حراك أميركي شرق المتوسط في مواجهة الاستقلالية التركية

تاريخ النشر: 05.09.2020 | 16:45 دمشق

إسطنبول - فراس فحام

ظل سقف الموقف الأميركي من حملة اللواء "خليفة حفتر" على طرابلس الليبية هو الدعوة لوقف الهجوم، والالتزام بالمسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، ولم تعلق واشنطن على الاتفاق الذي وقعته تركيا مع حكومة الوفاق الوطني الليبية في آواخر عام 2019، وأسس لترسيم الحدود البحرية بين الجانبين وتحديد منطقة التجارة البحرية بالإضافة إلى التعاون الاستخباراتي والعسكري.

بل إن الولايات المتحدة الأميركية لم تتخذ أي ردة فعل تجاه انتقال قوات تركية وسورية للدفاع عن طرابلس في وجه حملة "حفتر"، ويمكن القول إن واشنطن استثمرت في الدور التركي لمنع تمدد روسيا في الساحل الغربي الليبي، خاصة وأن ميليشيات "فاغنر" المرتبطة بوزارة الدفاع الروسية كانت تقود العمليات العسكرية على تخوم طرابلس.

بعد إعلان حكومة الوفاق الوطني عن تأمين العاصمة طرابلس في شهر حزيران من العام الجاري، وصل وفد أمريكي رفيع إلى طرابلس بشكل مفاجئ، يترأسه سفير واشنطن في ليبيا ريتشارد نورلاند، رفقة الجنرال ستيفن تاونسند، قائد القيادة العسكرية الأميركية في إفريقيا "الأفريكوم"، واللافت التغطية الإعلامية التي رافقت تلك الزيارة، لتكون بمثابة إعلان صريح عن تصاعد الدور الأمريكي في غرب ليبيا.

في منتصف تموز دعمت الولايات المتحدة مقترحاً ألمانياً ينص على تحويل سرت والجفرة إلى مناطق منزوعة السلاح، وإدخال قوات أوروبية من أجل حماية الموانئ النفطية شمال ليبيا، في خطوة معاكسة للإستراتيجية التركية القائمة على مد سيطرة حكومة الوفاق إلى حوض سرت الذي يدخل ضمن اتفاقية ترسيم الحدود البحرية.

مطلع شهر أيلول الجاري، شهد تصعيداً أمريكياً ضد الدور التركي في ليبيا، تمثل في كشف القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا "الأفريكوم" عن عدد المقاتلين السوريين الذين استقدمتهم أنقرة إلى ليبيا، حيث قدّرهم التقرير الذي كشف البنتاغون النقاب عنه بأكثر من 5 آلاف مقاتل، واتهمهم بارتكاب انتهاكات وجرائم بحق السكان الليبيين.

تقرير "الأفريكوم" تزامن مع قرار أمريكي برفع حظر التسليح الجزئي عن قبرص الرومية، وإعلان وزير الخارجية الأمريكي ماك بومبيو أن "جمهورية قبرص "شريك رئيسي في شرق البحر المتوسط"، وأن بينهما "تعاوناً أمنياً".

تدرك واشنطن تماماً أن التحركات التركية في شرق المتوسط وفي شمال إفريقيا تهدف إلى تحقيق المزيد من الاستقلالية، من خلال فرض أمر واقع بما يخص الحدود البحرية لتركيا، المقررة بموجب اتفاقية لوزان عام 1923، كما أنها تنم عن رغبة تركية بإعادة تعريف دورها في حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وتثبيت دور تركي مؤثر ومحوري في سياسات الحلف، بدل أن تكون مجرد خط دفاع أول عن الخاصرة الجنوبية للحلف بحسب الدور المحدد لها عند تأسيسه، يضاف لهذا كله الرغبة التركية في التأثير بالسياسات الأوروبية، بما يخدم مصالحها عن طريق التحول إلى منصة مهمة لعبور الطاقة باتجاه أوروبا.

إن تحقيق الأهداف آنفة الذكر يؤدي من وجهة النظر الأمريكية إلى الإخلال بالتوازنات المستقرة منذ عقود، كما قد يضعف التأثير الأمريكي في القرار الأوروبي.

أمر إضافي يقف خلف الحراك الأمريكي الأخير في شرق المتوسط، وهو دخول شركة "شيفرون" الأمريكية على خط الاستثمارات في منطقة شرق المتوسط، بعد استحواذها على أسهم شركة الطاقة "نوبل إنرجي"، حيث أصبحت "شيفرون" الأمريكية شريكة في تخزين الغاز في قبرص واستثمار حقول غاز قبالة شواطئ حيفا، وقد تفكر في توسيع استثماراتها أبعد من الأراضي الفلسطينية المحتلة وقبرص.

مرة أخرى قد تجد نفسها أنقرة مرغمة على اللعب على التناقضات، من أجل مواجهة التحديات الخارجية، وذلك من خلال اللجوء إلى تفعيل منظومة S400 ونشرها على مقربة من شواطئ البحر المتوسط، بالإضافة إلى العمل المشترك مع روسيا في المياه الدافئة.