هزّت جريمة مروّعة بلجيكا خلال الأيام الماضية، إذ أقدم لاجئ سوري على قتل موظف يعمل في المجال الاجتماعي في أثناء زيارة منزلية له في إطار عمله.
وبحسب ما ذكرت وسائل إعلام بلجيكية، فقد قُتل البلجيكي "إريك ب"، (56 عاماً)، وهو موظف في المركز العام للرعاية الاجتماعية (OCMW)، في منزل لاجئ سوري بمدينة خينت.
ولم تكن تلك الزيارة الأولى لإريك، إذ يخضع اللاجئ السوري لمراقبة المركز العام للرعاية الاجتماعية لعلمهم بأنه يعاني من مشكلات نفسية، وكانوا يتابعون وضعه عن قرب.
وعندما لم يحضر إريك –المعروف بين زملائه بدقة مواعيده– لزيارته المنزلية الثانية بعد ظهر ذلك اليوم، أبلغ المركز الشرطة بعد محاولات فاشلة للوصول إليه، وعند توجه عناصر الشرطة إلى شقة الرجل السوري، عثروا على جثة المختص الاجتماعي هامدة وقد قُتل بعدة طعنات، في حين لم يُعثر حينها على أي أثر للاجئ السوري.
تحركت الشرطة فوراً للبحث عن اللاجئ السوري البالغ من العمر 38 عاماً، ورصدته إحدى الكاميرات مساء الأربعاء في أثناء سيره في مركز المدينة.
وكانت الساعة 9:46 مساءً عندما التقطت الكاميرا رجلاً ممتلئ الجسم، يرتدي شبشباً ويحمل حقيبة ظهر برتقالية ورأسه مغطى رغم الطقس الحار، متجهاً نحو صرّاف آلي في وسط المدينة.
ووفقاً لوسائل الإعلام البلجيكية، بدا الرجل هادئاً ولم يلفت انتباه المارة، ولم يكن أحد يتوقع أنه قبل ساعات قليلة كان قد ارتكب جريمة قتل بحق إريك في منزله.
في تلك اللحظات، كانت الشرطة تبحث عنه بشكل محموم، وأظهرت لقطات الكاميرا الرجل وهو يغادر الصرّاف الآلي بعد دقيقتين متجهاً بهدوء نحو حي بروخسه بورت، حيث اعتقلته الشرطة بعد ثلاث ساعات. وأكدت المصادر أن سحب النقود من صرّاف قرب برج الجرس كان أحد الأدلة التي قادت الشرطة إليه.
وفي اليوم التالي، استجوبت الشرطة البلجيكية الرجل بعد القبض عليه للاشتباه في ارتكابه جريمة القتل.
يعاني من مشكلات نفسية
ذكرت صحيفة "نيوزبلاد" البلجيكية أن الرجل، ويدعى "أنس س"، كان يعاني من مشكلات نفسية، لكنه لم يُعتبر "خطراً محتملاً"، رغم إدخاله عدة مرات إلى مستشفيات للأمراض النفسية في الماضي.
وبحسب الصحيفة، لم يُعرف عنه أي سلوك عدواني سابقاً، لذلك لم يكن هناك ما يدعو للاعتقاد بأنه قد يلجأ إلى العنف.
ورغم إدخاله مراراً إلى أجنحة الطب النفسي في مستشفيات مختلفة، لم يُدرج في قائمة "الحالات التي يُحتمل أن تكون خطرة". ولو تم تصنيفه كخطر محتمل، لوجب اتباع بروتوكول خاص، كأن تُجرى الزيارات المنزلية بشكل ثنائي من قبل موظفي المركز العام للرعاية الاجتماعية (OCMW).
وأفادت المصادر بأن الرجل رفض الإدلاء بأي تصريح منذ اعتقاله، متمسكاً بحقه في الصمت. كما أشارت التقارير إلى أنه ذكر سابقاً عدم رضاه عن شقته في منطقة "نيو خينت"، وأنه كان يشعر بالوحدة الشديدة، حيث يعيش بمفرده في بلجيكا.
