًا وتشويهًا وتزويرًا.

فيلم "حرب خاصة" عن سيرة الصحفية "ماري كولفن"

أهمية "حرب خاصة" كامنةٌ في كونه شهادة بصرية عن قصّة حقيقية، لا أكثر. لهذا جانبان: الأول سلبيّ، لأنه يُلغي السينما من أجل القضية (رغم هذا، هناك حاجة إلى هذا النوع الفني أيضًا لتوثيق حكايات يجب أن توثَّق وتكشف للعالم بعض المخبًأ). الثاني إيجابي، لأنه يوثّق القضية وإنْ غصبًا عن السينما، أو خارجًا عنها. وقائع التصدّي لجرائم بشّار الأسد، ولاحقًا لحلفائه أو لمن يُطلق سراحهم من السجون ليقتلوا الثورة السلمية، محتاجة (الوقائع) إلى توثيق يُفترض به أن يصلح للتاريخ، على الأقلّ، مع أن ضرورته أكبر من أن تكون مجرّد توثيق للتاريخ، فهناك جريمة، والقاتل معروف، وللدول مصالح وحسابات، وللناس أحلام موءودة، وللأحلام، قبل وأدها، شرعية الأمل. ما يفعله "حرب خاصة" يكمن في تأكيده على تلك الشرعية، رغم النهاية المأسوية، المتَّخذة من مأسوية النهاية الحقيقية لماري كولفن.

للميلودراما الفاقعة حضور في "حرب خاصة"، تحديدًا في الفصل السوري. تتسلّل ماري كولفن إلى "حيّ بابا عمرو" في حمص، مع أن الأبرز في الفيلم مرتبطٌ بسيرتها الصحافية والمهنيّة والعاطفية (مشاهد مختلفة، وإنْ تكن قليلة، تكشف شغفها بالجسد رغم عطب العين، وتعكس واقعًا نفسيًا يقول توترًا وغضبًا وارتباكًا). تريد أن تكون أمًّا، لكن بعلها يُخبرها أن المحاولات السابقة فاشلة، قبل أن يعثر في امرأة أخرى على حياة مختلفة له. أما الرجل الأخير في حياتها (ستانلي توتسي، مؤديًا دوره توني شاو)، بحسب "حرب خاصة"، فيجلس وحيدًا في بيته الثريّ، ليُشاهد ـ كما يفعل زملاء لها في مكتب الصحيفة البريطانية "صانداي تايمز" وبعضهم دامعٌ وحزين ـ ما سيكون "رسالة أخيرة" لها على شاشة تلفزيونية، تؤكّد أن النظام الأسديّ يقتل شعبًا، وهذا يناقض بيانه الرسمي القائل بأنه، أي النظام، يواجِه إرهابيين.

فيلم "حرب خاصة" عن سيرة الصحفية "ماري كولفن"

في المقابل، ينتمي "حرب خاصة" إلى نمط سينمائي ـ وتلفزيوني يعكس، من بين مسائل عديدة، كيفية اشتغال الصحافة، المرئية أو المكتوبة. هذا لن يكون له علاقة بالمحتوى السينمائي، المفقود في الفيلم، بل سيكون انعكاسًا لتشابهٍ يمتلك حيوية التقديم البصري ـ السمعي للمهنة واشتغالاتها، وللعاملين فيها. أما المسائل العديدة فعابرة، لأن المهمّ كامنٌ في سيرة ماري كولفن، وفي ممارستها مهنة، تتطلّب منها خوض معارك ومواجهة تحدّيات، وهذا غير بخيلة فيه أبدًا، إلى درجة أنها تدفع حياتها ثمن خياراتها والتزاماتها.

لكن الافتعال التمثيلي كبير. هذا ليس تمثيلاً، بل ادّعاء. على الممثلة (بِيْكِي) أن تنقل انفعالات الشخصية الحقيقية، لا أن تنفعل وتتوتر، ولا أن تتصنّع انفعالاً وتوترًا يُقدَّمان ما يشي أنه أداء سطحيّ. والافتعال يبلغ، معظم الأحيان، حدًّا يُشوِّه الواقع، جاعلاً من الشخصية الحقيقية "كاريكاتورًا" باهتًا، رغم مصداقيتها الحقيقية، ومصداقية حِراكها المهنيّ.

يوميات ماري كولفن، وعلاقاتها المهنية والإنسانية والعاطفية، نواة درامية لـ"حرب خاصة"، الذي يبقى شهادة بصرية موثّقة عن واقع حياتي وفعل جُرميّ.

كلمات مفتاحية
مقالات مقترحة
أوقاف النظام السوري تسمح بإقامة صلاة التراويح بالمساجد في رمضان
دول عربية وإسلامية وأوروبية تعلن الثلاثاء أول أيام شهر رمضان
كورونا.. ارتفاع عدد الإصابات شمال شرقي سوريا