"جمهورية الكلب".. حَكايا اللجوء والاندماج بهويات طارئة

تاريخ النشر: 28.01.2021 | 17:43 دمشق

محمود أبو حامد

قد تبدو رواية "جمهورية الكلب" للكاتب السوري "إبراهيم اليوسف"، من الكتابات الذهنية التي تعمِّر من الفكرة رواية، فكرة عالم الكلاب وعلاقتها بالإنسان تاريخياً بشكل عام، وفي بلد اللجوء، ألمانيا، بشكل خاص. لكن مع سير أحداث الرواية ومسارات سردها، يتضح أن هذه الكتابات، تنتج عملاً روائياً يبلور خصوصيته بخيال غرائبي يلامس السرد والبناء في آن، وتقصٍ لواقع اللجوء وأبعاده النفسية والاجتماعية، ومقارنات مرجعية ناقدة للتاريخ والسياسة والحياة عامة، بحيادية ممتعة، تدمج بتهكم عميق بين الحقيقة والخيال، ويتداخل السرد مع الأحداث بمقاربات لا تحسم أي تصور أو أي موقف بصرامة قطعية: ما الاندماج؟ وهل اللغة بوابته الوحيدة؟ وأين الهوية؟ وماذا عن ذوبان الأطفال المهجّرين في المجتمع الجديد؟ ولماذا لا يوجد من الطرفين اندماج متبادل؟

مسارات السرد

يبدأ الكاتب/ الراوي، إبراهيم/ آلان نقشبندي، روايته بالمستقبل، هكذا فجأة تتلبسه فكرة: "سأقتني كلباً، وأنفصل عن الأسرة"، منوهاً كيف تزعم بعض العائلات اللاجئة الانفصال لكسب مزيد من المساعدات المالية.

ومن ثم يستعرض كل الآراء الموافقة والمعارضة والمواربة من جميع أفراد أسرته ومعارفه، حول هذه الفكرة وأبعادها الاجتماعية والدينية، ويبحث عن اسم للكلب، متردداً ما بين الاقتناء أو نحت تمثال لكلب الطفولة.

ويرجع إلى قريته، يتصل به عمه الذي يحبه ويحترمه: "أتمنى ألا تتطبع بطباع الألمان، لأنك عائد. كلكم عائدون، لن تمكثوا هناك طويلًا. خذوا أفضل عاداتهم ودعوا ما لا يتلاءم منها مع طبيعتنا. الحرب ستضع أوزارها، وهم سيطردونكم، إن لم يبتلعوكم!". تلك العبارات تختصر هاجس الحرب والخوف من المنافي، وسياسات الاندماج في اللجوء بهويات طارئة.

اقرأ أيضاً: التهكم الأسود في قصصٍ وحَكايا تُعرِي واقع سوريا الحزين

يحرجه كلام عمه ولكن لا يثنيه عن سين المستقبل "سأقتني كلباً"، بل ويفارق عمه الحياة بعد أيام، وتستمر هذيانات الراوي بدون حسم الموضوع. وبذلك يسخّر الكاتب السرد كعامل تشويق عند القارئ، ويوازيه بحدث وقائعي وهو بداية ونهاية الرواية في آن، ويأتي تحت عنوان فرعي "ضيف ثقيل" ويكون الضيف كلب صديقته الألمانية الشقراء التي تعرف عليها مصادفة أثناء تقضيته لوقته في الحديقة، ويرتبك البيت كله في كيفية التعامل مع هذا الكلب الطارئ الذي رفض الدخول أو الخروج، ورفض تناول الطعام، وكيف ولماذا وماذا حدث..

يغلق الكاتب هذا الحدث بشريطه الوقائعي والتخيّلي، غير آبه بالقارئ أمام سعيه لتحقيق عامل التشويق. وهكذا ينتقل إلى عنوان جديد: "مكاشفات امرأة ورجل"، مكملاً خيوط حكاياته، ونصير في الماضي وراء الحدث ووراء القرار المستقبلي.

وتتوزع الرواية بوضوح على حياة الراوي مع أسرته، وحياته مع صديقته الشقراء، واستعاداته لطفولته وشبابه، واستشهاداته بما قرأ وتذكر عن عالم الكلاب، ويترتب على "السرد المحوري" إن صح التعبير، عالم الكلاب الواقعي والمتخيَّل، ومنه وعليه وبه، تتابع مسارات السرد التاريخية والسياسية والاجتماعية في اللجوء والعودة إلى حياة الأكراد في سوريا، لكنها أيضاً عبر علاقتهم بكلابهم.

