جماعة كفتارو.. المواقف من ثورة الثّمانينات واستفتاءات التّسعينات

تاريخ النشر: 28.03.2021 | 06:44 دمشق

آخر تحديث: 28.03.2021 | 06:50 دمشق

بدأ الصّراع المسلّح بين حافظ الأسد وجماعة الإخوان المسلمين وتنظيم الطّليعة المقاتلة يتصاعد مع نهاية السّبعينيات ليصل ذروته في مجزرة حماة عام 1982م، وكان الشّيخ كفتارو حاضرًا في المشهد فهو رأس المؤسسّة الدّينيّة الرّسميّة آنذاك.

  • خلع الحجاب في شوارع دمشق وموقف كفتارو

استيقظت دمشق صبيحة الثّلاثاء التّاسع والعشرين من أيلول "سبتمبر" من عام 1981م على انتشار كثيفٍ لقوات سرايا الدّفاع التّابعة لرفعت الأسد في شوارع دمشق المختلفة، لتبدأ معركةٌ من نوعٍ مختلف؛ معركةٌ بين المظليّات والمظلييّن أبناء سرايا الدّفاع المدججين بالسّلاح من جهة، والنّساء السّوريّات الدّمشقيّات المحجّبات الغافلات عمّا أعدّ لهنّ في ذلك اليوم العصيب.

بدأ الهجوم على المحجّبات ونزع الحجاب عن رؤوسهنّ بقوّة السّلاح، وسحل من تمانع منهنّ في الشّارع ودعسها بالأقدام وتجريدها من بعض ثيابها في الفضاء العام.

فرغت دمشق من أهلها وسط ذهول كبيرٍ ممّا حصل، وكان ذلك اليوم العصيب مؤذنًا بتحوّل مفصليّ في موقف دمشق التي نجح نظام الأسد في تحييدها بنسبةٍ مرضيةٍ له سواء على مستوى المؤسسة الدّينيّة أو على مستوى التّجار عن الصّراع مع جماعة الإخوان المسلمين وتنظيم الطّليعة المقاتلة.

وقع علماء دمشق يومها في حيص بيص، وتوجّه أحدهم وهو الشّيخ فؤاد شميس وهو أحد العلماء التّجّار المرموقين في دمشق إلى الشّيخ أحمد كفتارو وطالبه بالتّحرّك، فكان جواب الشّيخ كفتارو له اعتذاريًّا بتلطّف: "يا شيخ فؤاد الأمر أكبر منّا جميعًا".

وسط حالة الترقّب هذه أطلّ حافظ الأسد ليلًا عبر الشّاشة في خطاب طويل بدا للشّعب السّوريّ خطابًا اعتذاريًّا عمّا جرى دون أيّ تصريحٍ بالاعتذار، لكنّه قال فيما قاله: "إنّ هؤلاء النّساء هن أمّهاتنا وأخواتنا وبناتنا، ونحن نحترمهنّ ونقدّرهنّ".

وحاول تقديم مبرّرات لما فعلته المظليّات التّابعات لشقيقه رفعت بقوله: "بعضُ بناتنا المتحمّسات لا يرضيهنّ ما يحدث للمرأة من تهميشٍ وانغلاق".

وفي صباح اليوم التّالي كانت هؤلاء المظليّات قد انتشرن مجدّدًا ومعهنّ الرّفيقات الحزبيّات من مختلف الشُّعَب والفرق الحزبيّة في شوارع دمشق، ولكن هذه المرّة ليقدّمن الورود للمحجّبات في خطوةٍ واضحةٍ لمحاولة نزع فتيل الأزمة وتهدئة الاحتقان المتصاعد.

هنا حاولت جماعة كفتارو تبنّي الإنجاز من وراء هذا التّحوّل فسُرّبَت معلومة عاجلةٌ ليتمّ تناقُلها تهامسًا ونشرُها بافتخارٍ مفادُها أنّ الشّيخ كفتارو غضب بعد الذي جرى في شوارع دمشق غضبًا شديدًا، وانطلق إلى نادي الضبّاط حيث كان يعقد اجتماعٌ لكبار الضبّاط في الجيش فألقى فيهم كلمةً شديدةً وغاضبة وصلت أصداؤها إلى حافظ الأسد الذي خشي من تدحرج الأمور بسبب موقف الشّيخ كفتارو فخرج في خطابه وأعطى الأوامر بقيام المظليّات والحزبيّات بتوزيع الورود على المحجّبات في شوارع دمشق.

