جماعة إسماعيل آغا التركية وشيخها محمود أفندي.. أياد بيضاء ومساحة روحية للسوريين

تاريخ النشر: 24.06.2022 | 13:11 دمشق

آخر تحديث: 24.06.2022 | 15:39 دمشق

إسطنبول - جابر الهاشمي

توفي الشيخ محمود أوسطا عثمان أوغلو المعروف باسم محمود أفندي" شيخ الطريقة النقشبندية في تركيا يوم أمس الخميس، عن عمر يناهز الـ 93 عاماً، حيث سيصلى عليه اليوم الجمعة في مسجد الفاتح في مدينة إسطنبول، وبذلك امتلأت باحة مسجد الفاتح وجميع الشوارع الرئيسية والأزقة المحيطة به بالمصلين منذ ساعات الفجر.

فمن يكون الشيخ محمود أفندي وجماعته "إسماعيل آغا"؟ وما دورهم في مساعدة السوريين في تركيا؟

عام 2009 أجرى الشيخ محمود أوسطا عثمان أوغلو زيارة إلى دمشق واجتمع مع مشايخها، وقد احتفى حينها معهد الفتح بزيارة شيخ الطريقة النقشبندية في تركيا، وألقيت الكلمات وأقيمت الاحتفالات بتلك المناسبة، عثمان أوغلو والذي يلقبه مريدوه بـ "محمود أفندي" يعتبر من الشخصيات الصوفية المعتبرة حول العالم الإسلامي، وفي ذلك اللقاء ألقى الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي كلمة ترحيبية باللغة التركية.

بعد سنوات من اللقاء الذي جرى في دمشق، أصبح "محمود أفندي" يستقبل في تركيا بعض مشايخ سوريا الذين هربوا من بطش النظام بسبب تأييدهم للثورة السورية، وقد عملت جماعته على استضافة اللاجئين وتدبير أمورهم والعمل على إغاثتهم بالاشتراك مع منظمات تركيّة أخرى، انطلاقا من مبدأ "الأخوة الإسلامية".

كان لجماعة إسماعيل آغا التي رتب صفوفها الشيخ محمود أفندي أثر واضح في بداية اللجوء السوري إلى تركيا وخصوصاً في منطقة الفاتح والمناطق المحيطة بها، حيث عملت الجماعة على استضافة السوريين والعمل على إغاثتهم وتأمين حاجياتهم الأساسية، وفي بداية الأمر كانوا قد أعدوا العديد من الأوقاف للاستضافة المؤقتة للباحثين عن منازل.

توفي "محمود أفندي" أمس الخميس في إسطنبول عن عمر يناهز الـ 93 عاماً، قضى معظم تلك السنوات برحلة دعوية في أرجاء تركيا، كما ضبط إيقاع جماعة الصوفية النقشبندية والتي تتمثل بما يسمى "مجمع إسماعيل آغا"، حيث نظم صفوفها ورتب كوادرها للعمل على مد جذورها في كل أنحاء تركيا، ولم تخل حياته من المضايقات والمشكلات وخصوصاً في عصر الانقلابات، فتمت محاكمته أكثر من مرة بالإضافة إلى نفيه ومحاولات اغتياله.

 

تأثر سوري بالشيخ محمود أفندي

في عرف جماعة الشيخ محمود أفندي يعتبر نظام الأسد نظاماً "كافراً وقاتلاً"، لكنهم يودون لو أن الأمور لم تصل إلى هذا المنحنى من العنف، كما أنهم يلقون باللائمة على مؤامرة أتت من أميركا وإسرائيل بما حصل في الشام لأنها "أرض بركة وخير".

ويقول الشيخ التركي سنان أوزتورك في حديث مقتضب لموقع تلفزيون سوريا: "شيخنا محمود أفندي ضد الظلم في أي مكان وهو يحب الشام كثيراً".

 ويضيف: "بشار الأسد قاتل وظالم وكل من دخل معه في الحرب ضد شعبه، ونحن نظن أن مؤامرة كبيرة حصلت على سوريا من أجل إنهاء الدين فيها وكنا نود لو أن ذلك لم يحصل لحفظ الدين هناك". ويردف قائلاً: "طلابنا السوريون في أوقاف الشيخ محمود أفندي هم بركة لدينا وعملنا مبارك بهم وبوجودهم بيننا عدا أنهم متفوقون".

بدوره يقول الشاب السوري عمار الأحمد أستاذ العلوم الشرعية في أحد الأوقاف التابعة لمجمع إسماعيل آغا: "الوجود السوري الكثيف في منطقة الفاتح كان في البداية عبارة عن تجمعات صغيرة في منطقة يافوز سليم التي يوجد فيها مسجد إسماعيل آغا"، ويضيف الأحمد في حديثه لتلفزيون سوريا: "عندما أتيت أنا وعائلتي إلى المنطقة استجاب لنا بعض الإخوة من مسجد إسماعيل آغا وضعونا في بيت مؤقت ريثما استطعنا استئجار منزل.. وعندما استأجرنا منزلنا أتوا لنا بكل الأدوات اللازمة من كهربائيات وعفش منزل".

