حتى الغارات الأمريكية حطمت رقما قياسيا في سوريا

تاريخ النشر: 09.06.2018 | 00:06 دمشق

آخر تحديث: 12.06.2018 | 21:30 دمشق

أُضيف مؤخرًا إلى سجل الأوصاف التي أطلقت على ما شهدته سوريا في السنوات الأخيرة، مثل “أكبر كارثة صنعها الإنسان منذ الحرب العالمية الثانية”، والأرقام القياسية التي حُطّمت على أرض سوريا، رقم قياسي جديد، حطّمته هذه المرة المدفعية والطائرات الأمريكية في مدينة الرقة.

فقد وصف الرقيب أول في الجيش الأمريكي جون وين تروكسيل، ضربات المدفعية والطائرات الأمريكية على أهداف تنظيم داعش في الرقة، بأنها الأكثر منذ حرب فيتنام. قال تروكسيل: “أطلقت (البحرية الأمريكية) ثلاثين ألف جولة من الذخيرة على أهداف داعش… تفوق ما أطلقه أي كتيبة في البحرية أو الجيش منذ حرب فيتنام… في كل دقيقة في كل ساعة كانت تسقط قذيفة مدفعية أو هاون أو صاروخ أو قذيفة درون على داعش في الرقة”.

قالت منظمة العفو الدولية في تقريرها الصادر مطلع حزيران الجاري، إن هذه الضربات مثّلت انتهاكات محتملة للقانون الدولي، واتهمت التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة بإظهار القليل من الاعتبار لحياة المدنيين الأبرياء في أثناء مهاجمة الرقة، ما أسفر عن مقتل المئات. وأشارت إلى وجود دليل قوي على انتهاك التحالف للقانون الدولي، واحتمال ارتكابه جرائم حرب، إذ قُتِل المئات وجرح الآلاف بسبب الغارات التي شاركت فيها قوات بريطانية وفرنسية، وساهمت القوات الأمريكية بأكثر من تسعين بالمئة منها، في حين شاركت دول أخرى في التحالف - الذي يضم سبعين دولة - في تزويد الطائرات بالوقود والمساعدة في تحديد الأهداف. ودعت منظمة العفو التحالف إلى التحقيق بمزاعم الانتهاكات، والاعتراف بحجم الدمار، وتعويض الضحايا.

رغم وصف الفريق في الجيش الأمريكي ستيفن تاونسند، حملة التحالف في الرقة بأنها “الحملة الجوية الأكثر دقة في التاريخ”، إلا أن تقرير المنظمة أكد أن الحقائق على الأرض تخالف ذلك تمامًا.

رغم وصف الفريق في الجيش الأمريكي ستيفن تاونسند، حملة التحالف في الرقة بأنها “الحملة الجوية الأكثر دقة في التاريخ”، إلا أن تقرير المنظمة أكد أن الحقائق على الأرض تخالف ذلك تمامًا، بالنظر إلى صور الأقمار الصناعية عن الدمار في المدينة، وما عاينه باحثو المنظمة على الأرض، الذين زاروا 42 موقعًا في الرقة وقابلوا 112 شاهدًا وناجيًا، ووثقوا أثر الحملة على أربع عائلات عانت انتهاكات “ظاهرة الوجاهة” للقانون الإنساني الدولي.

تُذكّر هذه الحالات بما تعرضت له مدن الرمادي والفلوجة والموصل من حملات التحالف الدولي، إذ دُمّرت معظم هذه المدن وقُتل الكثير من الأبرياء، وبما تعرضت له مدن أخرى مثل دير الزور وحمص ودرعا وريف دمشق وحلب وغيرها على يد قوات النظام السوري وروسيا. وهنا تظهر مفارقة صعبة بين الإدانة الدولية والشعبية الواضحة للممارسات الوحشية على يد النظام السوري وحلفائه، وبين الإدانة الأقل بوضوح لممارسات التحالف الدولي.

تشير هذه الحالات إلى أمر آخر أود تسليط الضوء عليه، وهو صعوبة ووحشية حرب المدن، و ما آبت إليه الحروب بشكل عام، حيث بات التركيز على تحطيم معنويات المدنيين - الذين يفترض أن الخصوم متفقون على أنهم ليسوا أهدافًا للنار - عاملًا حاسمًا للمعارك، حسبما يشير مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما جوشوا لانديس، الذي لفت النظر إلى أن الحرب العالمية الثانية انتهت بالصورة الوحشية نفسها.

لم تُحسم الحرب بعد موت 130 ألفًا في طوكيو، في يوم شهد موت أكبر عدد من الضحايا في يوم واحد في الحرب العالمية الثانية، فعمد الأمريكان إلى إلقاء قنبلتين نوويتين على هيروشيما وناكازاكي أسفرتا عن قتل أكثر من 200 ألف شخص معظمهم من النساء والأطفال، وتدمير مدينتين لم يحملا أهمية استراتيجية أصلًا، ولكنّهما كانا هدفًا لم يتعرض للقصف من قبل ومسرحًا ممكنًا لتحطيم المعنويات. ما أدى في النهاية إلى استسلام اليابانيين.

قدّمت الحرب العالمية الثانية، وغيرها من الحروب، درسًا للجيوش مفاده أن استخدام قوة ساحقة يُحطّم معنويات الناس ويحسم الحروب. وفيما يُحاول التحالف الدولي ضد داعش، وغيره من الجيوش التي تستخدم نفس القدر من القوة الساحقة، تغطية حقائق بعض هذه الانتهاكات، بالحديث عن القنابل الذكية والضربات الدقيقة، واستخدام معايير في عدّ الضحايا تمكنه من الإعلان عن أرقام أقل، لا تملك معظم الصحف والصحفيين أكثر من التواطؤ في تناقل هذه الأرقام والتصريحات نفسها دون تحقق أكبر.

ينبغي التفريق هنا بين ما يحدث بعد صدور تقارير مثل تقرير منظمة العفو الدولية، وبين ما ينبغي أن يحدث. فما سيحدث هو أن هذا التقرير سيختفي في الدروج إلى جانب تقارير أخرى، وربما لن تتمكن الأمم المتحدة من التحقيق فيما ورد فيه بأسلوب ناجع. وحتى إذا شرعت لجنة أممية بالتحقيق، فإن الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا - وهي دول أعضاء في مجلس الأمن - ستدعو إلى التحقيق في جرائم داعش والأطراف الأخرى، وهي دوامة لا تنتهي.

ما سيحدث أيضًا، هو أن الولايات المتحدة لن تبذل في المستقبل المنظور جهودًا لجبر كسر المدنيين الذين تحطمت معنوياتهم، بدليل إيقاف البرامج التنموية والإغاثية التي كانت تمولها الإدارة الأمريكية مؤخرًا، وقانون "لا دعم للأسد" الذي أقره الكونغرس، والذي يفصل بين مساعدات إعادة الإعمار والمساعدات الإنسانية، ويضع الانتقال السياسي شرطًا لتقديم مساعدات إعادة الإعمار إلى السوريين، وهو أمر بعيد المنال.

إذًا، على معظم الجبهات أو كلها، تبدو الجيوش على الأرض السورية مجمعةً على أن تحطيم معنويات الناس من خلال استخدام قوة ساحقة وإلحاق أكبر قدر من الدمار والقتل، هو ضمان لحسم المعارك. ومن يتابع قليلًا مما يجري في سوريا، يُدرك أن ما وثقته منظمة العفو وغيرها من المنظمات هو غيض من فيض. أما كسر السوريين فلن يجبره من لا يكترث لهم ولا يضعهم ضمن "قائمة مصالحه في المنطقة".