عاد صوت الجرافات إلى حي برزة البلد شمال شرقي دمشق، مترافقا مع احتجاجات الأهالي وإغلاق طرق، بعدما استأنفت الجهات المعنية عمليات إزالة أبنية تصفها محافظة دمشق بأنها مخالفة.
بالنسبة إلى السكان، ارتبطت هذه العمليات مباشرة بمخاوف تتعلق بمصير مساكنهم ومدخراتهم التي أنفقوها على الترميم وإعادة البناء خلال السنوات الأخيرة، في وقت ترتفع فيه كلفة السكن والإيجارات في دمشق، وتتسع الفجوة بين قدرة الأسر محدودة الدخل وأسعار العقارات.
بدأت التطورات في الأيام الماضية، عندما حاولت فرق تابعة للمحافظة هدم أحد الأبنية على طريق مشفى دمشق العسكري، الأمر الذي قوبل برفض من أصحابه وانتهى بسجال مع المهندس المكلف بالإزالة. وفي اليوم التالي، عادت قوة أمنية أكبر إلى المنطقة واستكملت الهدم، بالتزامن مع وصول جرافات إلى مناطق البساتين الواقعة أسفل الطريق الرئيسي.
وسبق ذلك إغلاق محال مخالفة وختمها، وفق رواية الأهالي، ما أسهم في تصاعد التوتر وانتهى بإغلاق الطريق احتجاجا على عمليات الهدم.
وأكدت محافظة دمشق أن عمليات الإزالة اقتصرت على مبانٍ غير مسكونة، في حين يقول سكان في المنطقة إن الإجراءات أثارت مخاوف أوسع تتجاوز الأبنية التي جرى هدمها فعليا، خصوصا في ظل عدم وضوح مصير بعض العقارات والإجراءات التي ستتخذ بحقها. وكانت مفاوضات بين ممثلي الأهالي والجهات المعنية قد جرت قبل استئناف عمليات الهدم، من دون التوصل إلى اتفاق يوقف الهدم أو يفتح مسارًا واضحًا لتسوية أوضاع العقارات.
بين المخالفة والحاجة إلى السكن
يرى رئيس مجلس شورى برزة البلد، أسامة رجب، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن القسم الأكبر من المتضررين من عمليات الهدم ينتمي إلى الفئات محدودة الدخل التي لجأت إلى الترميم والبناء على مراحل بحثًا عن مسكن أقل كلفة.
ويقول رجب إن كثيرًا من السكان أعادوا إعمار وترميم ما يمكن ترميمه خلال الفترة الماضية "لإيجاد سقف يؤون تحته من حر غلاء أسعار الإيجار"، موضحًا أن بعض الأهالي اضطروا إلى تنفيذ أعمال البناء على مراحل بسبب صعوبة تأمين كلفتها دفعة واحدة، في حين لجأ آخرون إلى الاستدانة.
وبحسب رجب، تكمن المخاوف الأساسية لدى الأهالي في خسارة الأموال التي أنفقوها على مساكنهم من دون وجود بديل واضح أو تعويض مقبول. ويشير إلى أن السكان يريدون معالجة أوضاع المنطقة بما يأخذ في الاعتبار ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب معالجة الأبنية التي تشكل مخالفة أو خطرًا.
ويصف رجب منطقة برزة البلد بأنها تعرضت خلال العقود الماضية لاستملاكات واسعة طالت، وفق تقديره، أكثر من نصف مساحة برزة العقارية، معتبرًا أن ذلك حدّ من إمكانية التوسع العمراني في المنطقة. ويطرح إمكانية البحث في معالجة ما يعتبره «ضررًا» وقع على المنطقة، من خلال الاستفادة من أجزاء ضمن برزة العقارية في إيجاد حلول عمرانية قريبة.
ماذا قالت محافظة دمشق للأهالي؟
خلال اجتماع ممثلي الحي مع محافظة دمشق، والتي مثلها معاون المحافظ السيد محمد الفيومي، قال رجب إن ممثلي السكان استمعوا إلى وجهة نظر المحافظة بشأن معالجة المخالفات.
وبحسب ما نقله رجب، ركزت المحافظة على إزالة المخالفات التي تتجاوز على الحق العام، إضافة إلى الحقوق الخاصة التي تكون محل شكاوى بينية، والأبنية المعدة لأغراض تجارية والتي قد ترتبط بمخالفات في معايير السلامة، مع وجود تداخل بين هذه الحالات.
وترى المحافظة، وفق الرواية التي نقلها رجب، أن التغاضي عن انتشار المخالفات يمكن أن يعقّد عمليات التنظيم مستقبلًا، ويزيد تكاليف تخديم المناطق من شبكات مياه وكهرباء وصرف صحي وطرق وخدمات أخرى، إلى جانب ما قد ينتج عن الاكتظاظ العمراني غير المنظم من مشكلات اجتماعية.
ويقول رجب إن ممثلي الأهالي طرحوا خلال الاجتماع أفكارًا قابلة للتطبيق، بينها البدء بتنظيم المنطقة من خلال مخطط عمراني واضح، مع استعداد المجتمع الأهلي للمساعدة في هذا المسار، إضافة إلى إبقاء باب الحوار مفتوحًا مع المحافظة للوصول إلى حلول تتعامل مع أوضاع العقارات والسكان.
وتضع هذه الروايات ملف برزة أمام معادلة دقيقة: الجهات الإدارية مطالبة بتطبيق قوانين البناء والحفاظ على السلامة والتنظيم، في حين يعيش جزء من السكان في ظروف اقتصادية تجعل أي قرار بإزالة المسكن مرتبطًا مباشرة بمصير الأسرة وقدرتها على تأمين بديل.
ماذا يقول القانون السوري عن الهدم؟
من الناحية القانونية، يوضح المحامي والناشط الحقوقي غياث دبور أن قرارات الهدم الصادرة عن الجهة الإدارية، سواء كانت البلدية أو المحافظة بحسب الاختصاص، تخضع للمراجعة أمام القضاء الإداري.
ووفق دبور، يستطيع المتضرر من قرار الهدم اللجوء إلى القضاء الإداري وطلب وقف تنفيذه. ويشير إلى أن القضاء الإداري يمكنه النظر في طلب وقف التنفيذ خلال مدة تصل إلى 60 يومًا، ثم النظر في الدعوى وفق الوثائق والثبوتيات المقدمة.
أما بالنسبة إلى المهل التي يُمنح خلالها أصحاب الأبنية فرصة للاستعداد قبل الإزالة، فيوضح دبور أن إبلاغ صاحب العقار قبل يوم أو يومين أو ثلاثة يمكن أن يشكل، بحسب ظروف القضية ووسائل الإثبات، عنصرًا يمكن تقديمه أمام القضاء عند طلب وقف التنفيذ، خصوصًا إذا أثبت المتضرر أنه لم يحصل على الوقت الكافي لاتخاذ الإجراءات القانونية أو ترتيب أوضاعه.
وفي المقابل، يوضح دبور أن حصول العقار على إيصالات كهرباء أو مياه لا يثبت الملكية القانونية للعقار. ويقول إن الملكيات التي يعترف بها القانون تستند إلى وثائق الملكية المعروفة، مثل السجل العقاري الدائم والسجل المؤقت والملكية لدى الكاتب بالعدل وبعض الحالات المرتبطة بالإسكان والجمعيات. وبالتالي، فإن وجود عداد أو إيصالات خدمات لا يمنح صاحبها، بحد ذاته، حق ملكية قانونيًا يمنع تنفيذ قرار الهدم.
المخالفة لا تعني دائما خطرا إنشائيا
تتداخل في ملف الأبنية المخالفة مسألتان أساسيتان: مدى قانونية البناء من جهة، وسلامته الإنشائية من جهة أخرى.
نقيب المهندسين السوريين، مالك حاج علي، يرى أن ملف الأبنية المخالفة والعشوائية يحتاج إلى معالجة شاملة، خصوصًا أن جزءًا من هذه الأبنية شُيّد خلال ظروف الحرب والنزوح ومن دون مخططات هندسية أو إشراف متخصص.
ويؤكد أن الحكومة تضع توفير بيئة آمنة ومستدامة للسكن ضمن أولوياتها، وأن نقابة المهندسين مستعدة لتقديم دراسات لنماذج السكن الاجتماعي والاقتصادي الآمن، إلى جانب المساهمة، عبر خبراء التخطيط العمراني، في إعداد الدراسات اللازمة للمناطق التي تضم مساكن عشوائية أو مخالفات جماعية وإعادة تنظيمها ضمن برنامج وطني شامل.
وبحسب حاج علي، فإن البناء المخالف الذي يمكن ترخيصه وتسوية وضعه يمكن أن يخضع لتقييم فني، وفي حال وجود حاجة إلى تدعيم إنشائي يمكن تنفيذ أعمال التدعيم قبل الترخيص. أما الأبنية التي تتعارض مع ضابطة البناء بصورة تمنع تسوية وضعها، فيمكن للبلدية إزالتها وفق الأنظمة والقوانين.
ويضيف أن حماية حقوق السكان تحتاج إلى مشاركة مختصين قانونيين وخبراء في المصالح العقارية والتقييم العقاري، للوصول إلى تصور واضح لكل حالة، سواء تعلق الأمر بمالك أرض أو مستأجر أو شخص واضع يده على العقار.
ويشير نقيب المهندسين إلى أن عددًا كبيرًا من أبنية المخالفات والسكن العشوائي يحتاج إلى تقييم إنشائي سريع وفق منهجية «S1» التي أعدتها النقابة، نظرًا إلى أن كثيرًا منها بني من دون مخططات هندسية أو إشراف متخصص، وربما تعرض بعضها لأضرار بسبب القصف أو زلزال عام 2023، ما يجعل تقييم السلامة الإنشائية مسألة أساسية قبل تحديد مصير أي مبنى.
نوع المخالفة يحدد طريقة المعالجة
ويشرح المهندس عماد الدين شقيفة، خبير التقييم العقاري، أن الأبنية المخالفة ليست حالة واحدة. فقد يكون هناك بناء حاصل أساسًا على ترخيص نظامي، ثم أضيفت إليه طوابق أو أجزاء مخالفة، وهي حالة يمكن أن تكون قابلة للتدعيم وتصحيح الأوصاف وفق الأنظمة المعمول بها. وفي حالات أخرى يكون البناء مخالفًا منذ الأساس ولا يتوافق مع المخططات التنظيمية للمنطقة، وقد يكون منفذًا من دون دراسة هندسية، ما يجعل مسألة السلامة الإنشائية جزءًا أساسيًا من تقييم إمكانية الإبقاء عليه.
هذا التمييز مهم في تحديد مصير العقار، لأن وجود مخالفة تنظيمية لا يقدم وحده صورة كاملة عن الحالة الفنية للمبنى. فبعض المخالفات يمكن أن تكون قابلة للمعالجة، بينما توجد حالات أخرى قد يكون استمرار إشغالها خطرًا على السكان.
ويؤكد المهندس نضال العدوي الفكرة نفسها من الناحية الفنية، موضحًا أن الخيارات قد تشمل التدعيم والترميم وإعادة التأهيل، بعد إجراء تقييم إنشائي واختيار الطريقة والمواد المناسبة لكل حالة.
أما قانونيًا، فيشير العدوي إلى أن بعض الأبنية الواقعة ضمن المخطط التنظيمي والتي شُيدت قبل عام 2012 مع وجود إثبات قدم مثبت يمكن أن تخضع للمرسوم رقم 40 لعام 2012، بما يسمح بالمصالحة وتثبيت الوضع ودفع الرسوم وفق شروطه. وفي المناطق الزراعية الواقعة خارج المخطط التنظيمي، تختلف المعالجة، وقد تحتاج أعمال الترميم إلى موافقات من الجهة الإدارية وإجراءات محددة.
ويحذر العدوي في الوقت نفسه من استمرار البناء المخالف على الأملاك الخاصة والعامة واستغلال الظروف الحالية، مشددًا على ضرورة تطبيق قوانين ضابطة البناء مع مراعاة الآثار الاجتماعية التي يمكن أن تنتج عن أي معالجة.
ويطرح في هذا السياق فكرة التراخيص المؤقتة لبعض الحالات إلى حين تنظيم المناطق، إلى جانب إشراك المجتمع المحلي في التوعية والتعاون مع الجهات المختصة.
من يتحمل كلفة الهدم؟
من زاوية اقتصادية، يرى الباحث الاقتصادي معاذ القاسم أن معالجة الأبنية المخالفة بالهدم تحمل تكاليف مباشرة وغير مباشرة على الدولة والسكان.
فالدولة، بحسب القاسم، ستتحمل في حالات هدم الأبنية المأهولة كلفة إزالة الأنقاض ونقلها، إضافة إلى كلفة إيواء السكان مؤقتًا إذا لم تتوافر لهم مساكن بديلة، فضلًا عن أي تعويضات قد تترتب في حالات محددة مرتبطة بملكية الأراضي.
ويشير إلى كلفة أخرى تقع على سوق العقارات نفسه، إذ إن إخراج أسر من مساكنها من دون توفير بديل يمكن أن يزيد الطلب على الوحدات السكنية، وبالتالي يرفع الإيجارات، خصوصًا في الحالات التي تضطر فيها الأسر إلى استئجار مساكن خاصة بدل الإقامة في مراكز إيواء أو مساكن مؤقتة.
ويضع القاسم معادلة تقريبية لحساب كلفة الهدم تقوم على جمع كلفة الإزالة ونقل الأنقاض والكلف المرتبطة بالتعويضات، إن وجدت، وكلفة الإيواء المؤقت. وفي المقابل، فإن التسوية وإعادة التنظيم تتطلب رسوم التسوية والتنظيم الإداري والفني وإعادة دمج العقارات ضمن المخططات، إضافة إلى كلفة التدعيم الإنشائي عند الحاجة.
ومن وجهة نظره، قد يكون خيار التسوية وإعادة التنظيم أقل كلفة في الحالات التي تسمح طبيعتها بذلك، مع ضرورة الحفاظ على السلامة الإنشائية ومراعاة الآثار الاجتماعية.
