جابر عثرات الكرام

تاريخ النشر: 31.12.2020 | 23:08 دمشق

اللبن الزبادي ...مصطلح مصري *

كان من بين مهام الصبي اليومية أعمال لم يكن يحبها، منها شراء البقالة والخضرة والخبز. وكان أشدّ ما يكره شراءَ الحليب وإخراج القمامة ليلا.

في كل ليلة، كان عليه أن يحمل كيسا مملوءا بالقمامة، ليرميه في زاوية عند تقاطع شارع التلة مع حارة ضيّقة متعامدة معه تصل ما بين شارع الخندق وطريق الشام. لم تكن أكياس القمامة معروفة وقتها، وصناعة البلاستيك كانت أساسا في بداياتها، ولم تكن أكياس البلاستيك شائعة، فكان الصبي يحمل كيسا ورقيا كبيرا، مبلّلا ربما، ليرميه في زاوية القمامة، ولن ينسى الصبيُّ، ما عاش، يومَ أعطاه الأب ليرة سورية وطلب منه أن يشتري له علبة من الدخان في ليلة شتوية قارسة البرد، فنزل إلى دكانة "أبو بدر" ليشتري السجائر، ولكن الأم نادته وطلبت منه أن ينزل كيس القمامة معه. كان يمسك بالليرة بيد وكيسَ القمامة بيد، وقد رمى القمامة في زاوية ورشة أبو كرمو لبخّ الديكو، وذهب إلى أبو بدر ليشتري الدخان، ليكتشف أن الليرة ليست معه. أدرك الفاجعة. لا بدّ أنه رمى الليرة مع كيس القمامة في الكومة الكبيرة. عاد إلى الكومة الهائلة مرعوبا، وراح يبحث عن الليرة المعدنية في العتمة، ولكن جهوده راحت سدى، واتّسخت ملابسه، فابتأس لضياع الليرة وابتأس لأن أمه ستوبّخه لقذارة ملابسه. عاد إلى بيته محزونا وأخبر أباه بالكارثة. صمت الأب لحظة، ثمّ قال: "لا بأس!"، ورسم شبحَ ابتسامة على شفتيه، ليُطَمْئن الصغير، ولكن الحزن لم يفارق الصغير مطلقا، ولا يزال قلبه ينقبض حتى الساعة حين يتذكّر كيف أمضى الأب ليلته وهو يحتسي العرق بدون تدخين، لأن ميزانيته لم تكن تسمح له بشراء علبة دخان أخرى.

في كلّ مساء، كانت أمه تعطيه وعاء فارغا من النحاس، يحمله إلى بائع الحليب، ليملأه له بكيلو حليب. وكان حمل الوعاء مملوءا في طريق العودة دون أن يسيل منه شيء عملية معقّدة تأخذ كل أعصابه وتفكيره. كان يحمل القدر بكلتا يديه ويطبق عليه بعصبية فلا يرفع عينيه عنه، مما يجعل سيره قلقا وربّما تعثّر بحجر أو نتوء أو حفرة صغيرة. قبل أن تعلّمه أمّه أن عليه ألا ينظر إلى الوعاء بل إلى الطريق أمامه. قالت له: إن نظرتَ إلى الطريق الرحبة رأيت كلّ شيء. أما إن ركّزت على ما بين قدميك، فاتك كلّ شيء. سيتذكّر هذه الحكمة حين سيتعلم قيادة الدراجة. ومع ذلك ليس حمل القِدر هو فقط ما كان يزعجه، بل منظر المشبّك والعوّامة والنمّورة وحلاوة الجبن، التي كان يراها عند بائع الحليب كلّ يوم شتاء فلا يستطيع أن يتذوّق قطعة صغيرة منها.

