icon
التغطية الحية

جيل بلا حنين.. عائلة رهف بين الهوية السورية والمستقبل الألماني

2025.10.03 | 19:00 دمشق

آخر تحديث: 2025.10.03 | 19:03 دمشق

لحظة وصول اللاجئين السوريين إلى محطة دورتموند بألمانيا- تاريخ الصورة: 6 أيلول 2015
لحظة وصول اللاجئين السوريين إلى محطة دورتموند بألمانيا- تاريخ الصورة: 6 أيلول 2015
The Associated Press- ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- نجحت رهف الشعار وعائلتها في الاندماج في المجتمع الألماني بعد هروبهم من الحرب السورية، حيث تعلموا اللغة ووجدوا وظائف وحصلوا على الجنسية الألمانية، مع الحفاظ على هويتهم الثقافية.

- فتحت ألمانيا أبوابها للاجئين في 2015، مما زاد عدد السكان بنسبة 1.2% وأثار قلقًا اقتصاديًا واجتماعيًا، لكن الحكومة والمجتمع المدني دعما اندماج اللاجئين عبر توفير دورات اللغة والعمل والسكن.

- رغم التحديات السياسية والاجتماعية، تواصل رهف وعائلتها التكيف مع حياتهم الجديدة، حيث تندمج بناتها في المجتمع الألماني، بينما تركز الأسرة على بناء مستقبلها في ألمانيا.

بعد مرور عقد تقريباً على هروب رهف الشعار من الحرب السورية، جلست على أريكة في بيتها الكائن بإحدى ضواحي برلين الخضراء وأخذت تحتسي القهوة العربية المنكهة بحب الهال.

عندما وصلت رهف هي وزوجها وبناتها الثلاث إلى ألمانيا وتقدموا بطلب لجوء، تأقلموا بسرعة مع بلدهم الجديد، إذ تعلموا اللغة، وعثروا على عمل، وأخذوا يداومون في المدرسة.

تعلق رهف، 44 عاماً، على ذلك بقولها: "بذلنا مجهوداً كبيراً، غير أني فخورة بما حققناه".

في مطلع هذا العام، حصل جميع أفراد تلك الأسرة على الجنسية الألمانية فأصبحوا مواطنين في ألمانيا، ثم اشتروا منزلاً له حديقة جميلة.

وعن ذلك يقول زوج رهف، باسم وهبة، 52 عاماً: "أصبحنا ألمانيين".

وصلت الأسرة إلى ألمانيا ضمن موجة الهجرة القادمة من سوريا التي مزقتها الحرب، وكذلك من العراق وأفغانستان، حيث تقدم مواطنو تلك الدول بطلبات لجوء في ألمانيا وقتئذ، والتي استقبلت في عام 2015 أكثر من مليون لاجئ ولاجئة. غير أن وصول كل تلك الأعداد من طالبي اللجوء خلال سنة واحدة أرهق موارد البلد، وحمّل ألمانيا تبعات ماتزال تعاني منها حتى بعد مرور عقد على ذلك، وأهمها صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة المعادية للهجرة.

 

وعلى الرغم من تحول عملية اندماج تلك الأسرة في المجتمع الألماني إلى قصة نجاح، لم يتحقق ذلك من دون تضحيات، فقد تركت تلك الأسرة بيتها وثقافتها ولغتها خلفها، هي وغيرها من الأسر التي وصلت إلى ألمانيا، كما تخلوا على قيم وتقاليد عزيزة على قلوبهم.

ألمانيا تفتح أبوابها

في 31 آب من عام 2015، تعرضت أوروبا لما صارت تسميه لاحقاً بأزمة اللجوء، وذلك عندما فتحت المستشارة السابقة، أنجيلا ميركل، حدود ألمانيا أمام المهاجرين، وعلى الرغم من تعرضها للنقد في الداخل والخارج، تعهدت ميركل لمواطنيها بأنها ستحل معهم تلك المشكلة.

في البداية جرى الترحيب باللاجئين واللاجئين بشكل كبير عند وصولهم لمحطات القطار، وفتحت الأسر الألمانية بيوتها لاستقبالهم على مدار أشهر بعد أن أصبح من الصعب العثور على سكن في المدن الألمانية المكتظة بالبشر.

كما بذلت المدارس والكليات جهوداً كبيرة وسريعة في إقامة الآلاف من "دورات الاستقبال والترحيب" المخصصة للأطفال، إلى جانب دورات الاندماج المخصصة للكبار وذلك لمساعدتهم على دراسة اللغة الألمانية والحصول على عمل والعثور على بيت في وطنهم الجديد.

