جشع المشافي اللبنانية وإهمال المفوضية تودي بحياة لاجئة سورية

جشع المشافي اللبنانية وإهمال المفوضية تودي بحياة لاجئة سورية

الصورة
23 تموز 2018
تلفزيون سوريا - لبنان -محمد حسن

توفيت الشابة السورية بيان (19 عاماً) في 16 من تموز الجاري، والتي لجأت إلى لبنان مع عائلتها منذ حوالي الخمس سنوات، بعد صراعها مع مرض الذئبة الحمامية (اسم يطلق على مجموعة من أمراض المناعة الذاتية، والتي يصبح فيها الجهاز المناعي للإنسان مفرط النشاط ويهاجم الأنسجة الطبيعية الصحية)، وقد تفاقمت الأعراض التي أدت لإصابتها بجلطة دماغية خفيفة، وضعُف الأمل في علاجها، بعد معاناة عائلتها بالتنقل بين المستشفيات اللبنانية التي رفضت استقبال وعلاج ابنتهم بعدة حجج.

قصة بيان تجسد مئات قصص السوريين

وفي تفاصيل القصة، أوضحت الناشطة في مجال حقوق الإنسان مزنة الزهوري لتلفزيون سوريا " تابعنا حالة بيان قبل وفاتها بعدة أيام، كانت قد أُسعفت في يوم الأربعاء (27 من حزيران الماضي)، كـ حالة طارئة إلى مستشفى إلياس الهراوي الحكومي بمنطقة زحلة، وأجروا لها تحليلات دم، وبيّنت النتائج أنها مصابة بمرض الذئبة الحمامية، وقد أوصت إدارة المستشفى بإسعاف بيان لمستشفى الجامعة الأمريكية أو مستشفى الأسد الجامعي في دمشق على أمل أن يكون الدواء متوفراً لديهم".

وأضافت زهوري: "لم يكن بمقدور عائلة بيان الوصول إلى أبواب مستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت بسبب تكاليفها الباهظة، فانتقلوا للخيار الثاني نحو الحدود اللبنانية ، بنيّة الذهاب إلى مستشفى الأسد الجامعي، فهذا الخيار هو أقل تكلفة من المستشفيات اللبنانية وقد يجدون فعلاً العلاج المطلوب لمرض ابنتهم، وعندما وصلوا لنقطة المصنع (المعبر اللبناني إلى سوريا)، انتظروا لما يقارب 5 ساعات وهم في حالة ترقب رأفة الأمن العام اللبناني بالسماح للأم وابنتها بالعبور، بعدما رفضت إدارة المعبر إخراجهن من لبنان قبل دفع الغرامة المترتبة عليهن (ما يقارب 1600$) كـ غرامات تأخير عن تجديد بطاقة إقامتهن في لبنان".

الانتظار لم يكن فارغاً، فكانت الوالدة تبحث وتترقب بهذا الوقت بين ضباط المعبر وعناصر الدرك الموجودين، وبين سائقي السيارات لعلها تجد أحداً يساعدهم بطريقة ما بالدخول إلى سوريا، ولكن، خاب ظنُّ الوالدة ولم تجد أي بديل عما اشترطه الأمن العام اللبناني، لكن تأمين هذا المبلغ بالنسبة لعائلة بيان البسيطة، أمر شبه مستحيل.

عادت بيان ووالدتها من نقطة المصنع وتوجهن إلى مستشفى البقاع الذي رفض أيضاً استقبال "بيان" بحجة أن المستشفى لا تتوفر فيه أماكن في قسم العناية الفائقة، فبحثن عن نقطة طبية أخرى، وتوجهن إلى مستشفى الرحمة الذي أعطى حجة أخرى لعدم استقبال الشابة "بيان" وأنه لا يتوفر لدى المستشفى العلاج المطلوب لهذا المرض، فعادوا للبحث مرة أخرى دون كلل أو ملل، فقام مستشفى حامد فرحات أخيراً باستقبال "بيان" وبقيت تتلقى العلاج لمدة أربعة أيام بين قسم العناية الفائقة، وغرفة المراقبة والعزل.

علمت "عائلة بيان" في اليوم الخامس أن منظمة NextCare (وهي منظمة متعاقدة مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في لبنان وتقوم بإدارة الحالات المرضية للاجئين في بعض المستشفيات المتعاقدة مع المفوضية) لن تتكفل بدفع تكاليف علاج بيان لأكثر من 5 أيام، فقد تكفل فاعل خير بمبلغ 300$، والمنظمة المندوبة عن المفوضية بمبلغ 700$، وقامت الأخيرة بإعلام إدارة المستشفى بأنها قد رفعت المسؤولية عن متابعة حالة بيان، مما اضطرت إدارة المستشفى لتخريج بيان في اليوم ذاته (أي في يوم الاثنين 2 تموز)، وحاولت العائلة التحدث مع مندوبة المفوضية المنتدبة من قبل منظمة NextCare، علماً أن حالتها كانت تستدعي بقاءها في قسم العناية الفائقة، ولكن من دون جدوى فقد أتت التعليمات بسحب المفوضية يدها من التكفل بعلاج بيان دون توضيح الأسباب!.

