حرائق الرغيف وأكذوبة الجسد الواحد (سوريا لم تكن بخير)

حرائق الرغيف وأكذوبة الجسد الواحد (سوريا لم تكن بخير)

الصورة
04 حزيران 2019

للعام الثامن علي التوالي تستمر الحرائق في سوريا وتلتهم الأراضي  وخيراتها، والأجواء وفضاءاتها، وامتدت النيران إلى القلوب والعقول والأواصر والصلات المجتمعية ولم تقتصر فقط على حرق المحاصيل الحقلية والغابات والحراج، وبالرغم من أن القمح يعد أكثر السلع الغذائية السورية استهلاكاً حيث يستهلك معظمه كخبز، وبذلك يضمن الاكتفاء الذاتي وهو محصول استراتيجي يتمتع بأهمية كبيرة للأمن الغذائي في سوريا إلا أن الحرائق التي اندلعت مؤخراً ولم تتوقف بعد، لها دلالات ومؤشرات أبعد وأكثر إيذاءً وأشد إيلاماً مما يبدو عليه ظاهر الأمر.

من ناحية الاستخدام السياسي مازال شبح الحصار والتجويع والإذلال هو السلاح الذي لم يوفره حامل السلاح ضد الشعب السوري الأعزل، والنيران إحدى أشكال السلاح التي اكتوى بها المعتقلون والأسرى، وحرم منها سكان الخيام وقاطنو العراء، وملأ لهيبها الكثير من بيوت المهجرين قسراً والذين اقتلعوا من جذورهم، واليوم تكتمل دورة النار بحرق الرغيف ومحاصيل السوريين، التي أضحت سبيلهم الوحيد بعد أن تقطعت بهم سبل العيش المختلفة بفعل فاعل وتواطؤ غافل، وهذا يزيد مأساة الشعب السوري مرارة وبؤساً ويأسا، ولاتزال جراحنا تعرض في مخابر الدراسات والبحوث فالأرقام تشير إلى أن ما يزيد عن 37٪ من السوريين يعانون من تهديد لأمنهم الغذائي.

أما من جهة الانكشاف الاجتماعي الذي تبدى من خلال ردود الفعل المختلفة والصادرة عن مجاميع السوريين ومكوناتهم، وهنا تكمن الطامة الكبرى حيث تعرى

النار سلطت الضوء لنرى بوضوح مقدار الفجوة والتآكل في الثقة المجتمعية والصلات بيننا نحن السوريين وكشفت شهوتنا المتقدة في اتهام بعضنا البعض

عمق جرحنا الاجتماعي وتكشف بأننا لسنا جسداً واحداً إذا اشتكى منه عضواً تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، بل على العكس تماماً فقد تراوحت ردود الفعل بين شماتة وتشفٍ ودعوة للمزيد من العقوبات والردع والاقتصاص والانتقام لكل من لا يشبهنا أو لا يوافق على سلوكنا، وتبدت المناطقية والجهوية والفئوية في تبني المظلومية من خلال الإشارة للفاعل والمسؤول عن هذه الجرائم التي ترتكب بحق الإنسانية تحت أنظار مدعي تمثيل الإنسانية، وكأن النار سلطت الضوء لنرى بوضوح مقدار الفجوة والتآكل في الثقة المجتمعية والصلات بيننا نحن السوريين وكشفت شهوتنا المتقدة في اتهام بعضنا البعض، والتعامي والتغافل عن الفاعل الحقيقي والذي أزاح الستار والرماد عن هذه النيران الكامنة فينا منذ سنين خلت،  وينفخ فيها الفاعل حيثما يقتضي اتجاه البوصلة السياسية والتي لم تستقر يوماً إلا باتجاه تعاسة وحصار هذا الشعب المكلوم.