يعلق على ذلك جوناس فيدنر وهو باحث في شؤون الهجرة من مركز العلوم الاجتماعية ببرلين، فيقول: "نجحت كثير من الأمور بشكل مثير للدهشة"، وتحدث عن أعداد من تم توظيفهم من المهاجرين والتي تقارب أعداد الألمان، كما سارع السياسيون لتقديم المساعدة والأموال للمجتمعات المحلية التي تعمل على دمج الواصلين الجدد وكذلك "المجتمع المدني الذي شارك بشكل كبير منذ البداية وحقق أموراً عظيمة بالفعل".

 

تحولت ألمانيا إلى أهم وجهة لطالبي اللجوء في أوروبا، وارتفع عدد سكانها بنسبة 1.2% في عام 2015، ليصل إلى أعلى مستوى له منذ عام 1992، وذلك بسبب الهجرة بحسب ما أعلنه مكتب الإحصاء الفدرالي.

وبمرور الوقت، وصلت أعداد أكبر من طالبي اللجوء بحثاً عن مستقبل أفضل، أي ليس هرباً من الخطر بالضرورة، لذا زادت موجة اللجوء من حالة القلق على المستوى الاقتصادي، كما صبت الزيت على نار نزعة معاداة الأغراب والمشاعر الكارهة لهم بين صفوف فئات معينة من الشعب الألماني.

بدء حياة جديدة في أوروبا

قبل اندلاع الحرب السورية في عام 2011، كانت أسرة وهبة تعيش بشكل جيد، فقد عمل الأب لسنوات عديدة في شركة تصنع البسكويت والشوكولا والعصائر في حين كانت زوجته تربي البنات، ولكن مع اشتداد الحرب، اشتد قلق الأبوين على سلامة أسرتهم.

في كانون الأول من عام 2012، ضربت قذيفة المدرسة الابتدائية التي كانت رجاء فيها، وهي الابنة الكبرى لرهف وباسم، تداوم فيها، ما أدى لإصابتها، وهكذا أقنعهم الخطر المحدق بالرحيل، إذ على الفور قالت رهف لزوجها: "لا مدرسة بعد اليوم، علينا أن نرحل".

 

صورة قديمة لبنات رهف وباسم

 

تخبرنا رهف وباسم بأن البداية الجديدة في ألمانيا كانت صعبة، إذ لم يكن أحد منهم يتقن اللغة، كما كان الشتاء أبرد بكثير مما هو عليه في سوريا، ناهيك عن أن السلطات الألمانية لم تعترف بشهادتيهما الجامعيتين في بداية الأمر.

إلا أنهما عقدا العزم على النجاح، فسجلا في دورات اللغة الألمانية، وحضرا دورات تدريبية تمهد لدخولهما سوق العمل. وهكذا حصلت رهف التي تدريب في الهندسة المدنية على وظيفة ثابتة في وزارة النقل، ثم سجلت بناتها الثلاث في مدرسة رفيعة المستوى.

 

تعلق رهف على ذلك بالقول: "إنني فخورة بحق، كما كنت محظوظة بالطيبين من حولي"، وتقصد بذلك الألمان الذين ساعدوها وساعدوا أسرتها عندما كانوا لاجئين، فتحولوا إلى أصدقاء طيبين لتلك الأسرة، إلا أن رهف تعرضت للعداء بوصفها أجنبية، خاصة أنها ترتدي الحجاب.

صعود حالة الاستقطاب

دفعت حالة السخط تجاه المهاجرين لظهور حزب (البديل من أجل ألمانيا)، وهو حزب من اليمين المتطرف، والذي من الممكن أن يصبح ثاني أكبر حزب في ألمانيا في حال عقدت الانتخابات اليوم بحسب استطلاعات الرأي. كما أن الناخبين في بقاع أخرى من أوروبا أسهموا وبشكل كبير في تمكين الأحزاب القومية اليمينية المتطرفة التي تعهدت بوضع قيود على الهجرة.

يتحدث الباحث فيدنر عن ذلك فيقول: "إنها قضية سياسية تثير جدلاً واسعاً، كما كانت في مرات عديدة متكررة الخميرة التي اعتمد عليها اليمين المتطرف".

في استطلاع رأي أجري مؤخراً سئل المشاركون والمشاركات عن مدى جودة الأمور في ألمانيا بعد أن "تكيفت عموماً مع موجة اللجوء التي استقبلت خلالها قرابة مليون ونصف لاجئ ولاجئة خلال الفترة ما بين 2015-2020"، فأجاب 21% فقط من المشاركين والمشاركات بأن ألمانيا "بخير"، في حين ذكر 41% منهم بأن الخير فيها قد تراجع، أما 37% منهم فقد أعلنوا بأن ألمانيا "لم تعد بخير أبداً". وقد جمع معهد فرصة تلك البيانات لصالح قناة RTL Germany وذلك خلال الفترة ما بين 22 آب وحتى 25 منه، حيث طرحوا الأسئلة على 1006 أشخاص، بهامش خطأ يعادل +/- 3% من النقاط.

