حديث أبي المراديس؛ التلفزيون في التخت

تاريخ النشر: 12.05.2018 | 00:05 دمشق

آخر تحديث: 14.05.2018 | 18:49 دمشق

يدفعني المرضُ الرجالي الظريف المدعو (تضخم البروستات) إلى زيارة الحَمَّام، مرة أو مرتين، بعد منتصف الليل، وأعود، بعد التخلص من ضغط البول، إلى السرير الذي يسميه أهلُ بلدنا "التخت".. وهي تسمية غريبة توحي بوجود شَبَه بين السرير والتخت الموسيقي، إذ يقال تخت شرقي وتخت غربي. أجد الطرفَ الذي تنام عليه السيدة أم مرداس مضاءً، أمط رأسي لأتأكد مما إذا كانت نائمة أو مستيقظة، فأجدها ممسكة بالموبايل تتفرج على بعض الفيديوهات، ولا أدري إن كانت تتابع حلقة من مسلسل ما.

على ذكر التخت. أتذكر حكاية رواها الأديب الراحل نجاة قصاب حسن، في كتابه "جيل الشجاعة"، عن شيخ الشباب الزعيم فخري بيك البارودي، أنه كان، ذات مرة، يَحْضُرُ مناقشة في موضوع التخت الموسيقي الشرقي والتخت الغربي، في المعهد العربي للموسيقا بدمشق. واحتدم النقاش. وكان فخري بيك من أشد المدافعين عن (مفتاح صول) الذي تُفْتَتَحُ به النوطة الموسيقية الشرقية، وكان يقف ضده رجل متحمس لـ (مفتاح فا) الذي تُفْتَتَحُ به النوطة الموسيقية التي تُعْزَفُ عليها المقامات الغربية. وبعد انتهاء السهرة، ذهب فخري بيك إلى منزله، وقبل أن يأوي إلى (تخته)، رن جرس الهاتف فرفع السماعة، وإذا بذلك الرجل المشاكس على الطرف الآخر من الخط يقول:

- الحقني يا فخري بيك، أنا ذهبت قبل الانصراف إلى الحَمَّام، وحينما خرجتُ اكتشفتُ أنكم خرجتم جميعاً وأقفلتم عليَّ باب المعهد. فإذا تكرمتم أرسلوا إلي (المفتاح) لكي أخرج.

فضحك فخري بيك وقال له: يا تَرَس، خلي (مفتاح فا) ينفعك!      

في السابق، في سن الشباب، كنت أضعُ رأسي على المخدة، وأنام خلال دقيقة واحدة، وأما الآن فلا أتمكن من العودة إلى النوم بأقل من نصف ساعة. وخلال محاولاتي استعادة النوم أفكر في أمور كثيرة. أفكر، أحياناً، في مقدار السهولة التي أصبح الناس يشاهدون بموجبها برامج التلفزيون، وأفلام السينما، والأغاني، والفيديوهات التمثيلية.. وأقول لنفسي: هذه "السوشيال ميديا" عبارة عن ثورة هائلة. إنها شيء يخل العقول، وبالأخص عقولنا نحن الذين تجاوزنا الستين من أعمارنا.

أذكر أن مقهى "أبو عبدو بيطار" كان يكتظ بالرجال قبل عرض مسلسل صح النوم لدريد لحام ونهاد قلعي ونجاح حفيظ ورفيق السبيعي..

في السابق، على زماننا، كانت الفرجة على التلفزيون بحد ذاتها فرجة. أذكر أن ابن خالتي "يوسف" عزمني على مشاهدة مسلسل مصري تُبَثُّ حلقة جديدة منه في تمام التاسعة والنصف من كل يوم ثلاثاء. وكان يأتي إلى المقهى قبل ربع ساعة من البث ويقول لي: تفضل.. بعد قليل تبدأ الحلقة.

في أواسط السبعينات اكتشف أصحابُ المقاهي أهمية التلفزيون في جذب الزبائن، فاشترى كل منهم جهازاً ووضعه في مكان بارز ضمن المقهى، وأنا أذكر أن مقهى "أبو عبدو بيطار" كان يكتظ بالرجال قبل عرض مسلسل صح النوم لدريد لحام ونهاد قلعي ونجاح حفيظ ورفيق السبيعي.. وكنا، كذلك، نتفرج على المصارعة الرومانية.. ومع أننا لم نكن نعرف أياً من المصارعين العتيدين، فقد كنا ننقسم إلى فريقين، ناس مع اللاعب ذي الشورت الأزرق، وناس مع اللاعب ذي الشورت الأسود، ويشتغل الصياح حينما يتغلب بطلُنا على خصمه، ونصيح به: دُحُّهْ. اكبسه. نَعِّمْ. وأما محمد علي كلاي فقد كانت الأمتان العربية والإسلامية كلاهما تؤيدانه من دون أي استثناء. ونحن من تينك الأمتين بالطبع، بدليل أننا كنا نفرح، 

ونشعر بالانتصار حينما ينتصر كلاي، مع أننا مهزومون سياسياً وعسكرياً وحضارياً كما تعلمون.

لم يكن الناس، في تلك الأيام الجميلة، يتفرجون على برامج التلفزيون من قفا أيديهم كما يفعل أهلُ هذا الزمان، فكانوا يضحكون حينما ينكت أحدٌ الممثلين، حتى ولو كان تنكيته بائخاً، ويبكون حينما يتعرض البطل للظلم، ويكرهون "بطيحان" الذي كان يلقي الفتن بين شرفاء القبيلة، ويتعاطفون مع "عفين" في مسلسل "فارس ونجود" وقد تبين لهم أنه محمود سعيد نفسه الذي كان يمثل دور فارس، بينما سميرة توفيق تكوي ثوبه وتغني (ما أحلاك يا هالتوب)..

ومن أجمل ما حصل مع إحدى السيدات، وهي مدمنة فرجة على التلفزيون، أنها كانت بين نائمة ومستيقظة تتفرج على مسلسل مصري فيه شاب يغضب من أمه لأجل التلفون، فيهددها قائلاً: والنبي، وسيد أبو العباس لأقطعه. ويأتي بالمقص ويقطع الأسلاك الموصولة بالجهاز. وحينما استيقظت المرأة من شرودها كان زوجها قد دخل البيت، وتوجه من توه إلى التلفون ليتصل برقم ما، فقالت له: التلفون مو شغال.

قال لها باندهاش: ليش مو شغال؟ شو في؟

قالت له: والله ما بعرف، هلق كان هون في شاب تخانق مع أمه، وصار يزعق، وبعدين جاب مقص وقطع الأسلاك!