جميل مردم بك.. وزير سوريا الذي استقال قبل الانقلابات 

تاريخ النشر: 16.06.2021 | 06:16 دمشق

يعتبر جميل مردم أحد الناجين من قبضة جمال باشا، فقد تم الحكم عليه بالإعدام، وحال وجوده في فرنسا دون إعدامه، فبقي فيها حتى نهاية الحرب العالمية الأولى.. دخل جميل مردم إلى العمل السياسي عبر الجمعية العربية الفتاة التي أسست في فرنسا وكان من المساهمين في تأسيسها، وجعلت همها التخلص من الحكم العثماني، وعقدت المؤتمر العربي الأول الذي ترأسه جميل مردم، وكان هذا سببا في الحكم عليه بالإعدام. درس جميل مردم العلوم السياسية في باريس، وقد مكنه وضعه المادي المميز وامتلاك عائلته أراضي واسعة في دمشق والغوطة، من الدراسة في فرنسا والتخرج في جامعاتها بشهادة في العلوم السياسية. 

ورغم شعارات الملك فيصل بن حسين حول القومية العربية التي كانت جذابة وناجحة واستقطبت عددا كبيرا من مثقفي سوريا، لكن جميل مردم كان من المميزين بامتلاكه اللغة الفرنسية إضافة إلى شهادته في العلوم السياسية، فقربه فيصل وعينه مترجما خاصا فحضر أعمال مؤتمر السلام في باريس الذي أعقب الحرب العالمية الأولى وحضر اجتماعات فيصل مع جورج كليمنصو رئيس وزراء فرنسا. وأهّله مكانه القريب جدا من الملك ليحتل موقعا سياسيا مميزا رغم سنه الصغيرة، فعين في أول حكومة شكلها الملك فيصل بمنصب مساعد لوزير الخارجية عبد الرحمن الشهبندر.  

حافظ جميل مردم على مكانه القريب من عبد الرحمن الشهبندر، بعد فرض الانتداب الفرنسي على سوريا وخروج الملك فيصل.. أسس الشهبندر حركته الوطنية تحت اسم حزب الشعب، التي تحولت جهودها لصالح الثورة السورية الكبرى عام 1925 بقيادة سلطان باشا الأطرش، فذاب الحزب داخل الثورة التي شارك بها جميل مردم رغم انتمائه إلى أسرة غنية، وساهم بتوسع الثورة لتصل إلى دمشق، وسرعان ما ألقت قوات الانتداب الفرنسي القبض عليه وسجنته في جزيرة أرواد مع بقية زعماء الثورة. قضا مردم فترة في سجن أرواد قبل أن يتم نفيه إلى مدينة يافا الفلسسطينية، وبقي هناك تحت رقابة شديدة، حتى قضت فرنسا على الثورة وصدرت أحكام بالعفو عن كثيرين ممن شاركوا فيها وكان جميل مردم أحدهم فعاد ثانية إلى دمشق. 

عندما فشل التحرك المسلح في زحزحة الفرنسيين اختار هاشم الأتاسي الطريق السياسي لمواجهته فأسس الكتلة الوطنية، التي قبلت التعاون مع الفرنسيين بشكل مؤقت والعمل من الداخل لإزاحة الانتداب. انضم معظم قادة الثورة إلى الحركة الوطنية ومنهم جميل مردم، الذي كرس هاشم الأتاسي كزعيم وطني تحت شعارات سياسية لإخراج الفرنسيين، لم يوافق جميع الثوار السابقين على الشكل الجديد للنضال، فقد أصروا على مواصلة الكفاح بالسلاح وأبرزهم عبد الرحمن الشهبندر، فانقسم الوطنيون السابقون بين هاتين الفكرتين ووقف جميل مردم مع السياسة بينما أستاذه عبد الرحمن الشهبندر مع الكفاح المسلح. 

عقدت الكتلة الوطنية مؤتمراتها، وانتخبت هاشم الأتاسي رئيسا لها، وكان من أعضائها القياديين كل من فارس الخوري وإبراهيم هنانو، واعتبر جميل مردم وشكري القوتلي عضوين عن دمشق فيها، بدت الكتلة كيانا سياسيا متماسكا بهدفها الواضح وهو التعاون مع الانتداب بطريقة وطنية، وتحت هذا العنوان شاركت الكتلة بالانتخابات التي فاز فيها جميل مردم بعضوية البرلمان، كان هذا المنصب الوزاري أول دخول رسمي له إلى الحكومة. 