ويردف قائلاً: "كنت في سوريا أتنقل بين حلقات العلم في المساجد وقد وجدت ضالتي هنا، إذ أنني في البداية انتسبت إلى حلقات الفقه الحنفي وأنا في الأصل حافظ للقرآن، وعندما علموا ذلك جعلوني أبدأ بتحفيظ الأطفال الأتراك الصغار حتى غدوت اليوم مسؤولا عن إحدى الأوقاف التي يديرها المجمع وكانت تحت إشراف شيخنا محمود أفندي رحمه الله".

وعن تأثر الشباب السوريين بجماعة محمود أفندي، يقول الأحمد إن مئات من الطلاب السوريين انتسبوا إلى حلقات وأوقاف الجماعة ومنهم الكثير من طلبة الجامعات الذين كانوا يجلسون مدة دراستهم الجامعية في سكن جامعي يتبع للجماعة، ويقدّم هذا الوقف إضافة للسكن، الطعام وبعض المساعدات العينية في حال كان الطالب في حاجة ملحة".

أما عن طلاب العلم الشرعي الملتزمين فهم كثر وتأثروا كثيراً بسمت الجماعة حتى باتوا يلبسون زيهم المؤلف من ثياب فضفاضة إضافة للجبة والعمامة"، مضيفاً: "الشباب الأتراك في هذه الجماعة يحبون السوريين والعرب بشكل عام، ولم نسمع يوماً كلمة عنصرية أو تعبر عن ملل من وجودنا".

إلى ذلك، فقد استضافت جماعة محمود أفندي الشيوخ السوريين الذي لجؤوا إلى تركيا منذ البدايات، كما أصبح لهؤلاء الشيوخ دروس رسمية في مقارّ الجماعة والمساجد التي توجد بها كمسجدي إسماعيل آغا ويافوز سليم، ومن المعلوم أن المجلس الإسلامي السوري حتى فترة قريبة كان يعقد اجتماعاته الرسمية في إحدى صالات وقف إسماعيل آغا، ويقدمون الخدمة الفندقية لأعضاء المجلس القادمين من خارج إسطنبول بقصد الاجتماع.

هذا وقد نعى المجلس الإسلامي السوري الشيخ محمود عثمان أوغلو، وقال المجلس في بيان له إن "الشيخ كان له دور كبير في حفظ الدين الإسلامي في المجتمع التركي وناله بسبب ذلك أذى كثير فصبر وثبت ولم يتنازل عن الدعوة إلى الله ونشر العلم الشرعي".

كما أصدر الائتلاف الوطني السوري بياناً نعى فيه الراحل واصفاً إياه بأنه "أحد زعماء النهضة الإسلامية وكبار العلماء في تركيا".

وقال بيان الائتلاف: "عرف عن الشيخ الراحل مواقفه المشرفة في الوقوف مع قضايا الأمة ومساندة ودعم الشعب السوري في ثورته ضد الطغاة".

من هو الشيخ محمود أفندي؟

وُلد عثمان أوغلو في قرية من قرى ولاية طرابزون عام 1929 لعائلة متدينة، وحفظ القرآن في سن العاشرة وبدت عليه علامات النبوغ حيث تعلم اللغة العربية وأتقنها ومن بعدها الفارسية، ثم اتجه نحو العلوم العقلية والنقلية ليحوز الإجازة الشرعية بها وبدأ العمل إماماً وألقى المحاضرات في سن السادسة عشرة، وكان ذلك العصر عصيباً على العمل الدعوي في تركيا إبان حكم مصطفى كمال أتاتورك، وقد تتلمذ "محمود أفندي" على يد الشيخ النقشبندي علي حيدر أفندي الذي كان إماماً وخطيباً لمسجد إسماعيل آغا في منطقة الفاتح في إسطنبول.

أسس حيدر أفندي لجماعة إسماعيل آغا التي سيكون لها تأثير كبير في تركيا فيما بعد على عدة مستويات سياساً ومجتمعياً، وبعد وفاة الشيخ المؤسس لها تقلد "محمود أفندي قيادة الجماعة عام 1960، وبدأ العمل على ترتيب الجماعة وتنظيمها كما حاول مد الجذور لها في أنحاء تركيا، لكنه في عدة مرات اصطدم مع السلطات الحاكمة، لكنه في النهاية استطاع تمكين الجماعة التي ما زالت تتخذ من المسجد عينه مقراً لها.

ضبط محمود أفندي العمل في مجمع إسماعيل آغا، وأنشأ نهجاً حاول من خلاله تنظيم حياة الطلاب المنتمين له في جوانب الحياة المختلفة من إيجاد الأعمال والمنح الدراسية وتأمين الفقراء وغير ذلك، ووصل الأمر بجماعة إسماعيل آغا أن يكونوا موحدي اللباس، فتراهم إلى اليوم يلبسون الجبة والعمامة ويطلقون لحاهم وهو ما يعدّ غريباً على المجتمع التركي بشكل عام.