وفي هذا السياق يخطر ببالي مشهداً من مجلس الشعب السوري - والذي يمثل كل شيء يراد له باستثناء الشعب السوري – حيث يقترح أحد الأعضاء وهو من محافظة الرقة بضرورة تعويض مزارعي الحمضيات في الساحل السوري عن الأضرار الناجمة عن موجة الصقيع التي ألمت بالبلاد، وكان ذلك أيام كنا قدريين ونرد كل ما يصيبنا إلى مشيئة الله وحكمة القيادة، كان المشهد برمزيته  يحمل دلالة اجتماعية موجبة، بغض النظر عن كل ما رافقه من تهكم واتهام لصاحب الطرح بالمزاودة والتقرب من السلطات الحاكمة، والمدهش اليوم لم نلاحظ أي تعاطف مجتمعي أو شجب وإدانة لمرتكبي الحرائق حتى على مستوى تعبير رمزي عبر منصة تواصل اجتماعي إلكتروني

يبدو أننا لم نكن بخير منذ زمن ليس بقريب، وكانوا يحقنوننا بسخيف القول والشعارات وبأننا وطن واحد وجسد واحد

وذلك أضعف الإيمان، لم نسمع صوتاً أو نقرأ منشوراً يقول هذا خبز وسلة غذاء جميع السوريين فلا تحرقوها أو على الأقل لا تفرحوا ولا تشمتوا في حرقها فالجميع سيكتوي بهذه النار، ولم تأبه (أمل عرفة) بكل ما يعصف حولها من نيران وحرائق وأصرت على أن تبدي عورتها المقززة في مشهد استهزاء وتشفٍ بالأطفال وأمهاتهم ممن كوتهم نار السلاح  الكيميائي وبرهنت بالدليل القاطع على الدور الاجتماعي للفن في إخماد الحرائق في زمن اختناق القيم والاتجاهات الموجبة.

يبدو أننا لم نكن بخير منذ زمن ليس بقريب، وكانوا يحقنوننا بسخيف القول والشعارات وبأننا وطن واحد وجسد واحد، والصهيونية والإمبريالية تستهدفنا، وإذ بالنار تكشف كل ما هو مستور فينا وتبيّن أننا نستهدف بعضنا البعض ونستقوي بالصهيونية والامبريالية والشيوعية والرأسمالية وندخل كل زناة العصر عبر نقاط ضعفنا وجهلنا.

عظيمة هي النار حين واجهتنا بحقيقتنا، لسنا جسداً واحداً، وما أتعسنا إن لم نتألم كي نتعلّم.

وحتى من الناحية الاقتصادية تسهم النار بحالاتها المتنوعة في إضعاف وقتل الموارد المختلفة وابتداءً من المورد البشري والمالي والتقني والمادي وصولاً إلى المورد الزراعي والذي يمثل ركيزة أساسية من ركائز الموارد الاقتصادية في سوريا، ويضع سلطات أمر الواقع أمام تحدي إيجاد حلول وبدائل، وكل المتاح يحتاج لثمن، فهل ستوقع حكومة النظام في دمشق مزيداً من عقود الإذعان مع الإيرانيين والروس لتأمين سد الفجوة في المحاصيل الحقلية بعد أن عجزت عن تقديم الحد الأدنى من الخدمات والالتزامات إزاء من يعيشون في جغرافية سلطة الأمر الواقع؟ وبالتالي تكبل إرادة الشعب وترهن خبزهم ولقمة العيش مرة ثانية وبعد كل الذي حدث!!!

وسلطات أمر الواقع في بقية الجغرافية السورية من غربها وشمالها وصولاً إلى شرقها لا تملك خيارات ولا خبرات ولا قدرات للتعامل مع هذا النمط من النيران التي بدأت بحريق المبدأ والقيمة قبل أن تصل إلى الحقول.

ليت هذه النار تطهرنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا وتدفعنا نحو مقدسنا الوحيد سوريتنا فقط.

كلمات مفتاحية
شارك برأيك