جدران الفصل وتهديد الشعوب

تاريخ النشر: 28.01.2020 | 23:02 دمشق

تمتد الجدران الأسمنتية التي تفصل البشر حول العالم عن بعضهم لأسباب سياسية، مسافة ما يعادل محيط الكرة الأرضية، لتكون علامة فارقة على الرّفض والتحييد والإقصاء والإبعاد لأسباب مختلفة.

يركز الإعلام العالمي على جدران وينسى أخرى، غير أن وعي الشعوب لا ينسى، وهي المنفّذُ فيها حكم الإبعاد تنفيذاً لمصالح الدول وسياساتها، والتي لا تأبه عادة بالشروخ والآثار النفسية والاجتماعية التي تتركها تلك الحواجز، فضلاً عن الجرائم والكوارث البشرية التي تحدث بسببها.

ترتبط ذاكرة العالم حين نتحدث عن الجدران بجدار برلين، الذي يعتبر رمز الانقسام في ألمانيا، والذي يحمل معاني الإقصاء والإبعاد بسبب اختلاف الحلفاء حول مصير ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وفق معاناة استمرت عقوداً من الزمان

كان جدار برلين المكان الأكثر إضاءة في المدينة كلها، وكانت الإضاءة تهدف لمراقبة المتسللين، وقد حشد لذلك أكثر من 7000 جندي، فضلاً عن تحصينه بالأسلاك الشائكة

ظلت راسخة في نفوس الألمان، وهو جدار يمتد ارتفاعه إلى 12 متراَ، فيما يمتد 186 كلم قاطعاً برلين من شمالها إلى جنوبها، مانعاً أي مجموعة أو أفراد من اجتيازه أو تسلقه ليفصل بذلك برلين الغربية عن جمهورية ألمانيا الديموقراطية.

كان جدار برلين المكان الأكثر إضاءة في المدينة كلها، وكانت الإضاءة تهدف لمراقبة المتسللين، وقد حشد لذلك أكثر من 7000 جندي، فضلاً عن تحصينه بالأسلاك الشائكة، وأخذت كل الاحتياطات الأمنية اللازمة لمنع الناس من التسلل أو الهرب.

ترصد الإحصاءات مقتل أكثر من 100 ألماني وهم يحاولون اجتياز الجدار، كما يُذكر نفق 57 الذي سمي بذلك نسبة لعدد الأفراد الذين عبروه ليضعوا حداً للتشرد والضياع الذي عانوه من خلال احتجازهم القسري في أرضهم، وقد استمرت محاولات العبور ثلاثة عقود، تراوحت بين النجاح والإخفاق، وقد تظاهر الألمان محتجين ومطالبين بهدم الجدار، وفي 9 تشرين الثاني 1989 أعلنت برلين الشرقية هدمه وفتح الحدود، لتأتي معاول الألمان وتتابع الهدم بجدّ لتنهي تلك المأساة.

بقي من جدار برلين اليوم ما يكفي ليكون معرضاً لجداريات يرسمها الفنانون ليجسدوا مشهداً مؤثراً لحدث أليم، وبقي في ذاكرة الشعوب المقهورة لون الأسمنت وقسوة المشهد الذي يتجدد ويزداد يوماً بعد يوم في شوارعنا العربية.

في سوريا كان مشهد الجدران الأسمنتية كارثياً حين فصل بعض الأحياء في المدن الثائرة عن بعضها، ففي حمص عُزل حي بابا عمرو بجدار فاصل، كما سُدت أزقة وشوارع بأكملها تلك التي تؤدي إلى المباني الحكومية، منعاً من الاقتراب والعبور أو التسلق، وخوفاً من أن تصل أيدي الأحرار وهتافاتهم إلى المساحة المحرّمة، فينهار ذلك الوهم الذي تعبوا في تغذيته وتضخيمه.

