كشف تحقيق للاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين (ICIJ)، أن ما لا يقل عن 11 شركة سبق أن ارتبطت بالنظام المخلوع، حصلت على عقود وطلبات شراء من وكالات الأمم المتحدة بقيمة تقارب 10 ملايين دولار، خلال عام 2025.
وتُظهر البيانات أن عدداً من الشركات التي ارتبطت برجال أعمال وأجهزة أمنية في عهد المخلوع بشار الأسد، واصلت العمل مع الوكالات الأممية بعد سقوط النظام، رغم التغييرات التي طرأت على ملكية بعض الشركات وإدارتها، وإبرام الحكومة السورية تسويات مالية مع رجال أعمال كانوا محسوبين على النظام السابق.
وبحسب التحقيق، تثير هذه الترتيبات أسئلة بشأن آليات التدقيق التي تعتمدها وكالات الأمم المتحدة عند اختيار المتعهدين، ومدى شفافية التسويات الحكومية وإعادة هيكلة الشركات التي ارتبطت بالنظام المخلوع.
"شروق".. من الاستخبارات إلى عقود جديدة
تأتي شركة "شروق" للحماية والحراسة والخدمات الأمنية في مقدمة الشركات التي تناولها التحقيق، وقد حصلت على ما لا يقل عن 11 مليون دولار من عقود وكالات الأمم المتحدة، خلال سنوات حكم المخلوع بشار الأسد، قبل أن تفوز بتعاقدات إضافية تجاوزت قيمتها 1.6 مليون دولار، خلال عام 2025، بانخفاض طفيف عن العام السابق.
وكان الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين قد كشف، في كانون الأول 2025، استناداً إلى وثائق داخلية، أن الشركة كانت مملوكة سراً لفرع من أجهزة استخبارات النظام المخلوع.
ووفق التحقيق، أتاحت العقود الأممية تدفق أموال إلى جهاز حكومي كان خاضعاً للعقوبات بسبب تورطه في التعذيب وقتل المدنيين.
في المقابل، نفى المدير العام لشركة "شروق" أن تكون أجهزة "استخبارات الأسد" قد امتلكت الشركة، قائلاً: إنّ المعلومات المتعلقة بملكيتها "غير صحيحة"، مشيراً إلى حصولها على موافقة من الحكومة الجديدة لمواصلة عملها.
"بروغارد".. أكبر متعهد أمني للأمم المتحدة
وحصلت شركة "بروغارد" (ProGuard) الأمنية على عقود أممية بقيمة 2.2 مليون دولار، خلال عام 2025، ما جعلها أكبر متعهد أمني للأمم المتحدة في سوريا، وفق بيانات المشتريات التي استند إليها التحقيق.
وخلال حكم النظام المخلوع، أفادت تقارير بأن الشركة كانت مملوكة لرجل أعمال ونائب سابق في مجلس الشعب، فرض الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة عقوبات عليه بسبب دعمه للنظام.
وكانت وكالات الأمم المتحدة قد صنفت شركتي "شروق" و"بروغارد"، في وقت سابق، بوصفهما موردين مرتفعي المخاطر، لكنها واصلت التعاقد معهما، مشيرة إلى محدودية البدائل المتاحة لتأمين مقراتها وموظفيها داخل سوريا.
إعادة ترتيب شركات الأمن الخاص
قال فريق الأمم المتحدة القطري في سوريا للاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين، إن شركتي "شروق" و"بروغارد" وُضعتا، بعد سقوط النظام المخلوع، تحت إدارة شركة جديدة تحمل اسم "ديفنس سيف".
وبحسب الفريق، ضمّت الشركة الجديدة الكيانين الأمنيين إلى مظلتها بعد إقالة مديريهما السابقين، ضمن خطة لتوسيع أنشطتها الأمنية في مختلف المحافظات السورية.