وبحسب وسائل الإعلام البلجيكية، أصبحت دوافعه الآن موضوع نقاش بين الخبراء. ويشير مقربون منه إلى أن "اضطراب ما بعد الصدمة" الناجم عن الحرب في سوريا قد يكون لعب دوراً في الحادثة.
ووفقاً لمعلومات صحيفة "نيوزبلاد"، كان الرجل قد رفض تلقي المساعدة النفسية في الماضي، ويرجع ذلك جزئياً إلى حاجز اللغة. كما أظهرت صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي أنه وصل إلى بلجيكا عام 2015 وينحدر من مدينة حماة.
وقد عُيّنت لجنة من الخبراء لتقييم حالته النفسية والتأكد مما إذا كان مسؤولاً قانونياً وقت ارتكاب الجريمة، وذلك وفقاً لمكتب المدعي العام في فلاندرز الشرقية.
ومن المقرر أن يمثل المتهم السوري، الذي لم يكن معروفاً للشرطة أو القضاء، أمام الدائرة التمهيدية يوم الثلاثاء للنظر في استمرار احتجازه، في حين رفض محاميه التعليق حالياً.
حزن على الموظف: "كان محبوباً"
كان "إريك ب". موظفاً محبوباً وذو خبرة طويلة في مركز خينت للرعاية الاجتماعية، وقد ترك مقتله صدمة وحزناً عميقين بين زملائه.
وأوضح أحد المقربين منه: "عمل هنا لمدة 27 عاماً وكان على دراية واسعة بعمله. لم يكن هناك أي بروتوكول للمخاطر بخصوص هذا الرجل، لم يسبق له أن مارس العنف، ولم يكن هناك ما يوحي بأنه سيقوم بذلك. ما الذي حدث؟ لا نعرف.. إنه أمر فظيع للغاية".
ووصفه زملاؤه في المركز بأنه عامل مجتهد ومتفانٍ يتمتع بخبرة واسعة، وكان يعرف مجمع الإسكان الاجتماعي في "نيو خينت" جيداً. وقال أحدهم: "كان رجلاً طيب القلب، لطيفاً. إن ما جرى له محزن للغاية".
ولم يكن لدى إريك أطفال، في حين يعيش والداه في مركز رعاية سكنية. وقد خلفت وفاته المأساوية حزناً كبيراً بين المختصين الاجتماعيين في خينت، حيث تجمع المئات منهم يوم الخميس الماضي أمام مبنى البلدية في وقفة احتجاجية، وقفوا خلالها دقيقة صمت، أعقبتها تصفيقات حارة وإضاءة الشموع ووضع الزهور.
وعبّر كثير من البلجيكيين عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن حزنهم العميق واستيائهم من الجريمة التي هزّت مدينة خينت.
عائلة المتهم مصدومة
من جانبها، أعربت عائلة اللاجئ السوري عن صدمتها. وقال ابن شقيق "أنس س": "لماذا فعل ذلك؟ هل من دليل؟ بصراحة، لا نصدق أنه قادر على قتل أحد".
وأضاف: "غادر سوريا مع لاجئين آخرين منذ نحو عشر سنوات بسبب الحرب، ولم تأتِ عائلته معه. بقي وحيداً في بلجيكا، وبعد ذلك أصبح تواصلنا معه متقطعاً. كنا نتبادل الرسائل أحياناً عبر ماسنجر، فقط للاطمئنان على أحواله. آخر مرة تحدثت إليه كانت منذ أربعة أشهر، وبدا حينها كل شيء طبيعياً".
وأوضح أن لأنس إخوة ما زالوا يعيشون في سوريا، وأن والده توفي منذ سنوات في حين لا تزال والدته على قيد الحياة، مضيفاً: "لطالما كان التواصل صعباً، فهو في بلجيكا وهي في سوريا".