قال ياقوت الحموي في معجم البلدان:
"جَرْمانا: بالفتح، وبين الألفين نون، من نواحي غوطة دمشق".ثم أورد قول الشاعر الدمشقي ابن منير معدداً مصايف دمشق :
بالنَّيرَبَيْنِ فمَقْرَى فالسريرِ فجمرايا ... فجوِّ حواشي جسرِ جسرينِ
"فالقصر المرج فالميدان الشرف الأعلى ... فسطرا في جرمانا فقلبين"
يضع هذا البيت جرمانا في سلسلة من الأمكنة الدمشقية، فتظهر القصيدة كأنها خريطة أدبية تبدأ من المدينة وميادينها، ثم تمتد إلى قرى الغوطة وبساتينها. ومنذ أقدم ذكر واضح وصل إلينا، عُرّفت جرمانا بعلاقتها بدمشق، قرية من قرى المجال الريفي المحيط بالعاصمة، متصلة بمائها وزراعتها وطرقها وحركة أهلها. وقد حفظ ياقوت الاسم في القرن الثالث عشر، وحفظ معه موضع جرمانا ضمن جغرافية غوطة دمشق.
أثبت ياقوت إلى جانب "جرمانا" صيغة "جرمانس"، وذكر أن الحافظ أبا القاسم أوردها بين قرى الغوطة. والمقصود بالحافظ أبي القاسم هو، ابن عساكر صاحب تاريخ مدينة دمشق. كما وردت «جرمانس» في الكلام على بيت سابا، وهي ضيعة قديمة من إقليم بيت الآبار قريبة من جرمانا. ويمنح هذا جرمانا حضورًا في الجغرافيا الدمشقية الوسيطة، ويؤكد قِدم الاسم والموضع.
تتداول الذاكرة المحلية تفسيرًا آراميًا أو سريانيًا للاسم بمعنى الرجال الأقوياء أو الشجعان، كما يرد أحيانًا تفسير بمعنى "العظمى". وتمثل هذه الأقوال جزءًا مهمًا من هوية السكان وذاكرتهم.
في حين تربط روايات محلية عمر جرمانا بعمر دمشق. وتسمح المادة المتوافرة بصياغة أدق للاسم فجرمانا موضع قديم داخل المجال التاريخي لدمشق، في حين تشكل مجتمعها الحالي عبر القرون الحديثة. فاسمها مثبت منذ العصور الوسطى، أما الاستمرارية السكانية عبر كل العصور فتحتاج إلى مسح أثري وسجلات متتابعة، في حين يعود تكوّنها بوصفها قرية درزية متماسكة إلى القرن التاسع عشر بصورة رئيسة.
ظهرت جرمانا ضمن إقليم ريفي قديم يسمى بيت الآبار، وكانت المليحة ودير هند وبيت سابا وجرمانا من أعماله. ويربط محمد كرد علي ومحققون حديثون مركز بيت الآبار بخرائب تل أم الأبر شرقي جرمانا، على طريق المليحة وغربي دير خليل، قرب مجرى نهر العقرباني.
أما بيت سابا فكانت ضيعة قريبة من جرمانا ضمن الإقليم نفسه، وارتبطت بملكية أموية، إذ ذكرت المصادر أن هشام بن يزيد الأموي سكنها، وأنها كانت لجده يزيد بن معاوية. وتضعها النصوص "عند جرمانس"، أي في الحزام الزراعي المحيط بشرق جرمانا أو جنوبها الشرقي، بين نواة القرية القديمة وأراضي بيت الآبار والمليحة.
تكشف هذه المواضع أن جرمانا كانت جزءًا من شبكة قرى وضياع ومزارع وأديرة وطرق مائية شرقي دمشق، لا قرية منفردة عن محيطها.حيث مثّل نهر العقرباني رابطًا مباشرًا بين جرمانا ودمشق. وهو فرع من شبكة بردى، كان يمر في المجال الشرقي للعاصمة ثم يتجه نحو أراضي جرمانا وعقربا وبيت سحم. وبفضله ازدهرت البساتين والأراضي المسقية، واشتهرت جرمانا بالمشمش والجوز والخوخ والخضراوات وتربية المواشي.
كانت العلاقة بين القرية والعاصمة علاقة ماء وغذاء وعمل. فقد حمل أهل جرمانا منتجاتهم إلى أسواق دمشق، بينما وفرت المدينة فرص العمل والتعليم والتجارة. ومع التوسع العمراني تحولت البساتين تدريجيًا إلى أبنية وورش ومصانع وطرق، وأصبحت جرمانا جزءًا متصلًا بالمجال الحضري الدمشقي.
تشير الدراسات إلى وجود تجمعات درزية في محيط دمشق منذ مراحل مبكرة، كما شهدت بلاد الشام هجرات درزية متعاقبة بعد معركة عين دارة سنة 1711 وخلال القرن التاسع عشر، من جبل لبنان ووادي التيم وجبل الشيخ وفلسطين باتجاه حوران ومحيط دمشق.
أما جرمانا الدرزية بصورتها الحديثة فتبلورت خصوصًا بعد أحداث سنة 1860. فقد أدت الحرب الأهلية في جبل لبنان والعنف الذي وصل إلى دمشق إلى حركة واسعة للسكان. شارك مسلحون من جماعات مختلفة في أحداث العاصمة، وبرزت أيضًا جهود علماء وأعيان والأمير عبد القادر الجزائري في حماية المسيحيين. وفي الأرياف تداخلت الانقسامات الطائفية بالخصومات المحلية والفراغ الأمني والمصالح الاقتصادية.
بعد تلك الأحداث تكاثفت الهجرات الدرزية إلى جرمانا. جذبت القرية الوافدين بقربها من دمشق ولوجود تجمعات درزية محلية قديمة فيها، إضافة إلى توافر الأرض والمياه، ووقوعها على طرق الاتصال بالجنوب، ووجود شبكات القرابة والحماية الاجتماعية. جاءت العائلات في أزمنة متعددة ومن مناطق مختلفة، من لبنان و جبل السماق شمالي سوريا.فتكوّن مجتمعها من أصول مرتبطة بالشوف ووادي التيم وجبل الشيخ وجبل العرب وسواها.
قدمت الباحثة الأنثروبولوجية ماريا كاسترينو دراسة عميقة عن جرمانا، رأت فيها أن كلمة «بيت» تعني البناء والأسرة والذرية وشبكة القرابة في آن واحد. ودرست خصوصًا بيتَي عبود–حداد وعوّاد، لتكشف العلاقة بين العمارة والتدين والتعليم والسياسة والطبقة الاجتماعية.
يمثل بيت عبود–حداد عائلة قديمة ذات مكانة دينية، خرج منها شيوخ وعُقّال. وكان منزلها التقليدي يتألف من غرف متجاورة وإيوان وساحة ومضافة لاستقبال الضيوف والاجتماعات. ومع توسع المدينة انتقل البيت العائلي من الامتداد الأفقي إلى البناء العمودي، فسكنت أسر الأبناء في طوابق مختلفة ضمن المبنى نفسه.
أما بيت عوّاد فيمثل مسارًا أكثر ارتباطًا بالتعليم الجامعي واليسار والثقافة المدنية. وتروي ذاكرته العائلية انتقال الجد إلى جرمانا سنة 1920، وصلات الأسرة بالشوف والسويداء، ومشاركة أحد أفرادها في جيش سلطان باشا الأطرش.
وتظهر المقارنة أن دروز جرمانا مجتمع متنوع داخليًا، يضم العُقّال وسائر أبناء الطائفة، وملاك الأراضي والعمال والموظفين والتجار، والمحافظين والقوميين واليساريين وأصحاب الاتجاهات المختلفة. وتعمل الهوية الدرزية إطارًا جامعًا إلى جانب فروق التعليم والطبقة والسياسة والتدين.
يُعد مقام سيدنا الخضر في حي الخضر أشهر مركز ديني درزي في جرمانا. يقصده السكان للصلاة والتبرك والنذور والاجتماعات، ويحمل الخضر مكانة واسعة في الموروث الدرزي الإسلامي والمسيحي على حد سواء، ويعود البناء الموسع القائم إلى ترميم كبير سنة 1990، في حين تحمل الرواية الشفوية للموقع قداسة أقدم.
كما تضم جرمانا خلوات ومجالس دينية وعائلات عُرفت بالمشيخة والعقل، ويظهر تقليدها الديني الموثق بوضوح منذ القرن التاسع عشر. تضم جرمانا مقبرة عامة لأبناء طائفة الموحدين الدروز، تُعرف باسم "مقبرة جرمانا للموحدين الدروز" أو اختصارًا "مقبرة الدروز".
تتمتع جرمانا بوزن ديني قوي بين دروز دمشق وريفها. وقد مثّلها شيوخ ذوو حضور سوري واسع، من بينهم الشيخ جليل أبو حمود فارس، ثم الشيخ هيثم كاتبة. وتعمل المرجعية الدينية الدرزية السورية ضمن مراكز متعددة، تحمل السويداء ثقلها السكاني الأكبر، في حين تمثل جرمانا قطب العاصمة والضواحي، وتؤدي دورًا في الوساطة وتنظيم الشؤون الدينية والاجتماعية والتواصل مع مؤسسات الدولة.
وفي حين يرتبط تاريخ المنطقة المسيحي بالأديرة والقرى القديمة شرقي دمشق، مثل دير هند ودير خليل وبيت سابا. أما الحضور المسيحي الحديث في جرمانا فيظهر من خلال كنائس ومؤسسات متعددة، منها كنيسة القديس أنطونيوس الكبير وكنائس للروم الأرثوذكس والسريان الكاثوليك، إلى جانب مراكز اجتماعية وثقافية مثل بيت ألبرتو هورتادو اليسوعي. الذي افتتحه اليسوعيون سنة 2020 وهو مركز مجتمعي وثقافي وتعليمي يقدم ورشًا فنية وأنشطة شبابية ومساحات للحوار، ويخدم سكان المدينة على اختلاف انتماءاتهم، في تجسيد للطابع المتعدد والمتعايش الذي اكتسبته جرمانا الحديثة.
يحمل البيت اسم ألبرتو هورتادو كروتشاغا، وهو كاهن يسوعي ومحامٍ وعالم اجتماع تشيلي عاش بين عامي 1901 و1952، وكرّس حياته لخدمة الفقراء والعمال والأطفال المشرّدين والدفاع عن العدالة الاجتماعية وكرامة الإنسان. أسس في تشيلي مؤسسة "بيت المسيح"، التي وفرت المأوى والرعاية للمحتاجين، وصار أحد أبرز رموز العمل الاجتماعي المسيحي في أميركا اللاتينية. أعلنت الكنيسة الكاثوليكية قداسته سنة 2005.
وجاء اختيار اسمه للمركز في جرمانا لارتباط رسالته بفكرة البيت المفتوح أمام الجميع؛ فهورتادو جمع بين الإيمان والعمل الاجتماعي، ورأى في خدمة الإنسان، بصرف النظر عن أصله أو طبقته، جوهرًا للرسالة المسيحية. ولهذا ينسجم اسمه مع وظيفة المركز في جرمانا التي تكرس فكرة استقبال الشباب والعائلات، ودعم التعليم والفنون، ومرافقة الفئات المتضررة، وخلق فضاء يلتقي فيه أشخاص من طوائف وخلفيات متعددة. فالاسم يعبر عن توجه المركز نحو المصالحة وخدمة المجتمع وبناء الثقة، أكثر من تعبيره عن نشاط رعوي موجّه إلى جماعة دينية واحدة.
وهكذا انتقلت علاقة جرمانا بالمسيحيين من ذاكرة اضطرابات سنة 1860 إلى حياة مدينية مشتركة تضم الكنيسة والمقام والمدرسة والسوق، وتشهد تفاعلًا يوميًا بين جماعات دينية متنوعة.
أدت جرمانا دورًا مهمًا في شبكة الاتصال بين الوطنيين الدمشقيين ودروز جبل العرب. فقد امتلكت عائلات دمشقية، مثل آل البكري، أراضي وعلاقات فيها، واستُخدمت هذه الروابط في التواصل مع شيوخ الجنوب.
في سنة 1925 انضم رجال من جرمانا إلى الثورة، في حين اختار آخرون مواقف مختلفة. ثم قصفت القوات الفرنسية البلدة بالطائرات والمدفعية، ودخلتها في تشرين الأول فنهبتها وأحرقت قسمًا كبيرًا منها. فأصبح تدمير جرمانا أحد دوافع المقاتلين الدروز السوريون المشاركين في الهجوم على دمشق يوم 18 تشرين الأول.
يتحدد دور جرمانا في ثورة 1925 عبر ثلاثة جوانب مشاركة بعض أبنائها، وكونها حلقة اتصال بين دمشق والجبل، وتجربتها المباشرة مع القصف والعقاب الجماعي الفرنسي.
تحولت جرمانا خلال القرن العشرين من قرية زراعية إلى ضاحية صناعية وسكنية كثيفة. وارتفعت قيمة الأرض، فاستفادت بعض العائلات القديمة من الملكية العقارية، في حين عاش كثير من الوافدين في مساكن مستأجرة. كما جذبت المدينة طلابًا وفنانين وكتّابًا وعاملين في المهن المختلفة بفضل قربها من دمشق وتنوعها الاجتماعي.
