حطّم فيلم "الجوكر" (2019) في جزئه الأول كُل التوقعات، ليصبح تحفة سينمائية وثقافية فريدة، إذ تميّز برؤية فنية جريئة في رصد الواقع البائس لشرائحَ عريضة من المهمّشين والمرضى النفسيين، بالإضافة إلى بناء شخصية مركّبة ومعقّدة هي شخصية "آرثر فليك". وقد نال الفيلم إشادة نقدية وجماهيرية واسعة، تُوّجت بحصوله على جائزة الأوسكار لأفضل ممثل، وجائزة الأسد الذهبي في مهرجان فينيسيا عام 2019.
لكن الجزء الثاني من العمل، "الجوكر: جنون مشترك" (2024)، قوبل بانتقادات واسعة، تمحورت حول ثلاث مسائل رئيسية: أولها التحوّل المفاجئ نحو الطابع الغنائي، والإفراط في تقديم مقاطع موسيقية سطحية ومملّة دون مبرّر درامي واضح “بحسب بعض النقاد”. ثانيها إدخال شخصية "هارلين "لي" كوينزل"، التي بدت للبعض إضافة مشوّشة أضعفت من مركزية سرد آرثر فليك. وثالثها تراجع حضور "الجوكر" كرمز، والتركيز على شخصية آرثر وعيوبه النفسية.
نسعى إلى تجاوز المراجعات النمطية لبحث ما إذا كانت هذه الملاحظات ناتجة عن أخطاء فنية، أم أنها خيارات إخراجية مقصودة ومدروسة؛ فإذا ثبت أنها كذلك، فسنحاول البحث في تأويلاتها الفنية للكشف عن مستويات أعمق في النص، بصريًا وسرديًا.
المتن الحكائي لفيلم "الجوكر" (2019): سرديّة ميلاد رمز الثورة
يروي فيلم "الجوكر" (2019) سيرة آرثر فليك، الرجل المهمّش، والممثل الكوميدي الفاشل الذي يعيش في ظل مجتمع ضاغط في مدينة غوثام (مدينة خيالية أميركية)، ويعاني من اضطرابات نفسية، أبرزها نوبات ضحك هستيري لا إرادي، شبيهة بـمرض الفتاة السورية الضاحكة التي انتشرت قصتها على وسائل التواصل. يتعرّض آرثر لسلسلة متكررة من الإهانات والاستفزازات، إلى جانب فشله في معظم مناحي حياته؛ يتعرض للإهانة في المترو، ويردّ بعنف، على غير عادته، ويقتل من أهانوه، ليشعر بالتحرّر من القيود التي كبّلته طويلًا، ويبدأ الشعور بنشوة الانتقام من المتنمرين. هذه الجريمة تُشعل احتجاجات شعبية، تترافق مع قتله لمقدّم برامج مشهور على الهواء مباشرة، معلنا ميلاد "الجوكر" كرمز للغضب والثورة على النظام العام. ينتهي الفيلم بعد إيداعه في مصحّة نفسية.
المتن الحكائي لفيلم "الجوكر" (2024): سرديّة انهيار رمز الفوضى
يبدأ الجزء الثاني بعد اعتقال آرثر فليك وإيداعه في مصحّة "آركام"، حيث يلتقي بشخصية "هارلين لي كوينزل" (ليدي غاغا)، وهي مريضة نفسية في المصحّة ذاتها، يكتشف عن طريق محاميته أنها مهووسة بالجوكر، ودخلت المصحة من أجله. تنشأ بينهما علاقة من نوع "الجنون المشترك"، كما يوحي عنوان الفيلم. يتناول الفيلم علاقتهما، وإجراءات محاكمته، ويتضمّن استعراضات موسيقية وغنائية مشتركة، مع استرجاعات لمشاهد من الجزء الأول.
الهروب إلى الغناء: نقد الخيار الموسيقي في فيلم الجوكر2
أبرز الانتقادات الموجهة للفيلم والتي تكررت بين النقاد والمشاهدين تمثّلت في تحوّله من فيلم يناقش قضايا جادة إلى عملٍ غنائي، ولعل ذلك خيارًا فنيًا مقصودًا. إذ يبدو أن اللجوء إلى الموسيقى والاستعراضات كان آلية دفاع نفسي لاواعية لآرثر فليك، تبناها الفيلم وركز عليها. فبينما واجه الجزء الأول الواقع الاجتماعي والسياسي بجدّية وسوداوية، يبدو أن الجزء الثاني يتهرّب من مواجهة هذا الواقع، وكأنّ صنّاع الفيلم أرادوا تجنّب تكرار الدعوة إلى الثورة، التي طرحها الجزء الأول كمَخرج شبه وحيد وحتمي للتخلص من البؤس العام، عبر الفوضى.