لم تكن الحلوى لتوجد على مائدة الأهل إلا في رمضان والأعياد. وحتى الفاكهة كانت نادرة، وباستثناء البطيخ الأحمر صيفا أحيانا والبرتقال شتاء، أحيانا أخرى، لم تعرف العائلة الكثير من التفاح والموز والدرّاق وغيرها. فمنذ أن صادر البعثُ جريدةَ الأب وحاصر مطبعته، باتت اليد أضيق واختصرت الأم كثيرا من الكماليات على الطاولة. ولسوف يكبر الصغير وهو يعتبر حساء العدس وجبة رئيسية وليس فاتحا للشهية. كانت الأم تسلق العدس الكامل ثم تهرسه في مصفاة بيديها وتقلّيه بالسمن النباتي، ثمّ تقدّمه للأولاد مع الخبز والبصل كوجبة على الغداء. وفي أيام أخرى ستقدم اللبن المقلّى، وهو ببساطة لبن ممدّد بالماء ثردت الأم فوقه خبزا مقطعا ثمّ قلّته أيضا بالسمن. وفي أمسيات الشتاء، كثيرا ما كان عشاء الصبي بصلا مشويا فوق المدفأة (أو في داخلها) مع اللبن الزبادي، ولكي تشجّع الأم الصبيّ على تناوله، كانت تسمّي الوجبة "فروج مشوي".

منذ أن صادر البعثُ جريدةَ الأب وحاصر مطبعته، باتت اليد أضيق واختصرت الأم كثيرا من الكماليات على الطاولة

كانت الأم تطبخ مرتين في الأسبوع. ترسل الصبي إلى عبد الباسط، الخضري، لشراء الخضار الموسمية: الفاصوليا والبامية والكوسا صيفا، والقرنبيط والملفوف والسلق شتاء. وترسله إلى اللحام لشراء أوقية لحمة (250 غراما)، لتضيفها على الخضار. وكانت الأسرة تأكل الطبخة يومين متتاليين (ثم تأكل الأم البقية في اليوم الثالث). وفي الأيام الثلاثة التي لم تكن الأم تطبخ وجبة، كان الحساء واللبن والمقالي هي وجبات الغداء. واختفت من المطبخ بشكل مفاجئ بعض المواد، وكان أوّلها السمن العربي، وهو سمن الغنم الذي يحضره البدو من البادية في ظروف من الجلد، ذلك أن أسعاره صارت فوق استطاعة العائلة، واستبدلت به الأم السمنَ النباتي. وصارت الفاكهة أكثر ندرة، وحين ستعطي الأم الصبي ليرة ليشتري شيئا ضروريا لطعام العائلة، سيجد في طريق عودته بائعا يبيع الموز على عربة يجرّها حصان، ولسوف يتهوّر ويشتري موزتين، ويأكلهما معا، ثمّ يعيد بقية النقود لأمه ناقصة، وحين تسأله يقول لها: "اشتهيت الموز،" فتبكي الأم من القهر.

ومع ذلك، تتغيّر الحال قليلا في رمضان، ففي كلّ يوم قبيل الغروب، يعود الأب إلى البيت، ومعه علبة صغيرة مربوطة بخيط، يضعها على الطاولة. ويعرف الصغير أن في العبلة نوعا من الحلوى، ويظل يحاول أن يخمّن، وغالبا ما كان يخمّن خطأ. كان الأب يحضر الكنافة بالقشطة، يشتريها من عند الشعّار، وهو رجل عجوز، كان يصنع في دكانه الصغيرة المتهالكة يوميا صينية واحدة من الكنافة، قبل أن يطوّر أولاده وأحفاده محلّ الجدّ وصنعته، ليصبح المحل أهم محلّ للكنافة في المدينة؛ أو الشعيبيات من محلات الناطور الشهيرة؛ أو النمّورة من محلات الخطيب القريبة أيضا من بيتهم، وهي نوع من الهريسة لكنها أرقّ واصلب، وقد تعرّضت للنار أكثر حتى احمرّ سطحها. ولكن سيدة الحلويات الرمضانية كانت التمرية، وهي عجينة محشوة بالتمر أو القشطة، مقلية بالزيت ومغرّقة بالقطر.  ولم يكن في طفولة الصبي في حمص كلّها سوى بائع واحد يحضّر التمرية ويبيعها في شارع أبو الهول الذي يصل بستان الديوان بالشارع المسقوف. ، وسيبقى الطعم الحلو واللزج والغني لحظة تذوب القشطة أو يذوب التمر تحت اللسان، فيأخذان الصغير إلى عالم من النشوة والغيبوبة.

