حديث أبي المراديس أكل عيش وبس..

تاريخ النشر: 25.05.2018 | 00:05 دمشق

آخر تحديث: 27.05.2018 | 03:57 دمشق

تلفزيون سوريا

كان الأديب الكبير حسيب كيالي يسخر من الأدباء الذين يكتبون قصصهم وهم جالسون على "الشرفة"، ويفتتحونها بالعبارة التالية: بينما أنا جالس على شرفة منزلي، وأحتسي قهوتي الصباحية، إذ شاهدتُ رجلاً يجر حماراً.. إلخ. ثم يخترع "أديبُ الشرفة" المذكورُ حكاية عن بؤس صاحب الحمار، والصعوبات التي يلاقيها في تأمين سبل العيش لشخصين هما: الكاتب والحمار.

حسيب كيالي، للعلم، كان من أكثر الأدباء السوريين التصاقاً بالناس وبالبلد، والدليل أن مجموعته القصصية الأولى التي صدرت سنة 1952 كانت بعنوان "مع الناس" وفي السنة التالية 1953 أصدر مجموعة "أخبار من البلد"، وبقي على هذا الديدن إلى يوم وفاته في تموز/ يوليه 1993. 

وكان القصاص الشعبي الكبير حكمت محسن يخرج من دكانه المخصص لتنجيد اللحف، ويقول لصاحبه: هؤلاء الناس العابرون،

يروي الناس في مجالسهم سيرة فنان، رسام، كان يرسمها في بيته لوحات صغيرة، ويجلس في زاوية أحد الأسواق المزدحمة بمدينة دمشق، ويبيعها بمبلغ زهيد

كل واحد منهم له حكاية، وأنا أستطيع أن أكتب تمثيلية إذاعية كل يوم، لأنني ألتقي بهؤلاء الناس، فهُمْ يعرفون حكايتي، وأنا أعرف حكاياتهم.

يروي الناس في مجالسهم سيرة فنان، رسام، كان يرسمها في بيته لوحات صغيرة، ويجلس في زاوية أحد الأسواق المزدحمة بمدينة دمشق، ويبيعها بمبلغ زهيد، وكان يفرح عندما يبيع عدداً من اللوحات يكفيه ثمنُها لتمضية يوم باذخ مع زوجته وأطفاله في الغوطة، حيث يتنزهون ويأكلون ويمرحون، وفي آخر النهار يقول الفنان: انبسطنا اليوم ولبكرة يفرجها ربك! وبعدما مات الرجل جاء مَنْ يعرف قيمة هاتيك اللوحات ويشتريها، فارتفع ثمنها، وأصبح المتاجرون بها من الأغنياء.

لعل المثال الأبرز في هذا السياق هو الأديب التشيكي ياروسلاف هاشيك، صاحب الرواية ذات الشهرة الواسعة في تشيكيا وأوروبا، بل وفي العالم، التي تحمل عنوان "الجندي الطيب شفيك". لقد روي عن الكاتب أنه كان ذا شهرة محدودة ضمن النطاق المحلي، إذ كان قد أصدر عدة كتب ضَمَّنَها قصصَه القصيرة الساخرة. وهو رجل بوهيمي، من رواد حانة "كاس القربان"، يعيش حياته يوماً بيوم.. إلى أن عَرَضت عليه إحدى الصحف كتابة رواية مسلسلة تؤرخ للحرب، فصار يكتب فصلاً كل أسبوع، ويعيش من ثمنه حتى يأتي الأسبوع التالي.

حينما توفي "هاشيك" في 23 يناير 1923 لم تكن الرواية قد اكتملت، مع أنها تجاوزت 450 صفحة، وأغلب الظن أنها لم تكن لتكتمل حتى ولو عاش هاشيك عشر سنوات أخرى، أو أكثر، لأنها، في الأساس، لم تكن خاضعة لمعمار، أو نظام روائي معين، وإنما هي مسرودة غزيرة تشبه جريان نهر، عامرة بالحكايات واللوحات الاجتماعية والمواقف المضحكة..

