حتى في نيوزيلاندا!

حتى في نيوزيلاندا!

18 آذار 2019

هذا البلد البعيد عن "مركز العالم" وعن نشرات الأخبار، نال حصته من الإرهاب أيضاً. ما الذي يبقى ليقوله الواحد منا بشأن عملية الإرهابي الأسترالي برنتن تارانت، بعد كل ما كتب وقيل عن الإرهاب، غير الترحم على ضحايا العملية الجديدة ورصد بعض ردود الأفعال؟

هناك، طبعاً، "الخلفية الإيديولوجية" التي أسهب المجرم في إعلانها، سواء من خلال "المانيفستو" الطويل (74 صفحة) الذي سبق ونشره

تارانت استهدف ضحاياه بدوافع عرقية، بوصفهم مسلمين لا على التعيين، وليس بسبب دينهم، بل بسبب عرقهم "الملون" الذي يعتقد أنه "يغزو" الغرب "الأبيض"

عبر الأنترنت، أو من خلال الإحالات الرمزية الظاهرة على بندقيته، كالإشارة إلى عملية إرهابية جرت في السويد قبل عامين أو تاريخ حصار فيينا من قبل الجيش العثماني، أو الأغنية الصربية التي كان يستمع إليها أثناء قتله بدم بارد لرواد الجامع الأول الذي استهدفه.

ويقول مجموع تلك الإشارات إن تارانت استهدف ضحاياه بدوافع عرقية، بوصفهم مسلمين لا على التعيين، وليس بسبب دينهم، بل بسبب عرقهم "الملون" الذي يعتقد أنه "يغزو" الغرب "الأبيض" ويلوثه مهدداً بالسيطرة عليه! كان شاباً عادياً لا يلفت النظر بأي آراء عنصرية، كما قال عنه شهود من موطنه الأصلي، ولا هو متدين متعصب يكره الأديان الأخرى. تغير بعد رحلة قادته إلى بلدان عديدة في أوروبا وآسيا، ومن المحتمل أنه تعرض لغسيل دماغ كامل بواسطة موجة الأفكار اليمينية العنصرية الصاعدة في أكثر من بلد أوروبي وفي الولايات المتحدة، وقد اكتسبت زخماً كبيراً بصعود التيارات السياسية اليمينية إلى السلطة في تلك البلدان. أن يبيع كتاب عنصري نشر في ألمانيا قبل سنتين أكثر من مليون ونصف من النسخ، لهو مؤشر مشؤوم إلى هذا المناخ المولد لأمثال تارانت.

الرجل، إذن، صاحب "قضية" وإن كان، بالمعنى السيكولوجي، مجرد سفّاح متعطش للدم، وقضيته تنذر بالخراب العميم. لكنه، في ذلك، ليس متفرداً كما نعلم، بل هو مجرد امتداد لإرهابيين يحملون "قضايا" لا تقل خبلاً ولا انحطاطاً عن قضيته، كحاملي راية الإسلام أو المسيحية أو اليهودية أو القومية أو السلطة الأبدية أو القيم الأميركية أو ثارات الحسين أو غيرها.. أشخاص يؤمنون بالصحة المطلقة لأفكارهم، مستعدون للقتل والانتحار من أجل فعل شيء لخدمتها كما يظنون، يتوسلون الترويع لخلق صدمة من شأنها تنبيه الناس إلى قضيتهم ودفعهم للاستسلام للخوف، بهدف السيطرة عليهم.

الواقع أن الإرهابيين، أفراداً أو مجموعات، لا يستطيعون فعل شيء أمام جبروت جهاز الدولة، وهو ما يدفعهم إلى القيام بضربات موضعية موجعة يستهدفون فيها مدنيين عزل على حين غرة. ولولا الانتشار الواسع للإعلام لما أدت العمليات الإرهابية إلى أي نتيجة غير قتل عدد محدود من الضحايا. فالإعلام هو أقوى أسلحة الإرهابيين، بواسطته يمكن لعملية محدودة أن تؤدي إلى ذعر جماعي عابر للقارات. لنتذكر، بهذا الصدد، حوادث دهس المارة في شوارع مزدحمة التي جرت في أكثر من بلد أوروبي في السنوات القليلة الماضية، ومنها العملية المذكورة في السويد، والتي "ثأر" لها تارانت من بين ثاراته. فهذا يعني أن كل الإجراءات الأمنية التي تلجأ إليها السلطات لا تشكل حصانة ضد الإرهاب. أي شخص يمكن أن يتحول إلى ضحية للإرهاب في أي لحظة وأي مكان. ليس هناك مكان آمن! هذا بالضبط ما يريد الإرهابيون أن يقولوه للناس.