لاحقاً باتت الحواجز الأسمنتية في المدن والأحياء والشوارع الرئيسية والفرعية مشهداً مألوفاً للعابرين، وكأنها قطعة أساس وُضعت يوم رُصف الطريق، بجنودها وأسلحتهم وفظاظتهم، بمطالبهم المرعبة للعابرين بأن يبرزوا هوياتهم باستمرار وكأنهم مجرمين فارين من العدالة. في سوريا لا مسافة مهمة بين حاجز وحاجز، ولا عذر تُظهره وأنت تعبرها جميعاً، فأنت متهم بين المسافة والمسافة، وهناك "تفييش" لاسمك ومعلوماتك لا نجاة منه، وإن أخبرتهم أن الحاجز السابق قد تأكد بأنك لست مجرماً، فمن يضمن أنك لم تعد كذلك وفق التقارير والتحديثات التي تتجند لأجلها أجهزة الدولة فتقوم فجأة باعتقالك، فضلاً عن أمر أساسي آخر، وهو مزاجية جندي الحاجز، فإن تعكّر منك، ولم يستلطف حضورك، فستجد نفسك فجأة في الزنزانة، وقائمة من التهم تنتظرك.

على الحواجز الأسمنتية السورية قصص عذابات واعتقالات وخوف وبكاء وألم، ومشاهد تعذيب وقتل، وإهانات موجعة لا تعرف المرأة أو الشيخ أو الطفل، وهي على هالة الخوف الذي تركته وتتركه في نفوس السوريين إلا أنها لم تستطع النجاة من كلمات الأحرار التي كُتبت عليها ذات عتمة وغفلة من الجنود، فكانت دفاتر للمقاومة والثورة والغضب وتحطيم هيبة الدولة بمن فيها.

الجدران الصلبة هي رسالة الرفض والإبعاد التي لا تحتاج توضيحاً، وضعتها الدول الأوروبية

بعض الهاربين من الموت إلى الموت يواجهون الجدران الرمادية، ويتذكرون جدران مدنهم الدافئة التي بناها أجدادهم رمزاً للاجتماع والمحبة والألفة

اليوم منعاً لتسلل اللاجئين، ووضعته تركيا لوضع حد لتدفق البشر إليها، قُتل كثير من البشر وهم يحاولون النجاة بأنفسهم من جحيم القصف والرعب في سوريا، لم يفكروا أن الموت قد يباغتهم في اللحظة التي يحاولون فيها الخلاص، ولم يتبادر إلى أذهانهم حينها أن الجدران لن تُخترق بمثل تلك المغامرة.

بعض الهاربين من الموت إلى الموت يواجهون الجدران الرمادية، ويتذكرون جدران مدنهم الدافئة التي بناها أجدادهم رمزاً للاجتماع والمحبة والألفة، فبنى الحمام أعشاشه فيها، ونبتت داخلها أعشاب ندية، وحُفرت كلمات وذكريات، وحملت تاريخاً وحكايات. لكنهم اليوم محاطون بجدر صامتة باردة لا روح فيها، ويفكرون في يوم تنتهي فيه مأساة الشعب، وتُفتح الطرقات، ويلتقي المبعدون على أرض وطنهم بعيداً عن الخوف والرعب، الجميع يدرك أن ذاك يوما قد يتأخر كثيراً، ما لم تقرّبه همم الأحرار وسعيهم في سبيل الحرية، وهذا قد لا يتحقق بمحاولات الهروب المتكررة، بل بالصبر والسعي لإزالة العوائق والجدر والحواجز بأنواعها.

هناك جدران غير مرئية أيضاً، فصلت الشعب السوري عن بعضه، وأعاقت التقاءه واتحاده على هدف واحد، وعرقلت تقدمه، تلك التي لا تتعلق بمكان أو جغرافيا، بل تتعلق بأوهام تعيق اتحاده واجتماعه على ذات الهدف، ولعل بداية تحطيم جدران الواقع من تحطيم الحواجز النفسية والمعنوية التي توقف أي مبادرة للتحرك نحو الهدف. وفي النهاية، لابد لكل منّا أن يصنع معوله الخاص، فالهدم بداية الخلاص من أجل التحرر ثم البناء.

درعا.. ملازم في جيش النظام يهين لؤي العلي رئيس "الأمن العسكري"
تنفيذاً للاتفاق.. النظام يدخل تل شهاب غربي درعا ويفتتح مركزاً "للتسويات"
مع تسارع التطبيع.. هل ينجح الأردن في إعادة تعويم الأسد؟
تركيا.. عدد متلقي جرعتين من لقاح كورونا يتجاوز 68 في المئة
"محافظة حماة" تغلق صالات التعازي حتى إشعار آخـر
"الإنقاذ" تغلق المدارس وأماكن التجمعات في إدلب بسبب انتشار كورونا