كانت فكرة الرواية هي التالية: كيف يمكن لشخص طيب، وصادق، ومخلص، وبريء، ومسالم، أن يعيش في غابة من الذئاب، والنمور، والبلدوزرات البشرية الكاسحة، وكُتَّاب التقارير، وأزلام الإمبراطور فرانتس يوسيف، والمعارضين للحرب وللإمبراطور، وصناع الحرب، دون أن يصيبه أذى؟

ولكيلا تكون الشخصية المذكورة هشة، وقابلة للاندحار، ومن ثم الزوال، فقد ذهب هاشيك إلى إغناء شخصية البطل بصفات مناقضة للصفات الأساسية التي تتمتع بها. فالجندي "شفيك" إنسان طيب، ولكنه يتمتع بشيء من الخبث الذي يحميه من الوقوع في المآزق القاتلة، صريح، ولكنه، في بعض المواقف، يلف ويدور ويتغامض،.. مسالم، ولكنه في بعض الأحيان يضطر لأن يكون صدامياً، اقتحامياً.. وأما سلاحه الأساسي فهو الحكايات.

إن سرد الحكايات، ضمن هذه الملحمة الروائية العظيمة أعني رواية "الجندي الطيب شفيك"،

الشيء المضحك، رغم تراجيدية الحالة، هو أن شفيك يروي حكاياته في مواقف غير مناسبة

ذو طبيعة معقدة، وينبني على عدة محاور. فالراوي الأصلي هاشيك يحدثنا عن سيرورة حياة الجندي الطيب شفيك، بضمير الغائب، وهي حياة عجيبة، فشفيك يعيش في خضم بحر سياسي واجتماعي مضطرب، في بلاد تلتهمها الحرب، والويلات، والجوع، والتشرد، وشفيك، هو الآخر، يسرد الحكايات.. فيكون لدينا ما يمكن أن نسميه (حكايات في قلب الحكاية).

الشيء المضحك، رغم تراجيدية الحالة، هو أن شفيك يروي حكاياته في مواقف غير مناسبة. فهو يكون واقفاً في حضرة ضابط لئيم، لا يسمح لأحد أن يتنفس في حضرته، وفجأة يباشر بسرد حكاية يبدو من مقدمتها أنها طويلة، فما ترى الضابط إلا وهو يندهش، ويبدأ غيظه بالتصاعد، ومع ذلك يكون مضطراً لسماع تتمة الحكاية، لكي يعرف إلى أين يريد هذا الجندي العجيب أن يصل بكلامه، وحينما يصل شفيك إلى القفلة، يغضب الضابط يخرج عن طوره، ويضرب شفيك بأي شيء يقع في متناول يده، ويقول أشياء لا يجوز لمثله أن يتفوه بمثلها في مثل هذا المقام!

في أحد فصول الرواية، لم يكن شفيك يريد أن يمنع الخادمة من الانتحار، لأن قرار إنهاء حياتها، بحسب رأيه، شأن خاص بها وحدها.. ولكنه وجد من واجبه أن يُرشدها إلى أفضل السبل التي ينبغي عليها اتباعُها لئلا تفشل المحاولة!.. فلو أسقطت نفسها من النافذة، كما كانت هي تخطط، فربما سقطت على تراب ناعم، وتعرضت لكسور في جسدها تسبب لها آلاماً لاحقة، وعطلة عن العمل، ولكنها، للأسف، لن تموت، وربما سقطت فوق الأشجار الخاصة بالجار صاحب الحديقة، وألحقت بالأشجار أضراراً تدفع الجار إلى إقامة دعوى عليها وعلى صاحب المنزل.. الأفضل أن تلقي نفسها فوق مكان صلب، وبقوة، حتى يؤدي الارتطام بالأرض إلى الوفاة الفورية.. وهذا هو، بحسب الجندي شفيك، عين العقل!