"الحرب على الإرهاب" التي باتت الشعار المفضل للدول، ليس فقط أنها عاجزة عن القضاء على هذه الآفة، بل هي كالزيت المسكوب على النار، تزيد من أسباب الإرهاب، فضلاً عن كونه أداة سياسية بيد أنظمة حاكمة تصف كل معارضيها بالإرهابيين تبريراً لارتكاباتها الإجرامية بحقهم. الإرهاب والحرب عليه، وجهان لعملة واحدة باقية وتتمدد ما دامت الأسباب قائمة وتتراكم.

من المفيد مراقبة ردود الفعل المتنوعة على عملية بلدة كريست تشيرش النيوزلندية. وأول ما لفت نظري هو المبادرات المجتمعية الإيجابية في أكثر من مكان، كقيام بعض السكان، من غير المسلمين، بحماية جوامع أثناء الصلاة، في كندا وأماكن أخرى، أو كرشق سناتور نيوزلندي بالبيض أثناء تصريحات له مالت إلى تبرير الجريمة.

بالمقابل، ظهر في التداول مقطع فيديو يتحدث فيه شخص سوري متحمس للمجزرة ويعاتب فيه القاتل لاختياره هدفاً محدوداً، ويدله إلى موسم الحج حيث "القطاف وفير"! معتبراً أن كل من يرتادون الجوامع يستحقون القتل. وبالمثل ظهرت مشاركة كتابية على موقع أنترت تركي لشخص باسم وهمي يدعو فيها إلى قتل كل رواد الجوامع. سرعان ما حذفت إدارة

ألا يتحمل الإسلاميون، بل أنظمة الحكم المتوحشة في دول من العالم الإسلامي أيضاً، قسطاً من المسؤولية عن تقديم ذريعة للتيارات العنصرية في الغرب

الموقع تلك المشاركة وقدمت اعتذاراً للجمهور، ويقال إن الشرطة التركية تمكنت من إلقاء القبض على الفاعل وسيقدم إلى القضاء. في حين يتمتع السوري المذكور أعلاه، صاحب مقطع الفيديو، بشعبية واسعة بين جمهور متابعيه، وربما بحماية نظام الأسد الإرهابي.

الحق أن معظم حكومات الدول نددت بجريمة نيوزيلاندا ووصفتها بالإرهاب. ومع ذلك فهي لم تنجُ من اتهامات البعض لها بازدواج المعايير بالنظر إلى هوية القاتل أو هوية الضحية. وارتفعت أصوات إسلامية جاءتها العملية كـ "هدية" من السماء لتكرر القول إن الإرهاب لا دين له، من غير أن تتساءل ترى ألا يتحمل الإسلاميون، بل أنظمة الحكم المتوحشة في دول من العالم الإسلامي أيضاً، قسطاً من المسؤولية عن تقديم ذريعة للتيارات العنصرية في الغرب كما لحكومات الدول المنخرطة في "الحرب على الإرهاب"؟

الإرهاب حقاً لا دين له، ولكن المؤسف أن إرهابيين كثيرين يستخدمون الدين (وغير الدين) مطية لهم لتبرير شهوات القتل السيكوباتية والسيطرة السياسية على الناس.        

14 عينة نتائجها سلبية.. الشمال السوري مازال خالياً من كورونا
هلع في مخيم الهول بعد وفاة مفاجئة لطفل وامرأة من أصل روسي
حلب.. ارتفاع وفيات كورونا إلى 7 أشخاص بينهم نساء
كورونا.. الهشاشة والتعاون والإنفاق العسكري
تركيا.. إصابات جديدة بكورونا وارتفاع بعدد الوفيات والمتعافين
"نهاية التاريخ" من فوكوياما إلى كورونا
تركيا: الدورية الثالثة في إدلب ستتم عندما تسمح الظروف الجوية
أنقرة تعيد هيكلة فصائل إدلب وتنخُب أربعة "ألوية كوماندوس"
انفجار برتل تركي جنوب إدلب وتفجير جسر على طريق الـ M4