ويتّضح هذا التوجّه عند ظهور المشاهد الغنائية في لحظات مواجهة الحقائق الصعبة، اللحظات التي يُفترض أن تغوص في تفاصيل المحكمة أو ماضي الشخصية المؤلم؛ إذ تبدأ الاستعراضات فجأة، دون مبرّر سردي، ودون أن تعبّر عن انفعالات الشخصيات أو تساهم في تطوّر الحبكة. هذه المشاهد، كما وصفها كثير من النقاد، "مملة وسطحية"، ويبدو أنها مصمّمة عمدًا لتكون كذلك، لتجسّد فراغ الشخصيات، غير المتزنة، الضائعة، وتُبرز هشاشتها النفسية.
جاءت كثافة الأغاني (أكثر من 15 أغنية)، للتهرب من استحقاقين: وصف الواقع البائس للفئات المهمشة من المجتمع، وطرح فكرة الفوضى والثورة كخيار مجنون لكنه شبه وحيد لخلاص هذه الفئات.
وهذا الخيار الفني ليس جديدا، نستذكر أغنية "علّي صوتك بالغنا.. لسه الأغاني ممكنة" التي غنيت في فيلم "المصير" للراحل يوسف شاهين، إذ اعتمد على الغناء كأداة للتخفيف من وطأة الألم الذي تعانيه الشخصيات، لكن الأغاني كانت تتكامل مع السرد وتعكس عوالم الشخصيات، شخصيات مثل الفيلسوف الأندلسي ابن رشد، لا مريضًا نفسيًا كآرثر. لذلك، فالموسيقى في الفيلمين تعبّر عن أبعاد مختلفة، بحسب طبيعة النص وشخصياته.
الراوي غير الموثوق: آرثر وهارلي في صراع السرد
الانتقاد الثاني الموجّه للفيلم هو إدخال شخصية جديدة تشارك آرثر البطولة، هي "هارلين لي كوينزل"، المهووسة به، وشريكته في الجنون والغناء والاستعراض. ويبدو أن إدخال هذه الشخصية كان خيارًا فنيًا مدروسًا أيضا، رغم الجدل الذي أثارته، وبغض النظر عن النتائج.
في الجزء الأول، كان آرثر هو الراوي الوحيد، وهو معتل نفسيًا، ما يجعله ينتمي إلى فئة "الراوي غير الموثوق". هذا جعل الفيلم مفتوح على عدد غير منتهٍ من التأويلات، وصلت بعض هذه التأويلات مستويات خطيرة أحرجت صنّاع الفيلم، ولعل إدخال راوية ثانية هارلي، وأيضا المحامية، شكّل مناظير سردية موازية لمنظور آرثر، وخلق صراعًا سرديًا بين الروايات.
ورغم أن هارلي أيضًا شخصية غير موثوقة، إلا أن وجودها يخفّف من احتكار آرثر للسرد، ويفتح المجال لإعادة النظر فيما كان يُفترض أنه "حقائق" سردية في الجزء الأول.
الجوكر في مرآة الزير: تفكيك رموز الفوضى والتمرد
ركّزت معظم الانتقادات على غياب الجوكر كرمز، وحضور آرثر المريض النفسي المضطرب، واعتبرت ذلك نقطة ضعف، رغم كونه قد يكون خيارًا فنّيًا يهدف إلى فضح هشاشة هذا الرمز المزيف، وتفكيك أسطورته، ونزع القدسية عن شخصية هدامة للمجتمعات والدول.
فانتهاء الجزء الأول بميلاد الجوكر كرمز للفوضى والثورة، رفع سقف توقعات الجمهور بأن الجزء الثاني سيستثمر هذه الأيقونة الثورية ويواصل مسيرتها. إلا أن ما حدث كان العكس تمامًا: إذ فُكّك الرمز، وعادت شخصية آرثر إلى وزنها الطبيعي كمريض نفسي في مصحّة، فركز الفيلم على اضطراباته النفسية، وأظهر اعتماده الكلي على هارلي، ليعيد الجوكر من كونه أيقونة للتمرد إلى كونه رجلًا مترددا، غارقاً في أوهامه وهلوساته المرضية.
هذا التفكيك يشبه، إلى حدّ بعيد، نهاية مسلسل "الزير سالم"، التي تعمّدت إظهار نهاية مأساوية للزير سالم بشكل يخالف المخيال الشعبي، وربما أراد حاتم علي وممدوح عدوان، كما أراد صنّاع "الجوكر"، أن لا يُعلي من شأن شخصية تهدم ولا تبني.