جهاد فاضل يحاكم نزار قباني

جهاد فاضل يحاكم نزار قباني

27 أيلول 2019

بين يدي كتاب أهداني إياه صديقي عند عودته من بيروت، إنه عن نزار قباني وبعنوان "نزار قباني الوجه الآخر" لجهاد فاضل. تناولت الكتاب وكلي حماسة للقراءة عن نزار وحياته وشعره. يطرح جهاد فاضل قولاً آخر عن حياة نزار قباني. لقد كتب كتابه بعد رحيل نزار، وأزعجته هالة التقديس التي طوقوا بها إرث نزار الشعري والحياتي. يعترف جهاد فاضل لنزار، في سطر واحد في المقدمة، بأنه لا يمكن أن ينكر أحد دوره في الشعر العربي المعاصر. رأى جهاد أن الوجه المضيء قد أسرفت الأقلام في الحديث عنه، فأتى بقلمه ليكشف عن الوجه المعتم.

في بداية الكتابة نرى فصلاً بعنوان "استعادة سيرة ذاتية". مهمة هذا الفصل الطعن في نزار. قرأته المرة الأولى، فأعجبتني جرأة الكاتب في تشريح نزار، وقررت أن أقرأه ثانية، ومع القراءة الثانية تبينت لي ندرة ما هنالك من تعليق على أدب وشعر نزار. جهاد فاضل يزعجه أن بعضهم وصف "نزار" بأنه كان يشبه المطر الذي ينزل على الشبابيك. أراد جهاد أن يقول

يستعين المؤلف بأقوال سهيل إدريس بأن "نزار" كان مادياً، وأنه كان يلاحق المطربين والملحنين لأخذ حقوقه المادية

إن الصورة التي رسمها نزار لنفسه ليست صادقة. أخذ يستعرض قائمة بالطعون مثل أن إسهام والده توفيق قباني في العمل الوطني السوري كان كإسهام أي تاجر آخر، وأن "نزار" لم يسر يوماً في أية مظاهرة نظمها طلاب الجامعة، وأن أول قصيدة سياسية له كانت قصيدته عام 1949 في مدح حسني الزعيم. ثم يستعين المؤلف بأقوال سهيل إدريس بأن "نزار" كان مادياً، وأنه كان يلاحق المطربين والملحنين لأخذ حقوقه المادية. ثم يحكي لنا عن بخل نزار، ثم ينتقل من مقولة البخل المادي إلى البخل العاطفي واتهام نزار بأنه لم يعرف الحب، وأن مزاجه مزاج الدونجوان المتنقل بين هذه العصفورة وتلك.

هل انتهت الاتهامات؟ لا بل يتهمه بأن علاقاته مع أصدقائه كانت تقوم على المصلحة، وبأن رسائله تخلو من العاطفة والود، وأن "نزار" قد هجا الشعوب العربية لا الزعماء.

لابد لي من وقفة لشرح ما لم يعجبني في هذا التحليل: هذه مدرسة في الكتابة عن الشخصيات الأدبية والفنية يمارس فيها الكاتب استئساداً على الأديب ويحاكمه أخلاقيا، وليته يحاكم شعره وأدبه أو مواقفه السياسية - وهذا ما نملك أن نحاسب الأديب عليه -، لقد قلت للقارىء إنها مدرسة عرفها بعض العرب من خلال كتب مثل "المثقفون" لبول جونسون، و"جنون الفلاسفة" لنايجل رودجرز، تلك الكتب التي تقدم نمطاً في الكتابة عن الشخصيات تلجأ فيه إلى استدعاء الأخلاق الشخصية للكاتب وتنفير القارىء منه، وكأنها تحمل في كوامنها نظرية مفادها طهورية المثقف، فإذا ما أخطأ أو قصَّر أو كانت أخلاقه الشخصية فيها علل كالبخل وحب الظهور انبرى المؤلف للمزايدة عليه.

تعجبت من اتهام نزار بالمادية وحب المال، وهو شيء مشترك بين كل البشر، لكنه في سياق الكتاب يتحول إلى سُبة للمثقف، وكأنه لا يليق به أن يركض وراء ماله وحقوقه المادية التي يأكلها المغنون، ويأكل المنتجون الشهد بكلماته، ويلام على أنه يبحث عن حقوقه المعنوية والمادية. منطق يفترض أن المثقف لا يحتاج إلى المال وأنه يجب أن يكون نموذجاً في الفضائل وأن يترفع عن حقوقه. يحب البعض هواية النبش في ملفات الضعف البشري، فعندما يجدون كاتباً ضعيفاً، يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، يطمئنهم ذلك على أنفسهم. وقد نبَّهني صديق إلى عبارة لغازي القصيبي: "إذا تعرفت على شاعر خارج ديوانه فلا تلومَنّ إلا نفسك".

