جرمانا تعجّ بمافيات مخالفات البناء و"المحافظة" تغضّ النظر

تاريخ النشر: 17.08.2020 | 16:02 دمشق

فتحي أبو سهيل - تلفزيون سوريا

لم تستطع أي جهة في ريف دمشق أن تكبح عصابات مخالفات البناء في مدينة جرمانا التي كانت ذات أغلبية درزية بينما لم تعد كذلك الآن، فمنذ عام 2011، ظهرت أحياء مخالفة بالكامل وعلى أعين الجميع دون تدخلٍ يذكر، ومِن هذه الأحياء منطقة خلف الفرن الآلي، و"دف الصخر" المخالفة بالكامل وعمرها لا يتعدى 8 سنوات، لتجذب المدينة عشرات آلاف المهجّرين إليها دخلوا في نسيجها.

ولم تقتصر المخالفات على تلك المناطق، بل سهّل رؤساء البلديات المتعاقبين المخالفات وتغاضوا عنها لزيادة النازحين فيها مِن أماكن مختلفة، وضرب "التكتل من طائفة واحدة"، على حد تعبير أحد أصحاب المكاتب هناك وهو مِن سكان المدينة.

وأكد أن جميع المتواطئين من الفروع الأمنية والبلدية والمحافظة لهم حصصهم، سواء بشقق في الأبنية أو بمقابل مادي لقاء التغاضي عن الأبنية أو الطوابق المخالفة التي ظهرت بشكل علني في المدينة، حيث شُيّدت ثلاثة طوابق على الأقل إضافية في أغلب أبنية المدينة.

وتابع "كانت الأمور تسير دون شوشرة، حتى بدأت بعض الأبنية والطوابق في الانهيار، ليكون عام 2019 عام تهدئة النفوس وتبديل الطرابيش، لتعود القضية بشكل أكبر من السابق اليوم لكن بمقابل مادي أكبر، وتتحول القضية من أرق يقض مضجع المحافظة إلى (سبوبة) بشكل شبه شرعي".

 

حين طفت القضية على السطح

في عام 2018 انهار بناء سكني كامل في حي الروضة نتيجة حفريات مجاورة لمحضر سكني مخالف كانت نتيجتها توقيف رئيس البلدية برجس حيدر على ذمة التحقيق، علماً أن رئيس البلدية ذاته تعرض لإطلاق نار على سيارته عام 2017 من قبل أحد تجار البناء المسلحين والذي يتبع لإحدى الفروع الأمنية، خلال تنفيذ عملية هدم مخالفة تم ختمها سابقاً بالشمع الأحمر لكن تم نزع الختم، لتقوم البلدية بمحاولة إيقاف المخالفة من جديد، وخلال التنفيذ استهدف المسلح سيارة رئيس المجلس وعناصر شرطة البلدية المرافقين له وسائق رئيس المجلس بإطلاق أعيرة نارية دون إصابة أحد، ثم لاذ بالفرار وطُويت القضية دون تطورات.

بعد توقيف برجس حيدر عام 2018 وإقصائه عن المشهد بضغوط من قبل مافيات المخالفات، عيّن بدلاً منه خلدون عفوف، وفي 2019 انهار جزء من بناء قيد الإنشاء في الطابق الرابع فني بحي الحمصي وأدّى لسقوط جزء من بناء مخالف من دون ترخيص مخلفاً جريحين من العمال الذين كانوا يشيدون المبنى المخالف، ليستقيل "عفوف" بعد ذلك بأشهر نتيجة ضغوط، ويتم تعيين غسان رافع لفترة، ثم تسليم أحد أكبر تجار العقارات في المنطقة - حسب سكان المنطقة - رئاسة البلدية وهو عمر سعد.

 

نظرية مرفوضة

ينفي صاحب مكتب عقاري نظرية التغيير الديموغرافي، مشيراً إلى أن كل القضية تتمحور حول بقاء جرمانا آمنة نسبياً ودون نزاع مسلح مقارنة بمحيطها، ونزوح سكان الأرياف المجاورة إليها ما زاد من الطلب على الشقق السكنية، لتبدأ عملية استغلال حاجتهم للسكن الرخيص وسط ارتفاع أسعار العقارات النظامية.

وتابع "تجار العقارات العمالقة من أهل مدينة جرمانا نفسها وهم معروفون بالأسماء، استغلوا أموالهم وأفسحوا المجال للمتنفذين والفاسدين لاستغلال الوضع محققين أموالاً طائلة، لذلك لم يستمر أي رئيس بلدية أو مجلس بلدية يخالف رغباتهم".

وتابع "لا يمكن أن تكون هذه النظرية صحيحة لأن أغلب التجار المستفيدين من الأبنية المخالفة هم تجار العقارات من أهل جرمانا وبالتأكيد ساندهم بذلك متنفذون من الفروع الأمنية"، مضيفاً "الغريب في القضية هو عدم قدرة أحد على ضبط ما يجري"، مشيراً إلى أن "للمخالفات دور إيجابي في استيعاب النازحين، لكن له خطورة كبيرة من ناحية الأمان".

ونتيجة الانهيارات السابقة وانتشار المخالفات تم حل مجلس المدينة أكثر من مرة على مدار سنوات الحرب، إلا أن النتائج غير ملموسة نهائياً.