وواصل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تمديد عقده مع شركة "شروق" على أساس شهري خلال معظم عام 2025، قبل نقل غالبية موظفيها إلى شركة أمنية ثالثة تحمل اسم "الفجر"، أُدرجت بدورها ضمن مجموعة "ديفنس سيف"، وتواصل تقديم خدماتها للأمم المتحدة.
وأشار التحقيق إلى أن وضع الشركات الثلاث تحت إدارة "ديفنس سيف" لم يكن معلناً من قبل، كما لم تقدم الحكومة السورية توضيحاً بشأن دورها في إعادة تنظيم قطاع الأمن الخاص، ولم تجب "ديفنس سيف" عن أسئلة الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين المتعلقة بهوية مالكيها، أو الظروف التي أتاحت لها تولي إدارة شركات الأمن الأخرى.
كذلك، لم تتضح طبيعة الاتفاقات التي قد يكون مالكو "شروق" و"بروغارد" أبرموها مع الحكومة الجديدة، ولا ما إذا كانت إعادة الهيكلة قد تضمنت تغييرات فعلية في الملكية، أم اقتصرت على استبدال الإدارات وإعادة توزيع العاملين.
تسويات غامضة مع رجال أعمال في عهد "الأسد"
يربط التحقيق استمرار عدد من الشركات في الحصول على العقود الأممية بنهج الحكومة السورية في التفاوض مع رجال أعمال ارتبطوا بالنظام المخلوع.
وأبرم مسؤولون سوريون تسويات مالية مع عدد من كبار رجال الأعمال، فيما تتواصل المفاوضات مع آخرين، وبموجب هذه الترتيبات، تنازل رجال الأعمال عن حصص كبيرة من أصولهم مقابل السماح لهم باستئناف نشاطهم والعمل داخل سوريا.
وقال خبراء تحدثوا إلى الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين، إنّ التسويات نُفذت بعيداً عن الشفافية، ومن دون معايير معلنة أو إجراءات موحدة، محذرين من انعكاساتها على جهود العدالة الانتقالية ومحاسبة المستفيدين من اقتصاد النظام السابق.
ولم تعلن الحكومة تفاصيل معظم الاتفاقات، أو قيمة الأصول التي انتقلت إليها، أو الأسس القانونية التي اعتمدت عليها في تحديد من يُسمح له بمواصلة نشاطه، ومن يخضع للملاحقة أو مصادرة الممتلكات.
سامر فوز وفندق "فور سيزونز"
تحدث مسؤولون سوريون علناً عن تسوية أُبرمت مع مالك فندق "فور سيزونز" في دمشق، الذي حصل، إلى جانب شركته القابضة، على تعاقدات أممية بقيمة تقارب أربعة ملايين دولار، خلال عام 2025.
ويستخدم الفندق مقراً لبعثة الأمم المتحدة في سوريا، كما كان أوّل مقر عمل للجنة الحكومية المكلفة بالتفاوض مع رجال الأعمال المرتبطين بالنظام السابق.
وكان الفندق مملوكاً في عهد "الأسد" لرجل الأعمال سامر فوز، الذي فرضت عليه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات، واتهمته واشنطن بالاستفادة من تهجير السوريين وتمويل ميليشيا موالية للنظام المخلوع.
وبحسب التحقيق، كان سامر فوز من أوائل رجال الأعمال، الذين دخلوا في مفاوضات تسوية مع الحكومة الجديدة، وتشير المعلومات إلى أنه سلّم الحكومة أصولاً قد تصل قيمتها إلى مليار دولار، كما سبق وأعلن مسؤول سوري، أنّ "فوز" نقل ملكية 32 شركة إلى الدولة، من دون نشر تفاصيل الاتفاق أو قيمة الشركات والأصول التي شملها.
انتقادات لنهج التسويات
تقول الحكومة السورية إن التسويات ضرورية لاستعادة الأصول ودعم اقتصاد البلاد المنهك، وإتاحة المجال أمام الشركات لمواصلة العمل وتوفير الوظائف.