Elb7FcXW0AEK5y_.jpg

واجه "محمود أفندي" عدداً من المشكلات خلال مسيرته الدعوية، حيث اتهم بالمساهمة في قتل مفتي منطقة أوسكودار حسن علي أونال عام 1985، وفتحت السلطات تحقيقاً ضد جماعة إسماعيل آغا، حيث اتهم "أفندي" بإصدار فتوى قتل أونال، حيث كان الأخير يحاول منع أنشطة الجماعة الصوفية التي تحاول التغلغل في البلاد أكثر فأكثر. في النهاية أقرت المحكمة ببراءة "محمود أفندي".

إضافة إلى ما سبق، حصلت عدة محاولات لاغتيال "محمود أفندي" باءت بالفشل، كما تم اغتيال صهره خضر علي مراد في المسجد عام 1998، وفي عام 2006 ، تعرض بايرم علي أوزتورك، وهو أحد شيوخ الجماعة للطعن حتى الموت داخل مسجد إسماعيل آغا، وألقت هذه الجرائم بثقلها على الجماعة، حيث مثلت هزات عنيفة للشيخ محمود أفندي ومريديه.

لم تتوقف الأمور عند ذلك، فقد تعرض "محمود أفندي" لمحاولة اغتيال عام 2007 في إسطنبول حيث أطلق الرصاص على سيارته ولكنه نجا، وبعد أخذه للمشفى هوجم الشيخ هناك لكنه لم يصب بأذى، هذه الأحداث لم تضعف الجماعة الصوفية أبداً، إنما كانت تزداد قوتها سنة بعد أخرى وربما أصبحت مهيمنة على الشأن الدعوي في إسطنبول بشكل خاص، حيث أدرك محمود أفندي منذ البداية أن هذه المدينة هي مركز الثقل لأي عمل يمكن القيام به.

جماعة إسماعيل آغا

رغم التضييق والحظر القانوني والسياسي، الذي عانت منه الحياة الدعوية في تركيا إلا أنها سارت حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم، وفي مسيرة "محمود أفندي" واجه السلطة في أكثر من مرة، إذ أن السلطات نفته إلى مدينة إسكي شهير إثر انقلاب عام 1960، كما تعرض للمحاكمة عام 1985 بتهمة تهديده لنهج العلمانية خلال خطبه ودروسه لكن المحكمة برأته من ذلك.

بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم برئاسة رجب طيب أردوغان وإتاحة الفضاء العام للعمل الدعوي والإسلامي، بدأت جماعة الشيخ محمود أفندي بالتغلغل أكثر داخل المجتمع التركي على عدّة أصعدة خاصة السياسية منها، وهو أمر لم تعتده الجماعات الصوفية قبل ذلك في تركيا، حيث أنشأت هذه الجماعة آلاف الأوقاف الخاصة بطلاب العلم والمريدين ضمن منهجية منتظمة لرعاية التلاميذ، حيث يوفرون لهم المتطلبات الحياتية اليومية.

إلى ذلك أنشأت الجماعة بعض المشاريع الاقتصادية التي تدر المدخول على الأوقاف ونفقات طلاب العلم، وتقدّر أعداد المريدين للشيخ والجماعة بعشرات الآلاف في تركيا وتنتشر الأوقاف في كثير من المدن التركية خاصة في إسطنبول وطرابزون.

وللجماعة زي خاص بها وهو عبارة عن جبة وعمامة للرجال ولباس أسود فضفاض للنساء ويتركز وجودهم في إسطنبول بحي يافوس سليم وحي اسماعيل آغا. وفي هذا الحي تنتشر دكاكين بيع السبحات والعطور والمصاحف والكتب المرجعية والدينية إضافة إلى محال بيع اللباس الخاص بهذه الجماعة.

أما على الصعيد السياسي، كان الحدث الأبرز لهذه الجماعة هو المشاركة في صد القوات الانقلابية يوم الخامس عشر من تموز عام 2016، حيث كانت هذه الجماعة في الصفوف الأولى ضد الانقلاب، حيث تحولت الجماعة الهادئة فجأة إلى جماعة تناصر قوى الأمن والشرطة في صد الجنود والدبابات التي كانت تحاول السيطرة على الدوائر الحكومية في منطقة الفاتح بإسطنبول.

ومن الأمور التي يمكن التوقف عندها هي زيارة رجب طيب أردوغان عندما كان مرشحاً للرئاسة عام 2014، حينها زار أردوغان الشيخ محمود أفندي وجلس معه في اجتماع خاص لمدة ساعتين لطلب الدعم في التصويت له حينها. وكذا فإن السياسيين الأتراك وخاصة المحافظين منهم كانوا يجرون زيارات متناوبة للشيخ عثمان أوغلو كونه زعيم أكبر جماعة إسلامية في البلاد.

10443057_615972111834319_8991062948921970201_o_1.jpg
انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار