"جرعة تطبيع" جعلت الأسد منتشياً يطالب ببسط نفوذه و"طرد الأغراب"

تاريخ النشر: 11.10.2021 | 07:10 دمشق

إسطنبول - تيم الحاج

يُطبّع نظام الأسد مع الأردن أو يُطبّع الأردن معه، لا فرق فالأمر بات واقعا بعد أن كان شبه مستحيل نظرا لرفع شعارات رحيل الأسد من قبل زعماء العرب كان من بينهم ملك الأردن قبل سنوات، لكن وبعيدا عن "التطبيع الأردني" مع الأسد ثمة نشوة تجلت على بشار ومسؤوليه تُفصح عنها تصريحاتهم الأخيرة التي جاءت محمولة على رسائل تهديد واضحة ومباشرة، تُزيد من حالة البحث عن عناصر قوة قد تكون دخلت أو أُدخلت إلى جعبة الأسد الذي بات يرفع صوته عاليا مطالبا بطرد من وصفهم بـ "القوى الأجنبية"، ومؤكدا على بسط نفوذه على كامل سوريا.

قد تبدو هذه المطالبات مكررة وليست بجديدة، إلا أن ما سبق وما يوازي وما لحق إطلاقها من أحداث يستدعي الربط والتحليل والقراءة، خاصة إن كان هناك مؤشر بدأ يطل برأسه، وبدأ يرسم مشهدا لجولة عسكرية جديدة في ميدانين شمال سوريا واحد بشرقها وآخر بغربها.

 

 

أهم زيارة لموسكو.. حينما يشجع بوتين بشار الأسد

لا شك أن لقاء بشار الأسد بالرئيس الروسي، فلاديمير بوتين منتصف أيلول الماضي، لم يكن عابرا  بل يبدو أنه كان بداية مرحلة جديدة في سوريا، فبعد هذا اللقاء المفاجئ إعلاميا، المخطط له جيد بالغرف المغلقة، برزت عدة متغيرات على الساحة، لعل على رأسها اتصال ملك الأردن، عبد الله الثاني ببشار، وعودة رفعت الأسد إلى سوريا بصفقة قيل إن فرنسا وروسيا رعتها.

وقد أكد في وقت سابق وزير خارجية النظام، فيصل مقداد أهمية هذا اللقاء لصحيفة "الوطن" الموالية، واصفا إياها بـ "أهم زيارة يجريها الأسد لموسكو".

وخلال اللقاء، بدا واضحا أن بوتين شحن الأسد معنويا ووصل به الأمر إلى إيراد معلومة خاطئة عن المساحة التي تسيطر عليها قوات النظام حينما قال إنها تصل إلى 90 بالمئة، مبديا أسفه لوجود ما وصفها بـ "جيوب مقاومة للإرهابيين"، وقال "المشكلة الرئيسية، في رأيي، تكمن في أن القوات الأجنبية موجودة في مناطق معينة من البلاد دون قرار من الأمم المتحدة ودون إذن منكم، وهو ما يتعارض بشكل واضح مع القانون الدولي ويمنعكم من بذل أقصى الجهود لتعزيز وحدة البلاد ومن أجل المضي قدما في طريق إعادة إعمارها بوتيرة كان من الممكن تحقيقها لو كانت أراضي البلاد بأكملها تحت سيطرة الحكومة الشرعية".

وتلقفت على الفور وسائل إعلام تركية حديث بوتين عن القوات الأجنبية وشرعيتها، خاصة وأن هذا اللقاء جاء قبل نحو 15 يوما من قمة جمعت بوتين والرئيس التركي، رجب طيب أردوغان في سوتشي، وقد علّق الكاتب التركي محرم صري كايا في صحيفة "خبر تورك"، على تصريح بوتين بالقول "التصعيد الذي تضاعف في المنطقة كان واضحاً منه التصعيد المستقبلي في إدلب".

ولفت إلى أنّ لقاءات بوتين السابقة مع الأسد تبعتها عمليات تصعيد لاحقاً، في إشارة إلى احتمال اندلاع معركة في إدلب، هذا الاحتمال  الذي يبدو وفق وكالة "بلومبيرغ" التي نقلت بعد أيام من لقاء بوتين بالأسد عن مسؤولين أتراك (فضلوا عدم كشف هوياتهم) أنه قائم، فقد كشف المسؤولون أن الحكومة التركية تخشى أن تؤدي محاولة قوات الأسد المدعومة من روسيا للتحرك على معقل المعارضة في إدلب إلى تدفق المزيد من اللاجئين نحو الحدود التركية.

وأشارت الوكالة إلى أنه على الرغم من عدم وجود ما يشير إلى حصول هجوم شامل، فإن تصاعد الهجمات التي تشنها الطائرات الحربية الروسية وقوات الأسد على مناطق إدلب قد جذب انتباه المسؤولين الأتراك.

ولم تبدد قمة بوتين أردوغان في 29 من أيلول الماضي، المخاوف لدى سكان إدلب من حصول عمل عسكري قد يرهقهم ويدفعهم  للعودة إلى قافلات النزوح والتهجير.

فلقاء الرجلين الذي استغرق ساعتين و45 دقيقة، لم يسفر عن مؤتمر صحفي مشترك، فقط اكتفى بالإشارة إلى أنه كان "مثمرا".

اصطياد بالمياه العكرة

وفق المعطيات الحالية يبدو أن بشار الأسد اختار الاستفادة من التناقضات الحالية بين حلفاء "أستانا" (تركيا، روسيا، إيران)، مع حديث لوزير خارجيته، فيصل المقداد عن "تغيير  الدول الغربية مواقفها تجاه النظام".

الأسد بدأ يعزف على وتر التضاد الطارئ بين روسيا وتركيا الذي ظاهره في سوريا ومرده إلى تعقد بعض الملفات بينهما خارج الحدود السورية كأوكرانيا على سبيل المثال التي تعتبر من الملفات المعقدة بين أنقرة وموسكو هذه الأخيرة التي تخشى من التمدد التركي في كييف وجرها إلى حلف الناتو، كما تبدي (روسيا) قلقها من شراء أوكرانيا للطائرات التركية المسيرة ولقيام جنود أتراك بتدريب نظرائهم الأوكرانيين عليها.

وبالعودة إلى سوريا، فإن الأسد يُطلق تصريحاته ذات السقف العالي بخصوص السيطرة والهيمنة، بالتزامن مع ارتفاع صوت هدير الطائرات الروسية شمال غربي سوريا، فمنذ نحو شهر تقريبا والطائرات الروسيّة ومدافع قوات النظام تواصل قصف منطقة إدلب والأرياف المتصلة بها من محافظات حلب وحماة واللاذقية، مع حديث وسائل إعلام موالية عن "معركة وشيكة" في إدلب.

وسبق وأن أفادت وسائل موالية للنظام، بأن الأخير أرسل مطلع تشرين الأول الحالي، تعزيزات عسكرية ضخمة إلى مناطق التماس مع الفصائل العسكرية في منطقة إدلب، حتى أن وكالة "سبوتنيك" الروسيّة نقلت عن "مصدر ميداني في النظام"، أنّ "قوات النظام أرسلت تعزيزات عسكرية ونوعية إلى جبهات ومحاور ريف إدلب الجنوبي"، مضيفا أنّ التعزيزات شملت دبابات ومدرّعات وآليات عسكرية وعناصر وفرق اقتحام ومعدّات لوجستية".

وهذه التعزيزات وفق مراقبين، تأتي ضمن خطة لرفع كامل الجاهزية على محاور الاشتباك في جبل الزاوية جنوبي إدلب، ومنطقة سهل الغاب غربي حماة، وريف اللاذقية الشمالي الشرقي،

وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قد أطلق تهديدا يخص إدلب، في وقت سابق من هذا الشهر، مدعيا أن "الجماعات الإرهابية تواصل مهاجمة مواقع قوات النظام في منطقة خفض التصعيد بإدلب، إضافة إلى محاولاتهم التصرف ضد القوات الروسية هناك"، ورمى بالكرة إلى الجانب التركي حين طالبهم بـ  "ضرورة التنفيذ الكامل للاتفاقيات بين الرئيسين الروسي والتركي لعزل الإرهابيين في إدلب"، على حدِّ تعبيره.

 

بعيدا عن روسيا قريبا من إيران

يستغل الأسد على ما يبدو التوتر على الحدود الإيرانية الأذرية، حيث جرت هناك مناورات عسكرية ضخمة للطرفين. مكررا (بشار) وبحزم هذه المرة مطالبة تركيا بالانسحاب من سوريا هي والقوات الأميركية، وقال هذا الكلام لوزير خارجية إيران، حسين عبد اللهيان الذي زاره مؤخرا. معتقد أن جمرا تحت رماد العلاقات الإيرانية التركية بدأ يشتعل بسبب أزمة طارئة هي الأخرى في أذربيجان التي يعتبرها المسؤولون في أنقرة من الأمة التركية.

وكان الجيش الإيراني أطلق قبل نحو أسبوعين مناورات عسكرية شمال غربي البلاد على حدود أذربيجان، بمشاركة المدفعية وألوية مدرعة وطائرات مسيّرة وأدوات حرب إلكترونية، على خلفية تصاعد التوترات بين الجارتين.

وجاءت هذه المناورات على خلفية تصاعد الخلافات بين البلدين، بعد فرض حكومة باكو تعريفات مشددة على الشاحنات التي تنقل الوقود الإيراني إلى مدينة ستيباناكيرت عاصمة جمهورية "ناغورني قره باغ" المعلنة من جانب واحد والمدعومة من أرمينيا.

لتقوم بالمقابل أذربيجان بإجراء مناورات مع تركيا تحت اسم "الأخوة المتماسكة 2021"، وهنا دخلت تركيا على خط الأزمة، وعقب ذلك شنت وسائل إعلام إيرانية إلى جانب برلمانيين حملات تشويه تستهدف تركيا وأذربيجان بشكل يتعارض مع الأخلاق الدبلوماسية وعلاقات حسن الجوار، ويتجاهل القيم السياسية والثقافية والدينية المشتركة.