إحاطة وتفاصيل

كيف لكاتب أن يحيط بعالم الكلاب ويوزع تفاصيل حكاياتها على سير أحداث الرواية واستعاداته من خلال ذكرياته؟ هل يمكن للتداعي أن يتوالد عبر مرتكزات من أحداث الرواية دون أي خلل بسيرها أو منطقيتها؟

تَمكّن اليوسف، بحرفية العارف، من تكثيف الاهتمام بعالم الكلاب عبر بناء شخوصه وحركتها في المكان

تَمكّن اليوسف، بحرفية العارف، من تكثيف الاهتمام بعالم الكلاب عبر بناء شخوصه وحركتها في المكان، فها هو "الراوي" بصدد كتابة بحث عن الكلاب، وصديقته الألمانية تعشقها، وكل الحدائق والأماكن التي يزورها تعج بالكلاب، وحتى هو صار يفكر باقتناء كلب، وكل الأطفال حوله صاروا مختلفين عن آبائهم، وثقافة تربية الكلاب صارت عامة ومن يومياتهم.

وفي المقابل "آلان نقشبندي"، شخصية مضطربة مترددة، تعاني من بقايا أعراف دينية تحرّم تربية الكلاب لأنها نجسة في الدين الإسلامي: "أتذكر أن أصعب تطهير لي من رجس الكلب، كان عندما لمست كلباً، وطهر أبي يدي وفمي بالماء والتراب". هذه المعادلات تفتح آفاقاً رحبة لإغناء الرواية بأحداث وصور ومقولات متناغمة ومتناقضة عن عالم الكلاب، كلاب الحرب العالمية الثانية تفجّر الدبابات، كلاب تعبر الحدود عبر الأسلاك الشائكة كإشارة لمعاناة الأكراد بين سوريا وتركيا، وكلاب الإقطاع والملّاك وكلاب البدو والمزارعين وأبناء قريته، وأنواعها، والكلاب المسعورة وداء الكلب، وطقوس تربية الكلاب وحياتها، وقتلها رمياً بالرصاص أو تسميمها أو حرقها.

اقرأ أيضاً: الأجندة.. رواية تحكي كيف انكسرت الثورة قبل بدايتها

كل ذلك يُقارن بقمع وقتل الإنسان في الدول الاستبدادية، وحياة الكلاب في ألمانيا، وعلاقة البطل الراوي بكل هذا الماضي، حين كان طفلاً وحين كان عاشقاً وحين كان مدرساً وشيوعياً، وأيضاً حين صارت الكلاب تطارده في كوابيسه وأحلامه، كيف جلب له والده تميمة ظل يعلقها إلى أن انتهى من المرحلة الجامعية. لكن، هل تمكن الروائي من الإحاطة فعلاً بكل عالم الكلاب؟ وأين الوهمي من الحقيقي؟

يمكننا القول إنه لم يحك عن الكلاب القطبية ومعاناتها الجماعية بجر العربات بين جبال الثلوج وعلى الصقيع مثلاً. ولم يفصّل في عالم الكلاب البوليسية التي توجد عنها مئات الحكايات والقصص والروايات، ولم يبحث في الجانب العلمي والطبي وآخر الدراسات عنها وعن تطور سلالاتها. ولكن الأهم أنه لم يتطرق إلى علاقة الكلاب الجنسية مع بعضها في ألمانيا، في الوقت الذي يرى فيه العشّاق يمارسون الجنس في الغابات والحدائق. بل وفصّل في العلاقة الجنسية بين البشر الكلاب.

رواية طازجة

يذهب "نقشبندي" إلى بيت صديقته الشقراء "بيانكا شنيدر"، للاحتفال بيوم الكلب العالمي، ويكون مدعواً مع نحو 11 كلباً من أنواع مختلفة. وبوجود الطعام الشراب والخمرة والموسيقى، تطلب منه صديقته الألمانية مراقصتها. ويتعمق العناق والاندماج إلى مرحلة تثير كلبين كبيرين وتثير غضبهما، وتكون النهاية بالهجوم عليه وعضه وتمزيق ملابسه وإسالة دمه و"إخصائه" وتدمير لحظات اندماجه.

التداخل بين الخيال والواقع، والحقيقة والوهم، يفتح للقارئ نوافذ رحبة للتأويل والرمزية، فاللاجئ/ الراوي، في الواقع يناوش محاولة التدجين والاندماج، ويخاف من ماضيه ومن العودة إليه ويخاف من حاضره ومستقبله أيضاً، ويخاف على ذوبان هويته وضياع أطفاله

هذا التداخل بين الخيال والواقع، والحقيقة والوهم، يفتح للقارئ نوافذ رحبة للتأويل والرمزية، فاللاجئ/ الراوي، في الواقع يناوش محاولة التدجين والاندماج، ويخاف من ماضيه ومن العودة إليه ويخاف من حاضره ومستقبله أيضاً، ويخاف على ذوبان هويته وضياع أطفاله.

الهاجس الأمني يلاحقه، فيخشى أبسط القوانين وأوضح سياسات الاندماج واللجوء. يراقب كل يومياته وتفاصيلها، ولا يجس نبض اللاجئين فحسب، بل يطل على انعكاسهم في مرايا الألمان أيضاً: "منذ أن جاء السوريون إلى وطننا، فإن ثلوجنا احتجت، واحتجبت، وراحت تنسحب ببطء، من أعياد الميلاد، كما أنهم غيروا مناخ مكاننا".

اقرأ أيضاً: "سورية الأخرى".. كيف ضبط النظام الفن المعارض واستفاد منه؟

 بهذه الشخصية المرتبكة القلقة استطاع إبراهيم أن يصيغ تصرفات بطله، وبحيادية لافتة كانت كل الأحداث مواربة تقريباً. يحكي عن الحرب ضمن سياق الحديث عن الكلاب دون تضخيم أو تبجيل، ويحكي عن معاناة الأكراد دون أيديولوجيا أو تحزّب، وعن اليوميات بحيادية قابلة للتأويل وغائمة بين الحقيقة والوهم، ويلامس الواقع من بعيد، فيقربه إلى التصور الخاص بكل تخييل.

هذه الرمزية أعطت للرواية بعداً خاصاً ومنحتها "طزاجتها". إنها حقاً رواية تحدث الآن، رواية طازجة بحقيقة أمكنتِها وشخوصها وتأريخها، لكنها غائمة بعلاقة بطلها بفضائها.

فن الحكي

يستحضر الكاتب فن الحكاية الدائرية من "ألف ليلة وليلة"، وهكذا ينهي الحكاية في روايته ليبدأ بثانية منها، مستثمراً كل الكلمات والأدوات والأحداث والتواريخ، وصولاً إلى كلب (هتلر) باسمه الحقيقي، كي تصب في مساره السردي المحوري، ولا يوارب في ذلك، بل يقول لصديقته: "انتهينا اليوم من هذه الحكاية سأحكي لك عن حكاية الكلب الأعرج مثلاً، غداً حكاية جديدة"، مقسماً روايته إلى عناوين فرعية تقرب هذا البناء الخاص للرواية إلى البناء التقليدي، وقد يتم الحدث تحت ثلاثة عناوين وقد ينتهي العنوان بحكاية كي تبدأ ثانية.

وقد يكون الرجوع إلى عالم الكلاب غير موفق أبداً لأن طبيعة الحدث لا تسمح بذلك، لكنه يصر على التداعي، كما حدث في غرفة التحقيق مثلاً، غير آبه بعقلية القارئ، وغير آبه بزمن السرد، فكلمة مثل "مساء" أو "في الأمس" تكفي. والزمن الوقائعي الوحيد في الرواية هو دخول الكلب إلى البيت، وكل الأحداث الباقية ضمن الحكايات، لكن ما يسعف القارئ وضوح مشهدية المكان وتكرارها: الحديقة، البحيرة، المقعد في البار أو الطاولة في الكافتيريا، أو مدخل البيت. وأيضاً قلة الشخصيات الرئيسة، حيث أن الشخصيات المُضافة إلى الكلاب والراوي وصديقته الألمانية الشقراء "بيانكا"؛ هامشية وتعبر سريعاً.

فن الحكي يحتاج إلى لغة، واليوسف خلق لروايته شخصية مناسبة لحكاياته، كزوجة خبير النفط التي كانت معه في العراق، هي تفهم العربية وهو يفهم القليل من الألمانية، وعملت في معسكرات ومكاتب اللجوء، ومطلعة على معاناة العراقيين والسوريين؛ حساسة، جميلة، هادئة، تحب الكلاب وتعتبرهم كأطفالها، وأيضاً لجدها علاقة بـ هتلر وكلابه.

لغة التفاهم وطدت العلاقة وعمقّت الحوارات، ما أغنى الرواية وارتقى بلغتها. وبالمقابل فإن لغة اليوسف شاعرية، مكثفة وموحية، تباينت في مستوياتها بمناجاته لذكريات الوطن، وبوصفه للطبيعة: "ثمة رهبة للأشجار الكثيفة، المتكاتفة، ولعلَّ جمالها لا يبدو إلا عندما نقترب منها، مزيلًا عنها رداء الوحشة". ولكن هل تباينت مستوياتها تبعاً لثقافة الشخصيات ومرجعياتها؟

اللغة الحميمية عند الراوي ساعد على دفئها البوح بضمير المتكلم "أنا"، في أغلب صفحات الرواية، كما واستطاع الكاتب توصيف شخصيات الأطفال في تحولاتهم السريعة في ألمانيا، من خلال كلماتهم الوقحة في حواراتهم مع آبائهم: "أنت أمّي، لا تفهم، تتبجح.."، لكنه لم يستطع للأسف منح صديقته الألمانية لغتها الخاصة، ولا حتى في الحوار أو في بعض الكلمات المكسّرة أو المعربة.

 خاتمة مرتبكة

عَنْون إبراهيم اليوسف روايته بـ "جمهورية الكلب"، ولو كانت "جمهورية كلب" لكانت لكل كلاب قريته جمهوريات، ولكن "ألـ" التعريف تعيدنا إلى الكلب في ألمانيا تحديداً، وترجعنا إلى بداية الرواية التي هي نهايتها أيضاً، موت الكلب "روكي" في بيت آلان نقشبندي.

المسار السردي الخاص بعلاقة الراوي بصديقته "بيانكا شنيدر"، يبقى طبيعياً هادئاً تبعاً لشخصيتها الهادئة التي تعرف ما تريد تماماً، وإن كان ثمة إرباك فهو يعود إلى شخصية صديقها بالأساس، وهو بالمعنى الجدلي للإرباك الذي أعطى للرواية "طزاجتها" كما أسلفنا.

ولكن إذا ما اعتبرنا السهرة العابرة بين الاثنين في يوم الكلب العالمي عابرة ولها طقوسها، فثمة ما يثير تساؤلاً عن محاولتهما ممارسة الجنس، رغم أنه متزوج، وهي التي عليها ألا ترضى بحدوث ذلك تبعاً لقناعاتها وسلوكها طيلة أحداث الرواية. وغير ذلك فهي شخصية متزنة متماسكة محبة مثقفة وتكره النازيين، ومتمسكة بعلاقة الصداقة التي يوترها وجود مخطوط من جدها، أحد المقربين من الزعيم هتلر ومربي كلابه، ورغم أن سبب نبشها للمخطوط هو إغناء البحث الذي سيقوم به صديقها عن الكلاب، لكن اللاجئ فيه يخاف حين يشاهد المخطوط المكتوب بخط جدها وفيه الكثير من المعلومات والخرائط، ويوميات أدولف هتلر الأخيرة.

ويكبر الرعب الجديد- القديم في صدر "نقشبندي"، ويضغط على صديقته لتسليم المخطوط إلى الجهات المختصة، خشية أن يكون ثمة قوانين أو عقوبات تتعلق بماضي البلد أو المساس بتاريخها، في حال انكشف أمر المخطوط وعلاقته بصاحبته.

في هذا المشهد المرتبك يغيّب الروائي السيدة الألمانية ويعود بـ نقشبندي إلى بيته ليجد أن كلب صديقته قد مات. تحضر الشرطة وتتم التحقيقيات عن موت الكلب، الذي يُعدّ بعد الطفل والمرأة في ألمانيا: "نتائجنا المخبرية أكدت بعد تشريح الكلب أنه مات قهراً، وما جرى له حدث قبل قدومه إلى بيتك. حدث عندما تعرضت صاحبته لذلك الحادث الأليم".

وهنا تختلط الحقيقة بالوهم والبديهيات بالأساسيات، ويتزعزع منطق الأحداث والشخصيات أيضاً: أي حادث؟ ولماذا أليم؟ وأي قانون هذا الذي سيحاسب آلان نقشبندي؟ وكيف ولماذا ؟ ولمَ هي في المستشفى؟

لا يمكن أبداً أن تقنع هذه الخاتمة القارئ، رغم محاولة الكاتب "تغييمها" أو تغبيشها بهذيانات بطله؛ فالذي حدث لا يجلب أي تهمة لنقشبندي، ولا يدفع السيدة إلى محاولة الانتحار أو حتى المرض، جراء الندم الكبير الذي أصابها لأنها سلمت المخطوط للجهات المختصة، وبذلك خانت الأمانة المسَلَّمة إليها جيلًا عن جيل، وهي في الأساس ضد النزعة النازية، حتى عند الكلاب، كما كانت تقول.