ساند الشارع السوري بقوة وجود الكتلة السياسية، وتم استغلال مناسبة وفاة إبراهيم هنانو لتبدأ سلسلة اضطرابات شديدة في الشارع السوري، كان أثر الكتلة الوطنية فيها واضحا، الأمر الذي أجبر سلطات الانتداب على الاعتراف بالكتلة الوطنية ممثلا شرعيا للشعب السوري، وعلى أساس هذا الاعتراف تم تشكيل وفد كتلوي ذهب إلى فرنسا للتفاوض بشأن تنظيم الانتداب على سوريا، كان جميل مردم واحدا من ثمانية أشخاص شُكل منهم الوفد الذي كان مؤلفا من: ثلاثة أعضاء من الكتلة الوطنية، واثنين من الممثلين عن الرئيس محمد علي العابد، وثلاثة مستشارين. عقدت هذه اللجنة اجتماعات ماراثونية مع الحكومة الفرنسية، وساعدت مهارات جميل مردم اللغوية ومعرفته السابقة بالتاريخ والمجتمع الفرنسي الوفدَ، وسهلت مفاوضاته المضنية، ولكن المساعدة الكبرى قدمها الناخب الفرنسي الذي أوصل حكومة اشتراكية لقيادة فرنسا وهي التي أكملت المفاوضات مع الوفد السوري. 

وقع الوفد الاتفاق مع الجانب الفرنسي وكان انتدابا ناعما أبقى على الوجود الفرنسي في سوريا ولكن جعل له قانونا وجدولا زمنيا، فحدد زمن الانتداب بخمسة وعشرين عاما، وانتزع الوفد حق سوريا بتشكيل جيش وطني، كبلته فرنسا بإبقاء تسليحه وتدريبه رهن الحكومة الفرنسية، ولكن الجائزة الكبرى كانت إعادة دمج الوطن السوري كله في جغرافيا واحدة بإلحاق دويلتي الساحل العلوية والجنوب الدرزية بالدولة السورية، وأبقت فرنسا لنفسها مكانة مميزة في التحالفات العسكرية والتجارية والجمركية. كان الجمهور السوري سعيدا بهذه المعاهدة فقد كان يعتقد بأن فيها إنهاء للاحتلال الفرنسي، فارتفعت مكانة أعضاء الوفد بقوة، واستقبلوا استقبال الأبطال لدى عودتهم "مظفرين" إلى دمشق. 

استقال الرئيس العابد على إثر هذا الاتفاق والأجواء التي أشاعها، في حين اعتبر العهد الوطني الأول، وأجريت انتخابات نيابية فاز فيها جميل مردم، وكان من مهمات المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية، فترشح هاشم الأتاسي وفاز بغالبية ساحقة. زادت هذه الاتفاقية من شعبية الكتلة الوطنية، فاحتل أفرادها الصف الأول سياسيا، وكان لا بد من اختيار صاحب الثقافة الفرنسية وعضو الوفد البارز جميل مردم رئيسا للحكومة، فكانت أول حكومة يترأسها مردم، ولكن البرلمان الفرنسي رفض قبول هذه المعاهدة التي اعتبرها إخلالا بالميزان الفرنسي في الشرق، وفسحا للمجال لوجود بريطاني أكبر، فسافر جميل مردم إلى فرنسا في محاولة للملمة الأمر، ولم يفلح حتى بعد أن وقع عدة ملاحق إضافية أعطت فرنسا مزيدا من الامتيازات، ومع سقوط الحكومة الاشتراكية زاد التعنت الفرنسي، فسافر مردم مرة ثانية ووقع على تنازلات أخرى مما جر عليه انتقادات داخلية واسعة، وجعل التململ يعتري معظم زملائه السياسيين. 

