صوتت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي لمصلحة تعيين جويل رايبورن في منصب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى، في خطوة تعيد الضابط والدبلوماسي المخضرم للعب دور بارز في سياسات إدارة ترمب فيما يخص الشرق الأوسط، بما في ذلك سوريا.
وحظي التصويت في لجنة العلاقات الخارجية بموافقة 15 صوتاً مقابل اعتراض 7 أصوات على ترشيح رايبورن للمنصب، ممهداً بذلك الطريق لتثبيته الكامل من قبل مجلس الشيوخ في التصويت العام.
وسبق أن صادقت الإدارة الأميركية، في 11 شباط الماضي، على ترشيح رايبورن للمنصب، حيث أحيل الترشيح حينها إلى لجنة العلاقات الخارجية التي عقدت جلسة استماع علنية، غير أنها لم تجر تصويتاً نهائياً للمصادقة على الترشيح، تم تأجيله أكثر من مرة وسط معارضة داخلية، ما أبقى الترشيح قيد النظر ولم يصل إلى التصويت العام في مجلس الشيوخ.
ضابط ومؤرخ ودبلوماسي
يُعد جويل رايبورن واحداً من الأسماء البارزة في مقاربة الولايات المتحدة لشؤون المشرق، ويشغل حالياً منصب زميل بارز في "معهد هدسون" ضمن "مركز السلام والأمن في الشرق الأوسط".
قبل ذلك تولى سلسلة من المواقع الدبلوماسية والعسكرية والأكاديمية، حيث عمل مستشاراً خاصاً لشؤون الشرق الأوسط في مكتب السيناتور بيل هيغرتي مطلع 2021، ثم شغل منصب المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا بين تموز 2018 وكانون الثاني 2021، وتولى بالتوازي منصب نائب مساعد وزير الخارجية لشؤون المشرق حتى تشرين الثاني 2020.
خلال وجوده في المنصب، أشرف رايبورن على فرق دبلوماسية ممتدة عبر الشرق الأوسط وأوروبا، وتولى لفترة وجيزة مهام رئيس البعثة الأميركية الخاصة بسوريا، وفق سيرته الذاتية المنشورة على موقع "معهد هدسون".
هذه الأدوار الدبلوماسية جاءت بعد مسيرة عسكرية امتدت لنحو 26 عاماً كان خلالها ضابطاً في الجيش الأميركي، ختمها مديراً رفيعاً لملفات إيران والعراق وسوريا ولبنان في مجلس الأمن القومي الأميركي بين عامي 2017 و2018.
بين عامي 2002 و2005 درّس رايبورن التاريخ في جامعة "وست بوينت"، ثم عمل مستشاراً لقادة القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم"، والتحق بفريق "التقييم الاستراتيجي المشترك" في بغداد عام 2007.
لاحقاً شغل رايبورن أدواراً استخباراتية واستشارية في العراق والقيادة المركزية وأفغانستان، وكان زميلاً عسكرياً أول في "معهد الدراسات الاستراتيجية الوطنية"، كما قاد بين عامي 2013 و2016 فريق دراسة عملية "حرية العراق"، وأصدر في العام 2018 مرجعاً من جزأين بعنوان "الجيش الأميركي في حرب العراق"، شارك في تأليفه وتحريره.
يحمل رايبورن ماجستير في التاريخ من "تكساس إيه آند إم"، وماجستير في الدراسات الاستراتيجية من "الكلية الوطنية للحرب"، وينحدر من أوكلاهوما ويقيم في واشنطن.
في الشق البحثي والفكري، أصدر رايبورن كتاباً لافتاً في العام 2014 بعنوان "العراق بعد أميركا: المستبدون والطائفيون والمقاومة"، كرّس من خلاله صورة الباحث ـ الممارس، الذي يزاوج بين العمل الميداني والتحليل التاريخي المعمق.
هذه الخلفية المتنوعة جعلت من جويل رايبورن رقماً صعباً في مقاربة الولايات المتحدة الأميركية لملفات المشرق بشكل عام والشرق الأوسط وسوريا بشكل خاص، ومرجعيةً للدوائر التشريعية والتنفيذية في واشنطن خلال العقد الأخير.
صلاته بسوريا وأدواره في الإدارات الأميركية السابقة
تشابكت مسيرة جويل رايبورن بالملف السوري عبر محطات متتابعة، حيث أدار في مجلس الأمن القومي، بين عامي 2017 و2018، ملف إيران والعراق وسوريا ولبنان، في ذروة التحولات العسكرية والسياسية على الأراضي السورية.
مع انتقاله إلى وزارة الخارجية، في تموز 2018، تولى منصب نائب مساعد وزير الخارجية لشؤون المشرق، ثم كُلف مبعوثاً خاصاً إلى سوريا، مع إشراف مباشر على النشاط الدبلوماسي الأميركي المتعلق بالأزمة السورية وإدارة فرق تضم أكثر من مئة دبلوماسي وموظف مدني بين عواصم الشرق الأوسط وأوروبا.
بين تشرين الثاني 2020 وكانون الثاني 2021، أدى رايبورن كذلك مهام "رئيس البعثة الأميركية الخاصة بسوريا"، في لحظة انتقال سياسي أميركي حساسة.
خلال تلك الفترة، ارتكزت مقاربة رايبورن في الملف السوري على ثلاثة مسارات: الضغط الاقتصادي والقانوني على نظام الأسد، وخصوصاً عبر "قانون قيصر" وآليات العقوبات؛ دعم مسارات المحاسبة والعدالة لجرائم الحرب؛ ومنع التطبيع المجاني مع النظام ما لم يبدل سلوكه جذرياً ويلتزم قرارات الأمم المتحدة.