تقول "والدة بيان": "كانت بنتي بحاجة لسبعة إبر للعلاج، استطعنا تأمين إبرتين منهم، وفي موعد تلقيها للإبرة الثالثة (بعد 3 أيام من إخراجها)، ازداد وضعها الصحي سوءاً، فاتصلنا على الطبيب إبراهيم بو مراد الذي أشرف على حالتها سابقاً، الذي طلب إعادتها إلى مستشفى حامد فرحات فوراً"، وأضافت الوالدة: "وصلنا، وانتظرنا ساعتين في قسم الطوارئ آملين الحصول على موافقة المفوضية بتكفل تكاليف العلاج فجاءنا خبر من المحاسب "المفوضية لن تتكفل بدفع تكاليف علاج بيان، وهناك شخص لبناني تواسط لإدارة المستشفى وطلب إدخالها على مسؤوليته الشخصية".

العمل الإنساني قصير لا سلطة له

بعد عشرات الاتصالات مع متابعي حالة بيان استطعنا معرفة الشاب اللبناني (فضّل عدم ذكر اسمه)، وبعد سؤالنا للتأكد من صحة المعلومات، قال: "بعد ما عَلِمت بأن الشابة بيان ستكون في خطر، اتصلت بصديق في إدارة مستشفى حامد فرحات، وطلبت إدخال بيان للمستشفى، وتعهدت إن لم تدفع العائلة فسوف أقوم بدفع تكاليف علاجها شخصياً".

وأكملت والدة بيان ما تحدث به الشاب اللبناني: "من تاريخ دخول بيان للمستشفى يوم الخميس (5 تموز) إلى يوم الخميس الذي تلاه (12 تموز)، خصوصاً بعد ما أصيبت بجلطة دماغية خفيفة بعد يومين من دخولنا، وكانت الأمور على ما يرام، وكنّا ننوي إخراجها لتتحسن حالتها النفسية"، وفي مساء يوم الخميس لم تستطيع عائلة بيان إخراجها من المستشفى وأصبح قسم المحاسبة يطالب بدفع الفواتير المترتبة، ولكن العائلة لم تستطع الوصول للشاب الذي ساعدهم في البداية بإدخال ابنتهم، وأضافت الوالدة: "أغلقت المستشفى أبوابها، وتم قطع السيروم والأدوية والطعام عن بيان، من ظهر يوم الخميس، حوالي 24 ساعة".

وأضافت الوالدة "تحدثنا للطبيب المشرف إبراهيم بو مراد، ظهر يوم الجمعة (13 تموز)، بعد يوم كامل من عدم الاهتمام من الكادر الطبي، وقال إن بيان ليست بحالة صحية تسمح لها بمغادرة المستشفى، وأوعز للكادر الطبي بالاهتمام قدر الإمكان بابنتي، فقام الكادر الطبي بتقديم الطعام من دون الاهتمام طبياً بها".

أكدت الوالدة أن ابنتها "بيان" كانت على وعيها وبحالة جيدة يوم الخميس، كما أكد الأطباء المشرفون هذا الأمر بحسب مصادر من داخل المستشفى، ولكن الجدالات مع عائلة بيان وقسم المحاسبة، وقطع العلاج عنها وقلة الاهتمام من الكادر الطبي، ورؤيتها لعائلتها غير قادرين على تأمين تكاليف المستشفى، قد أرهقها نفسياً، وتراجعت حالتها الصيحة بشكل كبير، أصابها اختلاج وارتفعت حرارتها بشكل ملحوظ.

وأردفت الوالدة "استطعنا تأمين نصف المبلغ المطلوب ما يقارب 800$، ودفعتها لقسم المحاسبة، وغادرت المستشفى مساء يوم الجمعة لأرتاح قليلاً، وعدت في اليوم التالي (السبت 13 تموز) الساعة 6 صباحاً، وكنت قد رأيت أن بيان غابت عن الوعي، وهي مغمى عليها، ومن دون اهتمام طبي" لم تتطمئن العائلة لما يجري في المستشفى وقلة الاهتمام بابنتهم آنذاك، فقرروا إخراج بيان بأي وسيلة كانت، وكانوا قد استطاعوا التواصل مع الشاب اللبناني بعد عدة اتصالات الذي ساعدهم بالدخول للمستشفى في البداية، وقد تدخل مرة أخرى لمساعدتهم في إخراج بيان من المستشفى وأخذ القضية على عاتقه الشخصي بدفع نصف المبلغ المتبقي.

مسؤولية المستشفى أم المفوضية

حاولنا الاتصال مع إدارة مستشفى حامد فرحات، لم نستطع الحصول على أي توضيح من المستشفى، وكانوا يحولون مسؤولية الاتصال من شخص لآخر، لكننا استطعنا الحصول على رقم هاتف الدكتور إبراهيم بو مراد وهو الطبيب الذي أشرف على حالة بيان منذ دخولها للمستشفى، وصرح عبر اتصال هاتفي لتلفزيون سوريا: "لم أكن موافقاً على خروج الشابة بيان من المستشفى بسبب تراجع حالتها الصحية، لكن الموظفة المندوبة عن UNHCR المنتدبة من قبل منظمة Nextcare، أوقفت مسؤوليتها بتكفل تغطية تكاليف العلاج وأبلغت الإدارة بذلك".

