icon
التغطية الحية

"جوقة عزيزة" ضجيج موسيقي و"الكندوش" عمل فني متقن

2022.04.28 | 17:29 دمشق

آخر تحديث: 2023.05.09 | 11:45 دمشق

173405b5.jpg
تلفزيون سوريا ـ هشام الزعوقي
+A
حجم الخط
-A

أهم ما يميز الفن احتواؤه على قيم الخير والجمال، أما حدوده الإبداعية  فتتجاوز نشر أجواء المتعة والبهجة. إن ارتباط الفن بالحياة اليومية للناس وتفاعلاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية تجعل منه أكثر من مجرد حامل للتسلية ليصبح رافعة جمالية وروحية توثق حاضر الناس وتدفعهم ليكونوا إما محركاً داعماً للأوضاع السياسية الراهنة والمؤيدة للفئة الحاكمة، أو أن يكون مناهضاً للأوضاع الرديئة التي يعيشها عموم المجتمع. 

إذ إن الاكتفاء بتسليط الأضواء على بعض الزوايا المظلمة في حياة المجتمع والواقع أصبحت "كليشيه" قديمة مبتذلة و"تريندات" مكشوفة تلجأ إليها السلطات من حين لآخر لامتصاص "غضب" الناس ويأسهم.                                                                                

بالنظر إلى بعض مسلسلات الدراما السورية في رمضان الحالي والتي تناولت "الماضي" أو ما يسمى"بالبيئة الشامية"، نجد أن هذه المسلسلات كانت أكثر حرية ومرونة في تناول جميع المواضيع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية من دون خوف أو قلق، فهي كانت آمنة  طالما عبرت عن الحنين إلى "الماضي الجميل" أي كل أصناف العيش قبل عام 1970 أي سنة استيلاء "نظام التصحيح" على كال مجالات الحياة ومن ثم خنق المجتمع شيئاً فشيئاً إلى أن تحقق موتنا تماماً.     

"جوقة عزيزة" هذا العمل "الضخم" المكلف مادياً والذي تضمن نخبة كبيرة من الممثلين السوريين، يسير على خطى مسلسل "شارع شيكاغو" في تناوله لبعض أجواء مدينة دمشق المختلفة عن الأجواء التقليدية والتي وصلت إلينا عن طريق  أجواء مسلسل "باب الحارة"، لكنه يقع في نفس المطبّ ونفس الفشل. فتاريخ المراقص والبورديلات وكثرة المشروبات الكحولية والغلمنة ليس أفضل الطرق للتعبير عن سمات الحياة المدنية في العاصمة دمشق. فتقديم  شخصية "عزيزة" بطلة المسلسل والتي تلعب دورها الممثلة (نسرين طافش) على أنها فتاة متمردة تسعى إلى تحقيق طموح للتغيير الثقافي والسياسي جاءت هزيلة ومثيرة للشفقة.

إن الاعتماد فقط على جمال الممثلة لا يجعل منها شخصية مقنعة، فعزيزة لا تجيد حتى الرقص مثلها تماماً مثل ميرمار أو عفاف (سلاف فواخرجي)  في شارع شيكاغو. وحركاتها أشبه بحركات فتاة في درس الرياضة، حركات قاسية جافة لا تناسق فيها ولا حتى أي مهارة أو أنوثة بسبب المبالغة في حركات الجسد أما "الشطارة" الكلامية فجعلت منها شخصية عصابية أكثر من أن تكون امرأة ناضجة صاحبة هم "حضاري".            

من أساسيات السينما أو التلفزيون أنه وسيلة تعتمد على لغة الصورة أولاً  ومن ثم الحوار، لا نعرف سبب كثرة وكثافة الحوار في "جوقة عزيزة"  لدرجة أنه كان متعباً أحياناً ويمنعنا عن الاستمتاع بأجواء الفن والغناء والطرب في شارع من المفترض أن يشبه "شارع الهرم" في القاهرة بما اشتهر فيه من مراقص وغناء وأماكن ترفيهية.

رغم غنى أعمال الغرافيك في ديكور الحارة الشامية وتنوع الحكايات والمواضيع والأداء العالي للمثل (سلوم حداد) وتميز الممثل (كرم الشعراني) في أداء شخصية مختلفة ونجاح معظم كادر التمثيل في القيام بأدوارهم في المسلسل لم يمنع المسلسل من الوقوع في مطبّ الفوضى والتفكك. ومن الواضح أن المخرج كان مشغولاً في تنفيذ وإنجاز السيناريو الورقي المكتوب حرفياً،  ونسي الإحاطة بخطوط وإيقاعات المسلسل لتصبح "جوقة عزيزة" للأسف مجرد فوضى وضوضاء موسيقية ينقصها قائد الأوركسترا.

" الكندوش " كلاسيكية في رواية الحكاية

رغم الصراع الدائر بين مخرج العمل وكاتب النص ما زال هذا المسلسل  يقدم نفسه كعمل متقن حرص صنّاعه على تقديم وجبة درامية مسلّية و جذابة بعيدة عن "مزاودات" نصوص الشعارات الكبيرة وفذلكات الإبهار البصري المستهلكة من "نتفليكس" كما في مسلسلي  "مع وقف التنفيذ" و"كسر عظم".

الحكاية بسيطة وواضحة، إنها دمشق فترة وجود قوات الاحتلال الفرنسي في سوريا. خطوط الحبكة موزعة بالتوازي على محاور عدة شخصيات في الحارة الشامية ولكل شخصية همومها، وتفاعلاتها. عزمي بيك (أيمن زيدان) الرجل الغني الكريم، من وجهاء دمشق  والذي يخفي علاقته بالثوار في الغوطة وهو الرجل المحافظ والمتزوج لكنه يقع في حبّ الأرملة الجميلة ياسمين (سلاف فواخرجي) التي لها أخ مريض نفسياً يقنعها أن عزمي بيك هو قاتل أبيها. 

العلاقات الاجتماعية متداخلة بين جيران الحارة والواقعة تحت عبء الاحتلال من جهة وضغط التقاليد والعادات من جهة أخرى. شريف (همام أيمن رضا)  الشاب الذي ضاقت به الدنيا وطموح الوصول إلى الغنى والوجاهة يسلك طريق النصب والسرقة ليحقق أهدافه عبر أقصر الطرق لينتهيَ قتيلاً على يد مجموعة من اللصوص. 

قصص حب بسيطة وعلاقات زواج يلفها الصبر واليائس. كل شيء في هذا المسلسل مبنيّ على الطرق الكلاسيكية في رواية الحكاية، من تشويق وانتظار لحل الألغاز على طريقة أقرب لواقع الأحداث البوليسي الجذاب، وإن شخصيات الممثلين فيها صدقيَّةٌ بعيدة عن المبالغة. أمّا الإطار الفني للمسلسل فواضح أنه يقف وراءه مخرج يتقن صنعة الصورة، وإدارة الأحداث بطريقة واقعية غير مزعجة وطاقم جيد من الممثلين.

مسلسل "حارة القبة"، أيضاً من مسلسلات البيئة الشامية التي تشبه أجواء "الكندوش" إلا أنه يغطي الفترة الزمنية الممتدة من أواخر فترة الحكم العثماني، وعلى امتداد دخول قوات الملك فيصل وصولاً إلى فترة وجود القوات الفرنسية في دمشق. لكن في هذا المسلسل نجد أن خطوط الصراع ومحاور الحبكة في السيناريو أكثر تطوراً وتعقيداً.

في جزئه الأول تناول المسلسل بعضاً من حكايات "السفر برلك" و أحداثها المؤثرة، لينتقلَ بعدها إلى دمشق ويظهر تغيّر بعض من علاقتها الاجتماعية عند دخول قوات "الثورة العربية" إلى دمشق والمحاولات البسيطة الأولية لبداية تشكيل شيء ما، أشبه بمؤسسات الدولة المحلية، ويعتمد صراع الأحداث بشكل كبير على نوازع فردية بين شخصيات المسلسل، وقد شاركَ كادر مهم من الممثلين شاركوا وأتقنوا أدوارهم في هذا المسلسل منهم وفاء الموصلي، وعبد الهادي الصباغ  ومحمد حداقي، ومحمد قنوع وخالد القيش ورواد عليو وغيرهم.