أزعم أن هناك معالجتين لقضية كتابة سيرة الأديب: الأولى التي قام بها جهاد فاضل، قديماً كانوا يسمونها في كتب التراث غيْرة الأقران، أن تشعر في صدرك أن هذا الأديب قد أخذ من الثناء أكثر ما يستحق، فهيا إلى إعطائه ما يجدر به من الذم، فهل نحاكم شعره وأدبه؟ لا! سنأتي بقصص من حياته الشخصية ونشق عن قلبه، ونقول إنه لم يحب قط لأنه بخيل في العاطفة. أية نفثة صدر كتب بها جهاد فاضل هذا الكتاب!

والمعالجة الثانية معالجة نقدية صارمة، لكنها تتكئ على النص والمنتج الأدبي. لكنني أرى أن ما يمكن أن نحاسب الكاتب عليه هو مواقفه السياسية أو الاجتماعية، فعندما يذهب نزار لصدام ويخطب أمامه ويقول له: يا منصورنا الجديد، ويغضب أن تنشر صورته مع صدام، ويطالب بحذفها ويقول هي صورة "للعراق فقط"، أو أنه في المربد ألقى قصيدة عن بلقيس وتجاوز الأبيات التي يسخر فيها من الزعيم حتى لا تفهم أنها عن صدام، ساعتها لا نكون نبشنا في حياته الخاصة. إن "صدام" يقابله بصفته الشاعر "نزار".

نحن الجمهور من حقنا أن نغضب من شاعرنا عندما يكون متزلفاً للسلطة. إن مطالبة المثقف بالوقوف مسافة بعيدة عن السلطة ليست محاكمة بل هي افتراض ضمني بأن هذا هو منطق الأشياء، هي أن تكون بثقافتك قادراً على فهم أن أسباب البلاء العربي تكمن في الاستبداد.

ثمة فقرة يفترس فيها جهاد فاضل حياة نزار، إذ يتهمه بأنه - رغم حملاته القاسية على بلاد الخليج والنفط - قد تسلم جائزة سلطان العويس

ينبهنا جهاد فاضل إلى براعة نزار في التعبير عن مشاعر المرأة في بعض قصائده عندما يتحدث بلسانها، مثل قصيدته "أيظن أني لعبة بيديه"

التي بلغت مئة ألف دولار. أهذا حسد؟ لا أرى تعارضاً بين أن يكتب نزار عن آثار النفط ونقمته وأن يتم تكريمه من الخليج، فالخليج ليس نفطاً فقط، بل هو مجتمع يتفاعل مع جيرانه العرب. لكن "جهاد" لديه نظرة تستبطن رؤية دونية للخليج، ويفترض أن على المثقف الطهوري أو ما يكاد يراه صنماً أن يترفع عن الخليج وماله وجوائزه.

في الكتاب نظرات لافتة وجميلة وسط هذا الذم الكثير. ينبهنا جهاد فاضل إلى غياب موضوع الموت في شعر نزار، وإلى أن محمود درويش كان يقول إنه دخل بيت نزار ولم يرَ فيه أي كتاب. ويغمز الكاتب من نزار إذ يشير إلى ضعف ثقافته. وينبهنا جهاد فاضل إلى براعة نزار في التعبير عن مشاعر المرأة في بعض قصائده عندما يتحدث بلسانها، مثل قصيدته "أيظن أني لعبة بيديه"، وكيف تداخلت في شخصية نزار الشاعر شخصية أخرى وهي نزار الناشر الذي يهتم بمبيعات ديوانه وما يفضله السوق، ويقترح جهاد فاضل أن نستخلص من أعمال نزار الكاملة مختارات محدودة هي زبدة شعره. الكتاب رغم قسوته يقدم نقداً لهذا الزعيم الشعري، ويراجع أشعاره التي هجا بها الشعوب.

ظاهرة نزار تستحق الدراسة. لقد "أمم الشعر" كما قيل. وهو الشاعر الذي ما زال يسأل عنه القراء في المكتبات، وتقبل عليه الفتيات، ونسمعه في الأغنيات. لقد لانت له اللغة، وكان معجمه الشعري طبيعياً، وهو يزخرف عباراته بالتشبيهات والمجازات الباهرة. إنه شاعر السهل الممتنع، وتعجبني عبارة عارف حجاوي عن نزار عندما يقول "هذا شاعر كانت العربية بين يديه صلصالاً يصنع به أي شيء أراد، سبحان من خلقه".

كلمات مفتاحية
الشرطة اليونانية تفرق اللاجئين على الحدود بقنابل الغاز (فيديو)
اليونان تعزز حدودها خوفاً من تدفق اللاجئين
الأناضول: جموع المهاجرين تصل سواحل بحر إيجة
تركيا: الرادارات رصدت طائرات روسيا والنظام لحظة قصف جنودنا
قتلى بالعشرات.. شاهد قصف الطائرات التركية المسيرة لقوات النظام
واشنطن تدرس مساعدة تركيا بشكل عاجل بالعتاد والمعلومات
4 أشخاص من عائلة واحدة ضحايا قصف روسي على إدلب
"الصناديد": لا نملك قوات في "تل أبيض"
السوريون اللامرئيون
حصيلة إصابات فيروس كورونا في دول الشرق الأسط (إنفوغراف)
الصحة العالمية: أكثر من 80 ألف إصابة بفيروس كورونا حول العالم
كورونا تضرب حلف المقاومة..