حديث أبي المراديس رزّ جَبُّولي أبو خَطّ

تاريخ النشر: 24.04.2018 | 11:04 دمشق

حدثني "ماهر حميد"، وهو المهندس، والفنان، والكاتب الـ "كِشْ مَلِكِي" المتميز، نقلاً عن الحكيم "شوقي بيتنجان"، عن زميله في الشغل "الحاجي نتوف"، عن "أبي قدور" ابن أخت الرفيق وزير الزراعة والإصلاح الزراعي، عن خاله الوزير "أبي العز"، أن معالي رئيس الوزراء دخل مكتبه، ذاتَ صباح، منشرحَ الصدر، بسامَ الوجه، وقال لسكرتيرته، وهو ماشٍ نحو الكنبة الواسعة التي اعتاد الجلوسَ عليها حينما يكون مسروراً:

- اطلبي لي وزير الزراعة "أبو العز" حالاً.

وجلس، ولف ساقاً على ساق، وأضاف:

- أبلغيه أن يُحضر معه ملف الرز، والأفضل أن يأتي بعد الدوام، لأنه من المحتمل أن يستدعينا رئيس الجمهورية، أثناء الدوام، لاجتماع طارئ.

بعد الدوام، صلى رئيس الوزراء إماماً، واقتدى به معظمُ الوزراء، عدا وزير "التلاميذ والطلبة"، لأنه مسيحي، و"وزير الدفاع والضَرْب بالمليان"،

المشاريع التي عُرِضَتْ عليَّ بهدف إنقاذ الاقتصاد الوطني، أكثر من القش والتراب

لأنه مشغول بمكافحة الإرهاب (وقد حصل على فتوى صريحة من مفتي الديار "الشيخ أحمد أبو أَلُّوسه" تنص على إعفائه من الصلاة من الآن وحتى يقتل آخرَ إرهابي موجود في البلاد)، و"وزيرة الثقافة والتصدي للمؤامرة"، لأنه كان لديها مانع شرعي، وكذلك وزير دولة بلا حقيبة أعفاه "أحمد أبو أَلُّوسه" من صلاة الجماعة بسبب ضخامة جسمه، خشيةَ أن ينشرط بنطالُه من الخلف أثناء السجود.  

بعد انصراف الجميع، دخل وزير الزراعة أبو العز، ومعه "كلاسور" كبير، إلى مكتب رئيس الوزراء الذي استقبله بحفاوة بالغة، وأجلسه مقابله، وقال له:

- اسمع يا أبا العز المحترم، أقسم بشرفي، وبمعتقدي، وبحضرة الله تعالى الذي جَمَعَنا من غير ميعاد، أنَّ المشاريع التي عُرِضَتْ عليَّ بهدف إنقاذ الاقتصاد الوطني، أكثر من القش والتراب، وأنا، لا أكتمك، بَيَّتُّ استخارة بين المشاريع المقدمة كلها، واستخارة إفرادية لكل مشروع على حدة، فانشرح قلبي، وفتح الله بصيرتي على مشروعك المتعلق بزراعة الرز "الجَبُّولي أبو خَطّ" في ربوع بلادنا الغَنَّاء. وأحب هنا أن أزف إليك البشرى بأن القيادة العليا وافقت عليه، وأصبح بإمكانك الإقلاع به.. لذا يجدر بك الآن، بوصفك وزيراً حائزاً ثقتي وثقةَ القيادة، أن تضع إمكانياتك وإمكانيات وزارتك كلها فيه، وحينما تواجهك أيةُ عوائق ارفع سماعة الهاتف، واعزفْ لي: ألو.

اغتبط الوزير أبو العز، وما عاد يصدق متى ينتهي الاجتماع ليخرج إلى الممر، ويعزف (ألو) لأم العز.. وبالفعل خرج، وعزف لها، وبمجرد ما قالت: أي حبيبي، اندفع يزف إليها سلسلة من البشائر. قال لها إن سيادة رئيس الوزراء قد وافق على المشروع الذي اقْتَرَحَتْهُ هي يوم طبخت "رز وبازليا"، وتَذَوَّقَ هو الرز بعد نضجه وقال: أم م م.. شو لذيذ، يسلم إيديكي يا حبيبة قلبي.. فأوضحت له، حينئذ، أن هذا الرز من ماركة "الماوردي أبو سنّ" التي ازدهرت في الصومال مؤخراً، وبحسب السيدة "سلاف" ابنة خال زوجة أخيها،

(الغَرْبَلة) التي ستُجريها القيادةُ الحكيمةُ للوزراء في التعديل الوزاري القادم، أصبح من المُسْتَبْعَد أن تطاله

التي اعتادت أن تمضي العطلة الانتصافية مع زوجها وعيالها في ربوع "مقديشو"، أن المرء، بمجرد ما يدخل أيَّ "مول تجاري" في الصومال، يطالعه منظر أكياس الرز "الماوردي أبو سن" الذي يتميز عن الأرزاز الأخرى بلونه الزاهي، وحباته التي يصطف بعضُها قرب بعض وكأنه اللُحْمَة الوطنية التي تتحدثون عنها في مهرجاناتكم الخطابية، وقد أحضرت لها "سلاف"، كيسين من هذا الرز، وقالت لها اعتبريهما، يا عزيزتي أم العز، (كادو) مني.. فشكرتها، وجربت أحدَهما في طبخة "مقلوبة الباذنجان"، فوجدته رزاً ممتازاً لا (يَقْرُط) في الفم أثناء المضغ، وفي الوقت نفسه لا (ينخبص).. ومع تعديلات طفيفة على الاسم اقترحت أم العز أن يكون الرز الذي سيقترح زراعتَهُ في ربوع بلادنا الغَنَّاء: جَبُّولي أبو خَطّ.. والبشرى الثانية، قال أبو العز، أحسن من الأولى بكثير، وهي أن (الغَرْبَلة) التي ستُجريها القيادةُ الحكيمةُ للوزراء في التعديل الوزاري القادم، أصبح من المُسْتَبْعَد أن تطاله، فقد جرت العادة أن يُهْمَل الوزيرُ الذي سوف يُستبعد قبل موعد التعديل الوزاري بثلاثة أشهر على الأقل، وتُجَمَّدُ المشاريع التي بدأها من قبل، وتُرفض المشاريع الجديدة التي يتقدم بها، حتى إن رئيس الوزراء يهمس لموظف الأمانة العامة، أن يُسقط اسمه أثناء إبلاغ الوزراء لحضور الاجتماعات الطارئة، بحجة أنه سقط سهواً، أو أن يتصل بمنزله ويبلغ زوجته بأن عليه الاتصال برئيس الوزارة لأمر طارئ، فيتصل ليجد الرقم مغلقاً، أو ترد عليه السكرتيرة وتقول له المعلم عنده اجتماع، وهكذا يمر الاجتماع وهو لا يدري به، وأما هو، أبو العز، فقد وقع اختيارُهم على مشروعه، وكلفه رئيس الوزارة بالإقلاع به فوراً، فكيف يُستبعد من التعديل الوزاري؟ وأما المفاجأة السارة الثالثة، فلا يمكن التحدث بها عبر الهاتف.. وهنا ضحك أبو العز ضحكة ذات مغزى، وأوضح لأم العز قائلاً:

- أنت بتعرفي مشكلة الخطوط اللي عندنا، أحياناً بتعلّق، وبتتداخل، لذلك مو حابب حدا يطلع على خصوصياتنا أنا وإنتي، تسلمي لقلبي.