مَثل رايبورن أمام الكونغرس أكثر من مرة بصفته شاهداً وخبيراً، وقدم قراءات مفصلة عن مخاطر ترك الملف السوري في الفراغ، وناقش ملفات عدة من قضايا الإرهاب واللاجئين إلى الأسلحة الكيميائية وشبكات المخدرات، فضلاً عن توظيف إيران وروسيا للساحة السورية لتهديد الاستقرار الإقليمي ومصالح الولايات المتحدة.
بعد خروجه من الإدارة الأميركية، واصل رايبورن العمل البحثي والزمالات في "معهد هدسون" ومؤسسات أكاديمية أخرى، مع مساهمة في تأسيس مبادرات بحثية تُعنى باستقرار الشرق الأوسط.
ومع إعادة ترشيحه في 2025، برز رايبورن مجدداً كأحد الأصوات الدافعة لإعادة تموضع السياسة الأميركية في سوريا والمنطقة، حتى وإن بقي ترشيحه عالقاً إجرائياً داخل مجلس الشيوخ حتى الآن.
رؤيته لسوريا أمام الكونغرس: دروس وسياسات
في 18 نيسان 2023، قدّم جويل رايبورن شهادة مطولة أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، ضمن جلسة بعنوان "12 عاماً من الإرهاب: جرائم حرب الأسد والسياسة الأميركية للسعي إلى المساءلة في سوريا"، نشرها موقع "تلفزيون سوريا".
تعود الشهادة إلى ما قبل سقوط نظام الرئيس المخلوع، بشار الأسد، وتكشف رؤية متكاملة لضرورة مزج الردع والضغط الاقتصادي مع مسارات العدالة، وتجنب فراغ استراتيجي ترى فيه خصوم واشنطن فرصة لتغيير قواعد اللعبة.
في تلك الشهادة، يمكن تلخيص أبرز محاور رؤية جويل رايبورن تجاه الملف السوري على النحو الآتي:
طبيعة التهديد السوري وأثره العابر للحدود
شدد رايبورن على أن الملف السوري لا يمكن "إدارته" بحد أدنى، لأن مخاطر الإرهاب العابر للحدود، وأزمة اللاجئين الأضخم منذ عقود، واستمرار استخدام أدوات الحرب المحظورة، تراكم تهديدات مباشرة لمصالح الولايات المتحدة وحلفائها.
واعتبر حينها أن توسع نفوذ إيران ووكلائها، وتمكين روسيا من موطئ قدم استراتيجي، وتعاظم اقتصاد المخدرات القائم حول "الكبتاغون"، كلها مؤشرات إلى أن ترك الملف في حالة "ركود" يقود إلى أزمات أكبر.
أولوية المحاسبة ومنظومة العقوبات ضد نظام الأسد
دعا رايبورن إلى إنفاذ صارم لقانون "قيصر" وتوسيع نطاقه ليستهدف شبكات النظام وشركاءه داخل سوريا وخارجها، بما في ذلك كيانات روسية وإيرانية وواجهات مالية إقليمية، مع إغلاق ثغرات التراخيص المؤقتة التي سمحت ـ وفق تقديره آنذاك ـ بتخفيف الضغط بلا مقابل سياسي أو إنساني واضح.
ورأى أن ربط تدفقات المساعدات عبر دمشق من دون تدقيق صارم يسهم عملياً في ترسيخ اقتصاد الحرب. كما أشار إلى إمكانية دعم إنشاء آلية دولية خاصة بجرائم سوريا، على غرار سابقة يوغوسلافيا ولبنان، وتكثيف التعاون في تبادل الأدلة.
عدم جدوى التطبيع المجاني مع نظام الأسد
عارض رايبورن أي مسار يذهب إلى إعادة دمج نظام الأسد في محيطه العربي والدولي قبل تغيير السلوك جذرياً، والتزام قرارات الشرعية الدولية، محذراً من أن الإشارات المتساهلة تضعف الردع وتربك الحلفاء وتفتح الباب أمام "أمر واقع" يصعب التراجع عنه لاحقاً.
واقترح رايبورن حينها أن يسنّ مجلس الكونغرس تشريعات تردع التطبيع المؤسسي عبر عقوبات قطاعية واضحة، وتلزم الإدارة باستراتيجية متماسكة لمواجهة موجة التطبيع.
الربط بين سوريا واستراتيجيات أوسع
دعا رايبورن إلى مواءمة نهج سوريا مع سياسة الردع تجاه روسيا وإيران، باعتبار المسرح السوري جزءاً من منافسة القوى الكبرى وميداناً لنشاط وكلاء طهران.
وأوصى باستخدام السلطات القانونية ضد الشركات والأفراد المرتبطين بالآلة العسكرية الروسية في سوريا، بما ينعكس ضغطاً موازياً على سلوك موسكو في ملفات أوسع.
تُظهر شهادة جويل رايبورن، وهي وثيقة رسمية منشورة ضمن سجلات الحكومة الأميركية، ملامح مدرسة صلبة في مقاربة الملف السوري: تشمل ضغطاً اقتصادياً وقانونياً متدرجاً، سد ثغرات شبكات التمويل والتهرب، ربط بين المسارات القضائية والدبلوماسية، ومنع شرعنة الأمر الواقع من دون ثمن سياسي.
وعلى الرغم من تغير الوقائع الميدانية لاحقاً، يمكن اعتبار رؤية جويل رايبورن تجاه الملف السوري عنصراً قابلاً للاختبار من قبل السياسيين والإدارة الأميركية في أي مراجعة للسياسة تجاه سوريا، سواء في إطار تعيينه في المنصب أو من دونه.