أدى الامتداد العمراني إلى اتصال جرمانا بالدويلعة والطبالة وطريق المطار والمتحلق الجنوبي، وتراجعت الحدود الزراعية القديمة. وكانت نواتها التاريخية تتمركز حول البيوت والمضافات ومقام الخضر والأسواق الصغيرة، ثم توسعت إلى أحياء البلدية والروضة والجناين والجمعيات والنهضة وكرم صمادي وغيرها.
أُنشئ مخيم جرمانا الفلسطيني سنة 1948 أو 1949، واستقبل لاجئين من قرى صفد وطبرية وعكا. وحملت حاراته أسماء القرى الفلسطينية، ثم استقبل بعد 1967 نازحين من الجولان والقنيطرة. ونشأت بين المخيم والمدينة علاقات عمل وتعليم وتجارة ومصاهرة، مع احتفاظ المخيم بخصوصيته القانونية والخدمية.
بعد حرب العراق سنة 2003 أصبحت جرمانا من أبرز مناطق إقامة العراقيين، مسلمين ومسيحيين ومن جماعات اجتماعية متنوعة. وظهرت فيها المطاعم واللهجات والفنون والأسواق العراقية، كما افتتحت مؤسسات دولية ومحلية عيادات ومراكز لخدمتهم.
ومنذ سنة 2011 استقبلت المدينة أعدادًا كبيرة من النازحين السوريين، فتضاعف سكانها واشتد الازدحام وارتفعت الإيجارات وانتشر البناء العمودي والسكن في الأبنية غير المكتملة. وهكذا أصبحت جرمانا مدينة هجرة ولجوء، تجمع دروزًا مسلمين ومسيحيين وفلسطينيين وعراقيين وسوريين من مناطق متعددة.
تقوم أهمية جرمانا التراثية على أربعة أنواع من الشواهد أولها ذكرها في كتب ياقوت وابن عساكر، وارتباطها ببيت الآبار وبيت سابا ونهر العقرباني، وبيوتها القديمة ذات الساحات والإيوانات والمضافات، ومقام الخضر والخلوات والكنائس.
إن أثر جرمانا الأساسي يظهر في قدرتها على حفظ طبقات متوالية من التاريخ والذاكرة من تحولها من قرية في الغوطة القديمة، إلى المجتمع الدرزي المتشكل عبر الهجرة، وبلدة الثورة، ومدينة اللجوء والتنوع. ولهذا بقيت جارة الفيحاء جزءاً لا يتجزأ من العاصمة بحكم الماء والطريق والقرابة والاقتصاد والذاكرة، لا بحكم المسافة وحدها.
تكشف تجربة جرمانا أن العلاقة التقليدية بين الأقليات الدينية والاحتماء بالجبال لم تكن قدرًا جغرافيًا دائمًا. فقد استطاع الدروز السوريون كسكان أصليين وشركاء حقيقيين في الوطن أن يؤسسوا في أرض سهلية مفتوحة، على مقربة مباشرة من دمشق، مجتمعًا مستقرًا وفاعلًا، مندمجًا في اقتصاد العاصمة وحياتها، مع احتفاظه بخصوصيته الدينية والاجتماعية. وبذلك قدمت جرمانا نموذجًا مختلفًا عن تجمعات الجبل الأشم ،نموذجًا يقوم على القرب من الحاضرة، والتجارة، والتعليم، والتواصل اليومي مع الجماعات الأخرى، بدل الانعزال خلف التضاريس الوعرة.
ومع أن تاريخ المدينة عرف مراحل من الاضطراب، ولا سيما قصفها وتدمير أجزاء منها خلال الثورة السورية الكبرى، فإن وجودها الطويل بجوار واحدة من أكبر حواضر بلاد الشام يثبت أن أمن الأقليات لا يرتبط بالجبال وحدها. فالأمان يمكن أن ينشأ أيضًا من المواطنة، والمصالح المتبادلة، وشبكات القرابة والعمل، والاندماج في المجال الحضري، وبناء علاقات مستقرة مع المحيط. رغم تخبطات السياسة.
وبهذا المعنى، أثبتت جرمانا أن حماية التنوع تتحقق عبر المجتمع والقانون والشراكة أكثر مما تتحقق عبر وعورة المكان.. فالمدينة المفتوحة قد تصبح وطنًا آمنًا بقدر ما يصبح الجبل ملجأ.
لجان الجمال الحضري أو الشراكة الثقافية في إعادة بناء المدن السورية
اللغة الآرامية في الجامعات السورية
هل سيتم نقل ضريح عماد الدين النسيمي في حلب؟
كيف تبني سوريا ثقافة تحمي الإنسان؟
من فوكسفورد إلى شارع بغداد.. لعنة "مايو" ولعنة "شيخ الأندية"