ويقترح القاسم، في الحالات التي تستدعي الإزالة فعلًا، اعتماد هدم مرحلي للأبنية شديدة الخطورة أو المتجاورة مع الأملاك العامة أو التي لا تحقق متطلبات السلامة، بالتوازي مع وضع مخططات تنظيم واضحة قبل البدء بإزالة مناطق كاملة، وعرض هذه المخططات على السكان لتقليل فرص نشوء نزاعات جديدة.
كما يرى أن تأمين سكن بديل مؤقت للحالات الأكثر تضررًا يمكن أن يكون جزءًا من المعالجة، مع إدراك أن هذا الخيار يفرض أعباء مالية إضافية على الدولة.
سكان برزة البلد: نريد العيش بأمان
وصف سعيد حبشية، أحد سكان برزة البلد، عمليات الهدم التي شهدتها المنطقة بأنها خلّفت أثرًا نفسيًا قاسيًا لدى الأهالي، مؤكدًا، بحسب روايته، أن السكان لم يتلقوا إنذارا بالإخلاء قبل بدء العمليات.
وأوضح حبشية أن قوة أمنية كبيرة حضرت وأغلقت الطريق قبل الدخول إلى أحد الأبنية، وأنه حين حاول الدخول لمعرفة ما يجري تعرّض للضرب، وفق روايته. وأشار إلى أن اعتراضه كان مرتبطًا بمصير منزله، الذي يقول إنه قائم على أرض غير مخالفة، وإنه جرى ترميمه بعد سنوات الحرب.
وربط حبشية مشاهد الهدم بما عاشه سكان المنطقة خلال سنوات الحرب، قائلًا إنها أعادت إلى بعض الأهالي ذكريات القصف والدمار. ونفى أن يكون اعتراض السكان تحديًا للدولة أو مؤسساتها، مطالبًا بتوضيح المعايير التي تحدد الأبنية المستهدفة بالإزالة، خصوصًا أن بعضها يمكن تتبعه على صور الأقمار الصناعية القديمة، وفق قوله.
وأقرّ حبشية بوجود أبنية أُنشئت حديثًا مستفيدة من الظروف السابقة، غير أنه يرى أن أصحابها يمثلون نسبة محدودة مقارنة بالأسر محدودة الدخل التي بنت أو رممت مساكنها لتأمين مكان للعيش.
ويختصر حبشية موقفه بأن سكان المنطقة يريدون العيش بأمان بعد سنوات طويلة من الحرب والدمار، وأن اعتراضهم ينبع من الخوف على منازلهم ومصير أسرهم.
دمشق أمام تحدي التنظيم وحق السكن
تعيش دمشق أزمة سكن حادة تتجلى في ارتفاع متواصل لأسعار العقارات والإيجارات، وتتسع معها الفجوة بين شريحتين: أسر بنت مساكنها تدريجيا وفق قدرتها المالية المحدودة، ومشاريع سكنية حديثة ذات تكاليف مرتفعة تفوق طاقة شريحة واسعة من السكان، كمشروع «أبيات هيلز» وغيره من المشاريع الاستثمارية الفاخرة.
وتبرز قضية برزة البلد نموذجًا حيًا على هذا التوتر، إذ يواجه سكانها خطر فقدان مساكنهم في ظل غياب بدائل مناسبة لقدرتهم الشرائية. ويطرح هذا الواقع سؤالًا جوهريًا أمام أي سياسة عمرانية: كيف يمكن تنظيم المدينة وتحديثها مع الحفاظ على قدرة السكان الأقل دخلًا على البقاء فيها؟
ويُشير الخبراء إلى جملة من أدوات المعالجة المتاحة، تشمل التقييم الإنشائي والتدعيم والتسوية وإعادة التنظيم، وصولًا إلى الهدم في الحالات التي تنعدم فيها إمكانية التصحيح أو تتوافر مخاطر حقيقية على السلامة. غير أن الهدم قبل تحديد الوضع القانوني للعقار وتقييم حالته وتوضيح حقوق أصحابه وتحديد البدائل المتاحة، قد يُفضي إلى أزمة سكن ونزاع اجتماعي جديد.
في المقابل، فإن ترك المخالفات من دون معالجة يُفاقم مشكلات التخطيط والبنية التحتية يجعل تنظيم المدينة أكثر كلفةً وتعقيدًا مستقبلًا.
ولذلك، يرتبط مستقبل برزة والمناطق المشابهة لها بما ستوفره الجهات المعنية من معايير معلنة ومسارات قانونية واضحة وتقييمات هندسية لكل حالة، فضلًا عن حلول سكنية للمتضررين وخطة عمرانية تراعي واقع السكان وقدرتهم على تحمل تكاليف التغيير.