كانت فرصة سانحة لعبد الرحمن الشهبندر، الذي عاد من منفاه بعد صدور عفو عنه، وكانت للشهبندر مكانة واسعة ومحترمة في الشارع السوري نظرا لمشاركاته النضالية والوطنية الكبيرة، فجيَّش الشارع لصالحه متهما جميل مردم بتقديم تنازلات لفرنسا، وشدد الحملة مستهدفا الكتلة الوطنية كلها، حيث أراد أن يُظهر خطأ من خالفوه بالرأي بشأن المعارضة المسلحة، وكانت فرصة سانحة استجاب فيها الشارع لحملة الشهبندر، بتوجيه سهام النقد اللاذع إلى بنود المعاهدة، وإلى رئيس الحكومة جميل مردم شخصيا. استخدم مردم صلاحياته كرئيس حكومة ورفض إعطاء الشهبندر تراخيص لازمة ليتابع عمله السياسي، فما كان من الشهبندر إلا أن استخدم الصحافة للهجوم على مردم وتعززت حملته برفض الحكومة الفرنسية التوقيع عليها، فظهر مردم خاسرا ومهزوما.. ازداد الخلاف السياسي بين مردم والشهبندر عندما تعرض مردم إلى محاولة اغتيال اتهم فيها الشهبندر، وجعلت قضية إلحاق فرنسا لواء اسكندرون بتركيا، موقع مردم يتزعزع أكثر، حيث اتهم بتسهيل الأمر، خاصة أنه توقف في تركيا إثر عودته من فرنسا ومكث بضيافة أتاتورك بعض الوقت، وهو ما سماه الشهبندر بيع لواء اسكندرون. 

لم تسقط كل تلك الأحداث حكومة جميل مردم، ولكنه استقال بعد أن وقع قانونا للأحوال الشخصية قدمته فرنسا، فيه بنود تحفَّظَ التيار المحافظ الإسلامي على بعضها، ورفض بعضها الآخر. رغم الاستقالة لم يرتح جميل من هموم منصبه فقد اغتيل عبد الرحمن الشهبندر واتُهم أعضاء الكتلة الوطنية وعلى رأسهم مردم بقتله، على أثر الصراع الذي خاضه الرجلان منذ عودة الشهبندر، هرب مردم وبقية المتهمين إلى العراق ومكثوا في استضافة نوري السعيد حتى حكمت المحكمة ببراءتهم وأدين بالجريمة مجموعة إسلامية متطرفة حُكم عليها بالإعدام، عاد بعدها جميل مردم إلى سوريا. 

بعد خروج قوات فيشي من سوريا في الحرب العالمية الثانية وتسلّم وطنيي ديغول مع الجيش البريطاني زمام الأمور، أعطيت سوريا في العام 1943 استقلالا جزئيا، جرت بعده انتخابات نيابية عادت عبرها الكتلة الوطنية إلى الواجهة بما تحمله من إرث وطني وأعضاء وجوههم مألوفة ومقربة من الجمهور. انتخب البرلمان شكري القوتلي رئيسا لسوريا، الذي جاء بسعد الله الجابري رئيسا للوزراء، واحتل جميل مردم في هذه الوزارة كرسي الخارجية، وضم مردم خلال هذا العهد بين وزارات الدفاع والاقتصاد والخارجية، كانت فرنسا خلال هذه الفترة تسلم مسؤولياتها شيئا فشيئا إلى الحكومة الوطنية السورية، وصولا إلى لحظة تسليم الجيش، التي قاومها الفرنسيون وقصفوا دمشق للتهرب منها، كان جميل مردم خلال قصف دمشق مختبئا في منزل خالد العظم، ويصوِّر العظم مردم رجلا خائفا وتائها لا يتحمل مسؤولياته كما يجب على وزير خارجية. 

عاد جميل مردم إلى منصب رئاسة الوزارة في عهد الاستقلال ليجد نفسه مباشرة أمام القضية الفلسطينية وحرب فلسطين، حيث كان الأداء العسكري والسياسي ضعيفا، ومن سوء حظه أنه تسلم وزارة الدفاع من أحمد شراباتي ليشهد بنفسه الاضطراب العسكري، فلم يجد بدا من الاستقالة، وخرج من الوزارة إلى الأبد، وأعلن عن تركه العمل السياسي، وسافر إلى القاهرة ليبقى هناك حتى وفاته سنة 1960، ولم يعد إلى دمشق إلا جثة هامدة. 

 

درعا.. "العودة" يرد على "أيوب" واجتماع موسع في طفس
الخارجية الكندية تدين هجوم قوات الأسد على درعا
تعزيزات جديدة لـ"النظام" شرقي درعا وحركة نزوح في ناحتة
هل نفد لقاح "فايزر ـ بيونتيك" من المشافي التركية؟
حالة وفاة و94 إصابة جديدة بفيروس كورونا في عموم سوريا
ارتفاع معدل الإصابات بفيروس كورونا في عموم سوريا