حديث أبي المراديس... الرفيق زياد الرحباني والرفيق علي

تاريخ النشر: 10.06.2018 | 00:06 دمشق

آخر تحديث: 28.06.2018 | 20:08 دمشق

الحديث عن الرفيق "علي" يقودنا، أوتوماتيكياً، إلى الفنان زياد الرحباني. وأقول، بداية، إنك، سواء اتفقتَ مع آراء زياد السياسية، أو عارضتَها، أو انزعجتَ منها، ستعترف بأنه أديب وفنان وموسيقار من طراز نادر.. ولعل "السخرية" هي السمة البارزة في شخصيته الفنية، وكذلك "الجدلية"، ورفض الاستقرار على أي حال..

لم يكتفِ زياد بأداء الأغاني الساخرة بصوته، أو برفقة جوزيف صقر، أو سلمى مصفى، أو جاك خليل شمعون، بل إنه استطاع أن يجعل "فيروز"، بجلالة قدرها، تغني كيفك انته، وكان غير شكل الزيتون، وواحد عم ياكل خس وواحد عم ياكل تين.   

هناك فن ساخر آخر يبلغ فيه زياد مرتبة المعلم الكبير، هو فن "المقابلة التلفزيونية".. المذيعون الذين يتورطون بمحاورته يقعون، بشكل دائم، في مشكلة تتعلق بطريقته في الكلام، أو بالأصح (الهَزل)، والهَزْل، بالمناسبة، هو قمة السخرية.. فبعد أن يُنهي زياد جملتَه، ويوحي لمحاوره أنه وَضَع نقطة على السطر، يفاجئه بإضافة تعليق مُحَمَّل بشحنة كبيرة من السخرية والفكاهة. يقول، في واحد من لقاءاته، معقباً على موضوع ما: هذه سنة الكون. ويسكت لحظة ويقول: سنة الكون، وشيعته!

وعلى ذكر السنة والشيعة يحكي زياد، في لقاء مع الإعلامية المصرية منى الشاذلي، عن عازف العود في فرقته الموسيقية الذي يحمل اسم "علي". اسم العازف، بالصدفة، علي، والسيدة فيروز تغني، من ألحان زياد أغنية "عودك رنان"، وفيها تخاطب العازف بقولها: ضَلَّك عيد يا "علي" سَمّعْني العود.. فيتهمُها أحدُ اللبنانيين بأن المقصود بكلامها هو علي بن أبي طالب، الإمام علي، مستنتجاً أن فيروز ذات ميول شيعية! في أول إضافة لزياد يقول لمحاورته منى الشاذلي إن صاحبَ هذا الاستنتاج هو نفسه الذي يقول لك إن الحرب الأهلية مستمرة منذ ثلاث وثلاثين سنة ويكمل حديثَه ببساطة، كما لو أنه يتحدث عن تفصيل يومي صغير.. وفي الإضافة الثانية يقول إن ذلك الشخص ما عنده مانع أن تولع الحرب من جديد، عادي.. ثم، في الإضافة الثالثة، يقول: وبتولع الحرب، وبيجي السيد عمرو موسى، وبيوقف على مسافة كافية بين الأطراف. ويوضح، هنا، أن عمرو موسى قوي جداً في مسألة الوقوف على مسافة واحدة بين الأطراف اللبنانية المتحاربة. معلم فيها! 

هناك أغنية أخرى، تخاطب "علي"، يغنيها مارسيل خليفة من شعر عباس بيضون.. وبحسب الصديق معن البياري الذي أثق بمعلوماته، فإن المقصود هنا شخص اسمه "علي شعيب"، يقول مطلعها :

يا علي، نحن أهل الجنوب

حفاة المدن نروي سيرتك

على أقصى البرك والأودية

نصل هنا إلى أغنية شعبية فكاهية أخرى لها علاقة بـ علي، أقصد أغنية "بيع الجمل يا علي" التي تغنيها سميرة توفيق من ألحان الموسيقار فريد الأطرش، تقول فيها: بيع الجَمَلْ يا علي، واشتري مَهْرَ الْـ إلي.

لا يحدد كاتب الأغنية، ميشيل طعمة، المكان الذي تجري فيه وقائعُها، ولا اسم المدينة أو البلدة التي يُقيم فيها السيد علي، ولكن المنطق السليم يستبعد أن يكون مقيماً في مدينة كبيرة كبيروت أو دمشق أو القاهرة، أو حتى طرابلس أو حمص أو تونس، ففي هذه الحالة لا يمكن أن يكون لديه جَمَل ليبيعه ويدفع ثمنه لوالد عروسه.. فالجمل حيوان صحراوي قديم، كان الناس يستخدمونه واسطةً للنقل..

وعلى سبيل الاستطراد، أقول: يأتي العاشق الثري، في الأفلام المصرية القديمة، إلى حبيبته، ويطلب منها أن تغمض عينيها لأنه يخبئ لها مفاجأة سارة، فتغمضهما، وحينما تفتحهما تراه يلوح بمفتاح، ويقول لها: ده مفتاح عربيتك حبيبتي، من هنا ورايح أنا ما أقبلشِ إني حبيبتي تتمرمط في الأوتوبيسات..

هذا الأمر لم يأتِ من فراغ، فالعاشق من أجدادنا العرب الأشاوس كان يدفع مهر حبيبته عدداً من وسائط نقل تلك الأيام، أعني الجِمَال والنوق، بينهن جَمَل فتى، عليه هودج مفروش (من مجاميعه)، بقصد أن تَركب العروس فيه، وتأتي إليه، أحسن ما (تتمرمط) بركوب قوافل النقل العام!

ولا ننسى، هنا، أغنية المطربة السورية كروان: شدوا لي الهودج يا الله، مشتاق لحبيبي والله.

تقول سميرة توفيق في المقطع الثاني: يا علي بيع الجَمَلْ، بيع النعجة والحَمَلْ.. في هذه الحالة سيتخيل المستمع أن "علي" لديه زريبة (بايكة) فيها تشكيلة واسعة من الحيوانات الأليفة القابلة للبيع والشراء، والأنكى من ذلك أنها تقول، في بيت ثالث، يا علي أبويَ طَمّيعْ، شو عندك يا حبيبي بيع! يعني أن المسكين علي، حتى يصل إلى وضع رأسه وراس حبيبته على مخدة واحدة، يجب أن يفلس، ويصبح (على الجنط)، أو يكون حاله كحال "رضا" في أغنية زياد الرحباني:

اسمع يا رضا

كل شي عم يغلى ويزيدْ

مبارح كنا ع الحديدة

وهلق صرنا ع الحديدً.  

 

       

كلمات مفتاحية