هل كانت الحلوى فحسب، أم اجتماع العائلة عند الإفطار، أم تلك الروحانية العميقة التي تلفّ الشهر بأكمله، أم كون رمضان المقدمة الضرورية للعيد، هو ما كان يجعل الصبي مغرما بهذا الشهر؟ باستثناء الأب، لم يكن أحد يصوم في البيت، ربّما الأم أحيانا، أما الأخوة فلا يذكر الصبي أنه رآهم يوما صائمين. أما الأب، فكان يتوقف عن الشرب لحظة الإعلان عن رؤية هلال رمضان، ويغتسل ثمّ ينوي الصيام. وكان إلى ذلك يصلّي الفروض الخمسة دون السنّة، ويختم قراءة القرآن خلال الشهر. ولم يكن التوقف عن الطعام ولا الخمر هو ما كان يزعجه جدا، بل كانت السجائر. كان الأب يدخّن علبتي سجائر يوميا، وكان التوقف عن التدخين سحابة النهار تعذيب حقيقي له. ولكنه رغم ذلك كان يحاول أن يضبط أعصابه فلا يثور كما يفعل كثير من الآباء الذين كان الصبي يعرفهم، حين كانوا يصيحون: "أنا صايم!" وكأنهم بذلك يبرّرون ثوراتهم وغضبهم. أما الصبي فجرب الصيام بضعة أيام في كلّ سنة. ولكنه لم يكن يحب ذلك كثيرا. ورغم تديّنه الشديد في طفولته والتزامه المسجد أياما في رمضان، كان يضع بين الفينة والفينة لقمة في فمه. وحين ضبطته الأم وهو يلوك قطعة شوكولاتة سرقها من العلبة المخبأة في غرفة الضيوف، ثارت ثائرتها، ولم يعرف الصبي مطلقا أكان غضبها لأنها رأته يفطر في رمضان أم لأنه سرق الشوكولاتة المخصّصة للضيوف.

وكان يحب في رمضان أيضا تمضية أوقات العصرية في الحارة وهو يقتل الوقت بلوحة بلاستيكية مربعة صغيرة فيها أرقام متحركة وعليه أن يحركها بحيث يجعلها متسلسلة، ونادرا ما كان يفلح في ذلك.  ولكن أجمل لحظات رمضان كانت بعيد الإفطار، حين كانت العائلة تجتمع لتستمع إلى مروان شيخو في برنامج تحية الإفطار. كان لمروان شيخو صوت ساحر وأداء روحاني أخّاذ، فيدخل الصوت ليس إلى الأذن وإنما إلى القلب مباشرة، وتصاحب كلمات مروان شيخو أغنيات دينية كانت تأخذ بجماع قلب الصغير. من تحية الإطار سمع الصغير لأول مرّة بقصة ستخلب لبّه طويلا، هي حكاية "جابر عثرات الكرام"، وهي القصّة المعروفة لخزيمة بن بشر وعكرمة الفياض. وإذا يكبر الصبي، سينظر بعين النقد إلى العديد من الحكايات الأخلاقية التي لا يمكن أن تكون حدثت بالفعل، ولكنه سيعيد دائما قراءة حكاية خزيمة وعكرمة مرارا، متمنيا أن يكون مثل هذا الخير حقيقة واقعة.  ومع الحلوى، يأتي أخيرا ما كان الصبي ينتظره طوال اليوم، مسلسل صابر وصبرية، للمثل القدير تيسير السعدي وزوجته صبا. عشر دقائق كانت تصحب الصبي في عالم من الأنس والبهجة.

 

كلمات مفتاحية