 

خلال الحملة الانتخابية بألمانيا في مطلع هذا العام، دعت مرشحة حزب البديل من أجل ألمانيا لشغل منصب المستشارة، واسمها أليس ويديل، لإغلاق الحدود دون المهاجرين الذين لا يحملون أية وثائق، مع إجراء عمليات ترحيل واسعة النطاق لطالبي اللجوء، فأوضحت بذلك بأنه لا مشكلة لديها مع مصطلح "الهجرة العكسية" المشبع بالحمولات السياسية.

على الرغم من أن معظم الألمان عبروا عن غضبهم في الاحتجاجات المناهضة للموقف المعادي للهجرة الذي أبداه حزب البديل من أجل ألمانيا، أطلق المستشار فريدريك ميرز من الحزب الديمقراطي المسيحي من يمين الوسط حملة تعهد من خلالها بإنهاء "الهجرة غير المنضبطة"، وبمجرد أن وصلت الحكومة الجديدة للسلطة، سارعت إلى تعزيز القيود على الحدود ولمنع الهجرة إلى ألمانيا، كما بدأت بتسريع عمليات ترحيل من رُفض طلب لجوئهم من طالبي اللجوء إلى جانب من لديه سجل جنائي.

 

أنصار حزب البديل من أجل ألمانيا يتظاهرون حاملين الأعلام أمام محطة القطار في برلين وقد حمل أحدهم لافتة كتب عليها: (لا إسلام في ألمانيا)- تاريخ الصورة: 27 أيار 2018

 

وهنا تخبرنا رهف بأنها صارت تراقب صعود اليمين المتطرف بقلق، ولكن في الوقت ذاته لم تستسلم للخوف لأنها تشعر بأنها هي وأسرتها قاموا بكل شيء كما يجب، حتى ولو لم يكن الاندماج في المجتمع الألماني سهلاً على الدوام.

التعود على الوطن الجديد

سألها الألمان أكثر من مرة إن كانت قد أجبرت على ارتداء الحجاب، وفي مقابلة عمل في إحدى شركات البناء خارج برلين، اضطرت رهف إلى رفع إصبعها الوسطى في وجوههم.

 

عندما تنظر رهف إلى صورتها لدى وصولها إلى ألمانيا بعد رحلة طويلة بدأت من دمشق إلى لبنان، فمصر وأخيراً برلين، وهي ترتدي الحجاب الأبيض الذي لفته بإحكام حول وجهها، تسرح بعيداً، ثم تمرر أصابعها بين خصلات شعرها الخرنوبي الطويل وتقول إنها أمضت سنوات في صراع داخلي قبل أن تقرر خلع الحجاب منذ عامين، وتقول: "كان القرار صعباً... لأني ارتديت الحجاب لأكثر من ثلاثين سنة".

 

صورة لأسرة وهبة تظهر فيها من اليسار إلى اليمين: رزان، رجاء، باسم، رهف، ورنيم

تاريخ الصورة: 25 آب 2025

 

لا ترغب بناتها الثلاث بارتداء الحجاب، بل على العكس يبدين مثل الألمانيات من حيث شكلهن ومشاعرهن وحديثهن باللغة الألمانية الخالية من أي أثر يوحي بأنهن أجنبيات.

أنهت رجاء، 20 عاماً، دراستها الثانوية وتقدمت للتسجيل في كلية الفنون، أما رزان، 17 عاماً، فستبدأ سنتها الأخيرة في المدرسة بعد عطلة الصيف، في حين أن رنيم، 13 عاماً، التي اختيرت لتمثل صفها في العام الفائت، فستداوم في الصف الثامن قريباً.

تعلق رجاء على حياتها في ألمانيا فتقول: "معظم أصدقائي وصديقاتي لا يعرفون أني من سوريا، ويستغربون عندما أخبرهم بذلك".

 

من اليسار إلى اليمين: رزان ورجاء ورنيم أمام بيتهن في برلين

تاريخ الصورة: 25 آب 2025

 

يعرب الأبوان عن امتنانهما لألمانيا التي منحتهما وأسرتهما مكاناً ليعيدوا بناء حياتهم من جديد كما يبديان ارتياحهما تجاه اندماج بناتهما بشكل جيد، على الرغم من أن رهف ترى بأنه من الضروري بالنسبة لها ولأسرتها التحدث باللغة العربية في البيت، ومشاهدة المسلسلات السورية والاحتفال بالأعياد الإسلامية.

على الرغم من سقوط نظام بشار الأسد في العام الماضي، لا تخطط تلك الأسرة للعودة إلى الوطن، غير أن رهف ذكرت بأنها هي وزوجها ينتابهما الحنين لسوريا على الدوام، وتضيف: "لا أريد لبناتي أن يكبرن وهن يضمرن هذا الإحساس بالحنين، لأنه يجعلهن يشعرن بالنقص دوماً".

 

المصدر: The Associated Press