لكن تقريراً أصدره مرصد الشبكات السياسية والاقتصادية (OPEN)، في كانون الأول 2025، انتقد هذا النهج، معتبراً أنه يفتقر إلى الشفافية، وقد يهدد الجهود الرامية إلى إنهاء نموذج رأسمالية المحسوبية الذي ساد خلال حكم "الأسد".
وحدّد التقرير 17 رجل أعمال خاضعين للعقوبات ظلوا داخل سوريا بعد سقوط النظام المخلوع، مشيراً إلى أن الحكومة لم تعلن تسويات مع عدد كبير منهم، رغم احتفاظهم بمصالح تجارية في سوريا وخارجها.
كذلك، رصد شركات فرضت عليها الولايات المتحدة أو دول أوروبية عقوبات بسبب دورها في دعم النظام أو الاستفادة من جرائمه، واصلت نشاطها في ظل الحكومة الجديدة من دون ظهور تغييرات واضحة في هياكل ملكيتها.
وقال أستاذ دراسات الحرب في كلية كينغز كوليدج لندن وأحد مؤلفي التقرير، رينود ليندرز، إن السرية المحيطة بمفاوضات الحكومة مع رجال الأعمال المرتبطين بـ"الأسد"، قد تقوض عملية الانتقال السياسي.
ورأى ليندرز أن الصفقات المغلقة لا توفر أساساً مناسباً لإعادة بناء بلد خرج من عقود من الحكم السلطوي، ولا تتيح للسوريين معرفة كيفية استعادة الأصول أو توزيعها.
رفع العقوبات يوسّع قائمة الموردين
أتاح تخفيف العقوبات الأميركية والأوروبية المفروضة على سوريا، دخول شركات جديدة إلى السوق، وهو تحوّل ظهر في بيانات المشتريات الأممية.
وبحسب فريق الأمم المتحدة القطري، ارتفع عدد موردي برنامج الأغذية العالمي في سوريا من نحو 40 شركة إلى أكثر من 300 شركة بعد سقوط النظام.
وعزا الفريق هذا الارتفاع جزئياً إلى التحسن في بيئة الأعمال والسوق، ما أتاح للبرنامج التعاقد مع عدد أكبر من الشركات المحلية، لكن توسع قاعدة الموردين لم ينه وجود الشركات المرتبطة برجال أعمال النظام السابق، التي بقيت تنافس على العقود الأممية إلى جانب الشركات الجديدة.
أين تبدأ مسؤولية رجال الأعمال؟
تقول الحكومة السورية إنها تميز بين من تورطوا مباشرة في أعمال العنف ومن ارتبطوا بالنظام من دون المشاركة في الجرائم، وسبق أن قال الرئيس السوري أحمد الشرع، في أحد تصريحاته الأولى بعد توليه السلطة، إنّ الحكومة ستبدي التسامح تجاه المواطنين، الذين "لم تتلطخ أيديهم بدماء الشعب السوري".
ويقر ليندرز بأن عدداً كبيراً من رجال الأعمال المرتبطين بـ"الأسد"، ربما لم يشارك بصورة مباشرة في القتل أو التعذيب، لكنه يرى أن ذلك لا يحسم مسألة مسؤوليتهم عن دعم منظومة النظام وتمويلها والاستفادة منها.
وقال إن هؤلاء ربما لم يطلقوا النار أو يمارسوا التعذيب بأنفسهم، لكن بعضهم شارك في تمويل آلة القمع والتنسيق معها، ما يجعل إخضاع أدوارهم للمراجعة والمساءلة جزءاً أساسياً من مسار العدالة الانتقالية.
تعيد العقود الأممية والتسويات المالية طرح سؤال يتجاوز ملكية الشركات الحالية: هل تكفي إعادة الهيكلة أو نقل جزء من الأصول لطي صفحة الشركات التي استفادت من النظام المخلوع، أم أن استمرارها يتطلب كشفاً علنياً للملكية والاتفاقات السابقة ومصادر الأموال وطبيعة علاقتها بأجهزة السلطة؟