وبعد أن منع د. بو مراد خروج الشابة بيان من المستشفى، أضاف د. بو مراد "طلبت أن يقوم أحد من أفراد العائلة أو من مندوبي مفوضية اللاجئين التوقيع على ورقة ليتعهد أن الشابة قد خرجت على مسؤوليته"، وختم د. بو مراد بحرقة قوله: "إنه لمن المؤسف بلا شك أن تغادرنا شابة يافعة بهذا العمر لأسباب مادية، وعدم قدرة الأهل على تأمين مبلغ لتغطية تكاليف العلاج".

خرجت "بيان" من المستشفى، وهي بحالة صحية مزرية، بحسب ما تحدث والدها وأوضح لتلفزيون سوريا: "عدنا للمنزل، وحاولنا قدر المستطاع الاعتناء بها بالأدوية التي أحضرناها من الصيدلية، ولكننا كنا مدركين أن بيان تلفظ أنفاسها الأخيرة، ولا نريدها أن تتعذب في المستشفيات، وبقينا ليوم الأحد (15 تموز) ونحن نداري وضعها الصحي، في مساء يوم الأحد أصاب بيان ضيق تنفس قوي، وأعدنا إسعافها مرة أخرى إلى مستوصف غراس الخير، الذي قام ما بوسعه من أجل إنقاذ حياتها، ولكن إمكانيات المستوصف بسيطة جداً، فقاموا بإحالتها لمستشفى البقاع حيث كانت بحاجة للعناية الفائقة".

 وأضاف الوالد: استقبلنا المستشفى، وأدخلوها لغرفة الطوارئ ووضعوا لها الأوكسجين ولكنهم رفضوا إدخالها لغرفة العناية الفائقة قبل دفع 500$ كتأمين أو الحصول على موافقة من قبل مفوضية اللاجئين".

قمنا بالاتصال مع إدارة مستشفى البقاع، لنستفسر عن سبب رفض المستشفى استقبال بيان بغرفة العناية الفائقة وطَلَبهم لمبلغ 500$ كـشرط لإدخالها، وقالوا عبر اتصالٍ هاتفي: " قمنا بواجبنا الكامل بحالة بيان، وكنا نعمل على استكمال الإجراءات من أجل الحصول على موافقة من المفوضية لتكفل تكاليف علاج الشابة، ولكن الوالد رفض ذلك وطلب إخراجها من المستشفى، وطلبنا منه التوقيع على تعهد لإخراجها على مسؤوليتهم الشخصية".

فيما أكد والد بيان على أن المستشفى طلب مبلغ 500$ لاستقبال ابنته في غرفة العناية الفائقة، وقال: "رفض المستشفى إدخال بيان لغرفة العناية الفائقة واشترط دفع 500$ وهو مبلغ لم أستطع تأمينه لتغطية تكاليف المستشفى السابق، وليس لدي القدرة على تأمينه آنذاك".

وختم "والد بيان" بحرقة قلب "نحن نعلم أن المفوضية لن تتكفل بدفع تكاليف دخول بيان للمستشفى، يأسنا جداً ونحن نضيع الوقت، وأدركنا حينها أن بيان تلفظ أنفاسها الأخيرة، وهي تتعذب بالانتقال من مكان لآخر، وكنا موقنين أنها سوف تموت لأن جسدها لم يعد يحتمل المقاومة بعد ما حل بحالتها النفسية قبل إخراجها من مستشفى حامد فرحات، وكأننا نراقب موتها، ولا نريد أن تموت ابنتنا في أيّ مستشفى لأننا لسنا قادرين على تحمل أي أعباء مادية ".

قام الوالد بإعلام إدارة المستشفى أنه سيقوم بإخراجها على عاتقه الشخصي، وقام بالتوقيع على "تعهد بالمسؤولية" للمستشفى، واتجهوا نحو المنزل، لتفارق الحياة خلال 24 ساعة بعد معاناة شهر كامل بين المنزل والمستشفيات والمستوصفات.

"لا نستقبل المرضى إلا عند دفع مبلغ التأمين"، هذه الجملة التي اعتاد عليها السوريون في لبنان، في كل مصيبة طبية تصادفهم ويضطرون لأجلها للذهاب إلى المستشفيات، إذ أن الأنظمة الإدارية لمعظم المستشفيات اللبنانية لا تسمح بإدخال المرضى دون دفع "آلاف الدولارات" كـ تأمين أولي قبل البدء بالفحوصات والكشف على المرضى، وإن استقبلوا أيةِّ حالة تُقلص المستشفيات اهتمامها بالمريض بعد أيام، كـ وسيلة للضغط لدفع الأموال.

شارك برأيك