كان نشر مثل هذه الأخبار يهدفُ إلى تعزيز فكرة أساسيّة عملَ الشّيخ كفتارو ومَن حوله على ترسيخها حتّى غدت من اليقينيّات عند عموم المريدين، وهي أنّ منهج "الحكمة" الذي انتهجه الشّيخ كفتارو في التّعامل مع النّظام من خلال عدم المصادمة العلنيّة، وانتهاج المجاملة في المحافل العامّة، والنّصيحة في المجالس الخاصّة هو الذي حفظ للإسلام وجوده الحقيقيّ في سوريا، وأنّ علاقة الشّيخ مع النّظام الحاكم كانت لخدمة الإسلام والحفاظ على وجوده وقد ترسّخ في قناعاتهم أنّ الشّيخ كفتارو نجح في مهمّته هذه نجاحًا بالغًا، فلولا حكمته ولولا نهجه ولولا علاقته مع حافظ الأسد لما بقي للإسلام أثرٌ في سوريا.

  • ضدّ ثورة الإخوان المسلمين

في مقالٍ لها عن الشّيخ كفتارو في صحيفة اللوفيغارو الفرنسيّة وردت عبارة: "بين العمامة البيضاء على رأسه واللّحية البيضاء في وجهه يبدو في عينيه وميضُ داهيةٍ دبلوماسيّ حذر".

بالنّظرِ إلى المعركة بين حافظ الأسد وجماعة الإخوان المسلمين نجدُ أنّها معركةٌ مع خصوم الشّيخ كفتارو التّاريخيّين

هذه العبارة التي يتناقلُها مريدو الشّيخ كفتارو في كتبهم ومواقعهم بافتخارٍ بوصفها عبارةَ مدحٍ لشيخهم تدلّ أيضًا على طبيعة السّلوك الذي كان كفتارو ينتهجه في الصّراعات الجارية في السّاحة السّوريّة مستفيدًا من تناقضاتها، وتسويغ هذا السّلوك من مريديه بأنّه علامة الدّهاء السّياسيّ والدّبلوماسيّ لشيخهم العارف بالله تعالى، فتحالُفه مع حافظ الأسد في أشد ساعات طغيانه أيّام الثّمانينيات ومجازرها وأبشعها مجزرة حماة ما هو إلّا ضربٌ من الدّهاء الدّبلوماسيّ الذي مارسه شيخهم لخدمة الإسلام.

وبالنّظرِ إلى المعركة بين حافظ الأسد وجماعة الإخوان المسلمين نجدُ أنّها معركةٌ مع خصوم الشّيخ كفتارو التّاريخيّين، وقد كانت فرصةً سانحةً له في اتّجاهين اثنين؛ الأوّل: تعزيز علاقته مع نظام حافظ الأسد من خلال الوقوف معه ودعمه في ساعات شدّته وهذا سيجعل له ولجماعته حظوةً مركزيّة وحريّةً أكبر في العمل والتّحرّك في ظلّ التّضييق على المؤسسّة الدّينيّة بمختلف انتماءاتها بذريعة الحرب على الإسلام السياسي.

والثّاني: إثبات بطلان منهج جماعة الإخوان المسلمين، وخطأ سلوكياتها الدّعويّة والحركيّة ممّا يعزّز عند المريدين وغيرهم اليقين بصواب منهج كفتارو في الدّعوة والإصلاح.

دعَمَ كفتارو حافظ الأسد في الثّمانينيات بصورٍ شتّى منها مهاجمته المتكرّرة لجماعة الإخوان المسلمين وأفعالها واتّهامها بأنّ مواجهتها لنظام الأسد تسببت بفتنة أكبر من الأخطاء التي ترتكبها الدّولة، وأنّ ما قاموا به من أفعال لا يرضاها الإسلام هو السّبب في إراقة الدّماء وفتح الباب لتدخّل الأعداء وتدخّل الاستعمار وأنّ هذه الثّورة تصبّ في النّهاية في مصلحة "إسرائيل".

وقد بادلت جماعة الإخوان المسلمين هذا الهجوم بمثله إذ كانت الانتقادات توجّه إلى الشّيخ كفتارو بوصفه منافقًا مداهنًا للسّلطة شريكًا لها في إجرامها، وقد وصفه عدنان سعد الدّين المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين بأنّه يمثّل نموذج العلماء الذين يبيعون أنفسهم، ولا يمثّلون لا ضمير الشّعب السّوريّ ولا وجهة نظر "العلماء الحقيقيّين".

وقد عمل الشّيخ كفتارو ومن خلفه جماعته على ترسيخ السرديّة القائلة إنّ ما قامت به جماعة الإخوان المسلمين في الثمانينيات كان هو السّبب في تأخير العمل الدّيني في سوريا عشرات السّنين وهم من يتحمّلون مسؤوليّة تعطيل مسيرة الدّعوة الإسلاميّة في سوريا لعقودٍ قادمة، حتّى غدا هذا الخطاب من المُسلّمات عند المريدين من جهةٍ وتمّ تعميمه ليغدو واضح الظّهور في بعض أركان المؤسّسة الدّينيّة السّوريّة.

 

  • الاستفتاءات الرّئاسيّة؛ تحشيدٌ وتعبئة

لم تكن الاستفتاءات الرّئاسيّة التي يجريها حافظ الأسد ذات قيمة حقيقيّة في ترسيخ شرعيّة حافظ الأسد غير أنّها كانت مناسبات للتعبئة والتّحشيد على المستويات المختلفة، ولتجديد مظاهر الولاء من شرائح الشّعب المتعدّدة وفي مقدّمتهم شريحة العلماء والدّعاة.

جماعة كفتارو استطاعت السيطرة النّاعمة على البرامج الدّينيّة في الإعلام السّوري الرسمي الذي كان يتمثّل في القناة التلفزيونيّة الأولى والفضائيّة السّوريّة لاحقًا

كانت جماعة كفتارو حاضرةً بقوّة في مناسبات الاستفتاء الرئاسيّ التي حصلت عام 1985م و1991م و1999م، ففي عام 1991م أصدر الشّيخ كفتارو فتوى بأنّ التّصويت بـ "نعم" للرّئيس حافظ الأسد واجبٌ شرعيّ على كلّ مسلم.

ولا بدّ من لفت الانتباه إلى أنّ جماعة كفتارو استطاعت السيطرة النّاعمة على البرامج الدّينيّة في الإعلام السّوري الرسمي الذي كان يتمثّل في القناة التلفزيونيّة الأولى والفضائيّة السّوريّة لاحقًا؛ من خلال شخص مروان شيخو أحد مريدي الشّيخ كفتارو والذي كان يتمتّع بقدرة خطابيّة عالية، وهو معدّ ومقدّم البرامج الدينية وقد توفي في آب "أغسطس" من عام 2001م ليرثه في واجهة البرامج الدّينيّة على الإعلام الرّسمي شقيقه عدنان شيخو.

كان مروان شيخو صوتَ جماعة كفتارو الأقوى في عمليّة التّعبئة والتّحشيد لصالح حافظ الأسد في الاستفتاءات المختلفة، وهو صاحب ابتكار توصيف حافظ الأسد "بالرئيس المؤمن" و"المؤمن الأوّل" وكان من أطرف وأغرب ما قاله في استفتاء عام 1999م على شاشة التّلفزيون السّوريّ وهو يواكب عمليّة التّصويت بـ "نعم" في يوم الاستفتاء:

"في هذا اليوم المشهود قال المؤمنون نعم، وقالت الملائكةُ نعم، والله تعالى في علاه قال نعم" ثمّ استدرك مبرّرًا: "أجل إنّ الله تعالى قال نعم، لأنّ المؤمنين هم شهداء الله في أرضه وما داموا قالوا نعم فإنّ الله تعالى يقرّ قولهم ويقول مثله".

كانت عمليّة التّحشيد والتّعبئة في الاستفتاء الأخير تهدفُ إلى ترسيخ التّوريث والحشد الشّعبيّ له، فقد كان الأسد يعيش أيّامه الأخيرة وقد استبدّ به المرض وهيّأ ابنه بشّار على عجل، فكان بحاجة المؤسسّة الدينيّة لإضفاء الشرعيّة على عمليّة الانتقال السلس للسلطة، وقد ظهر هذا جليًّا في وفاة حافظ الأسد.

ولكن ماذا كان دور جماعة كفتارو يوم وفاة حافظ الأسد وفي جنازته؟ وكيف كان موقف بشّار الأسد من الجماعة بعد استلامه السّلطة؟ وماذا حلّ بالجماعة إثر وفاة الشيخ أحمد كفتارو؟ هذا ما سنجيب عنه ـ بإذن الله تعالى ـ في المقال القادم.