 

كيف تعمل البلدية اليوم؟

هدأ الحديث مؤخراً عن المخالفات وعصاباتها في جرمانا، لكن وحسب بعض متعهدي البناء، فإن العمل اليوم مختلف عن السابق، حيث يستصدر المخالفون رخص بناء نظامية بمبالغ تتراوح بين 2000 إلى 15000 دولار، حسب المساحة والمنطقة ونوعية المخالفة (بناء طابقي أم طابق واحد أم اثنين وهكذا).

ويؤكد المتعهدون أن الدفع حصراً بالدولار وعبر وسطاء، وبعد الحصول على الرخصة يتم الانتظار بعض الوقت لتشييد شيء ما يمكن رؤيته، ثم ترسل ورشة الهدم وتقول إن المكان مخالف ولا يمكن أن تكون الرخصة حقيقية ويتم هدم جزء من البناء وإلغاء الرخصة، وبهذه الطريقة تحمي البلدية نفسها، ويترك المخالف يعمل.

أما الأسلوب الثاني للمخالفات، فهو التغاضي عن المخالفة نهائياً حتى تتم، ثم ترسل ورشة للهدم بعد الانتهاء، ويسجل تاريخ المخالفة قبل عام 2011، لتكون بذلك خاضعة للمرسوم رقم 40 والذي صدر عام 2012 وأتاح المصالحة على الأبنية المخالفة قبل تاريخه، بينما منع ما بعدها وشدد على إزالتها بالكامل مع فرض عقوبات تصل للسجن بمدد مختلفة تصل إلى 10 سنوات والأشغال الشاقة حتى لشاغلي البناء المخالف.

 

اعترافات رسمية متكررة

كثير من الصحف الرسمية والخاصة والمواقع الإلكترونية وصفحات الفيسبوك، نشرت وما تزال تنشر عن معضلة القضاء على مافيات مخالفات البناء في جرمانا، وتخللت تلك المواد الصحفية اعترافات رسمية وشبه رسمية حول حجم الفساد الحاصل.

في 2017، خرج عضو المكتب التنفيذي لمحافظة ريف دمشق المسؤول عن قطاع الوحدات الإدارية منير حسيب شعبان، ليؤكد عبر صحيفة "الأيام"، أن هناك مخالفات تشيد تحت الظلام في جرمانا مقدراً عددها بالمئات سواء في جرمانا أو غيرها بريف دمشق، قائلاً "ما تزال تنتشر المخالفات على الأراضي الزراعية، وأضحت ثقافة لدى مجموعة من المستفيدين بالتواطؤ مع بعض عناصر في البلديات".

ولفت أن "المحافظة أنجزت العديد من المخططات التنظيمية في معظم الوحدات الإدارية ورغم التعاميم والتوجيهات الصادرة عن المحافظ بالتشدد على قمع المخالفات وتطبيق 40 وتعليماته التنفيذية لعام 2012، فإنَّ هذه الظاهرة لم تتوقف وهي تشكل هاجساً وعبئاً كبيراً على كاهل المحافظة والوحدات الإدارية لجهة تأمين الخدمات".

وتابع "هناك سماسرة تعمل على استغلال حاجة النازحين إلى السكن، وهؤلاء الفاسدون لا بد من محاسبتهم وجميع أسماء تجار المخالفات معروفة لدى جميع الوحدات الإدارية"، مؤكداً ضرورة التعاون مع الجهات الأمنية لوقف ظاهرة المخالفات.

وفي 2018، نشرت صفحات فيسبوك - مرفقة بالصور - عن مخالفات ضخمة تُشيّد إحداها عند مدخل مدينة جرمانا، دون أي تدخل رسمي يذكر.

ونشرت صحيفة "تشرين" عام 2019 نقلاً عن مصادر بمحافظة ريف دمشق، قولها إن رؤساء البلديات السابقين كانوا يغضّون النظر عن بعض المخالفات مقابل مصالح مادية، وتم إعفاؤهم وإحالتهم إلى القضاء، وفي العام ذاته وعلى خلفية توقيف بعض عمال البلدية، نقلت صحيفة الوطن عن مصادر في المحافظة قولها إن "المسألة تتعلق بفساد مالي أدى إلى زيادة عدد مخالفات البناء في المدينة".

 

الوجه الإيجابي

أكد عدد من المكاتب العقارية، أن جرمانا تعاني اليوم من ركود ضخم في العقارات، وسط وجود فائض بمئات الشقق التي لا يوجد لها زبائن، ما ساهم بانخفاض أسعار الشقق بشكل ملحوظ، حيث تنتشر الأبنية المخالفة غير المكسية في كل مكان.

وأشاروا إلى أن ارتفاع أسعار مواد البناء نتيجة التضخم، ساهم بعجز كثير من التجار على إتمام الإكساء، وعدم قدرتهم على بيع الشقق بأسعار تحقق مرابح جيدة.

وأضافوا أن معظم أبنية جرمانا اليوم، لا تتضمن المواصفات الضرورية للحياة لا من ناحية المساحة ولا التصميم ولا الإضاءة الشمسية، بسبب التصميم الخاطئ والعجول لإتمام المخالفات، وبالتالي ساهم ذلك بعزوف الزبائن عن أبنية كاملة.

كلمات مفتاحية