جاءت محافظة دمشق لتكحّل قرارها الصادر يوم 16 من آذار الجاري، الخاص بمنع تقديم وبيع المشروبات الروحية، فأصدرت توضيحاً "أعماه" وزاد الطين بلّة، عندما قالت إنها استندت إلى جملة تشريعات وقوانين قديمة، ذكرتها بالرقم والتاريخ، لكن ليس من ضمنها الإعلان الدستوري الذي وقعه الرئيس أحمد الشرع يوم 13 من العام 2025.
يقول أحد الناشطين المدنيين لتلفزيون سوريا: "تقول المادة 12 من الإعلان الدستوري، إن "الدولة تصون حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وتكفل حقوق المواطن وحرياته.. كما أنها تلتزم بجميع الحقوق والحريات المنصوص عليها في المعاهدات والمواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، التي صدّقت عليها الجمهورية العربية السورية، وتعتبرها جزءاً لا يتجزأ من هذا الإعلان الدستوري". فكيف يمكن تبرير قرارات الحكومة، التي لم تلتزم بالإعلان الدستوري ومنه هذه المادة بالتحديد؟".
قرار المحافظة وتوضيحاته.. تساؤلات مشروعة
تضمن قرار محافظة دمشق، ورقمه 311\م.ت، والتوضيح الذي أصدرته لاحقاً لهذا القرار، تذكيراً للمواطن، بجملة مراسم وقوانين استندت إليها في إصدار قرار منع المشروبات، منها المرسوم التشريعي رقم 180 لعام 1952، والقانون 45، تاريخ 1986، والقرار رقم 1998\34، والقرار 46\ الصادر عام 2010، والقرار 38 لعام 2013، والقرار 41 لعام 2018.
وظهر أن محافظة دمشق، أجرت عملية "سيرتش" ضخمة حتى أعادت تلك القرارات للحياة، رغم صدور معظمها في زمن العهد البائد، لكن لم تستطع العثور على جميع المنظمات الدولية التي صدّقت على ميثاقها سوريا، وتعتبر عضواً ملتزماً بها بحسب القانون، ومنها:
العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR)، وقد انضمت إليه عام 1969، وهو المعني بحرية التعبير والحق في الحياة، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (ICESCR)، الذي انضمت إليه عام 1969.. إلى جانب اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW)، الذي انضمت إليها عام 2003.
وأيضاً هناك اللجنة المعنية بحقوق الإنسانUN Human Rights Committee، وهي الهيئة "الأهم" لمراقبة الحريات الفردية. فسوريا عضو فيها وقد صدّقت على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية منذ عام 1969، والذي يحمي الحياة الخاصة، والعائلة، والمسكن، والمراسلات من التدخل التعسفي. إضافة إلى حمايته حرية الفكر، والوجدان، والدين، وحرية التعبير عن الرأي بأي وسيلة.
ويضيف الناشط المدني، متمنياً عدم ذكر اسمه: "لماذا لا تلتزم الإدارات التنفيذية، مثل محافظة دمشق، بتلك الاتفاقات الدولية التي وقعت على ميثاقها سوريا، ولماذا يبدو الإعلان الدستوري يغرد في واد، بينما القرارات في واد آخر؟".
جاءت المحافظة لتكحّل القرار بالتوضيح فأعمته!
وفي التوضيح الذي أصدرته، اعتذرت محافظة دمشق من أهالي "باب توما والقصاع وباب شرقي"، بسبب ما سمّته "إساءة فهم القرار وتداوله في غير محله"، مضيفة بأن هذه المناطق "تعتبر جزءاً من قلب العاصمة النابض، وتشكل أيقونة من هويتها وثقافتها" مؤكدة أنها "ستعيد النظر في المناطق الثلاث المذكورة في القرار، بما لا يسيء لأي مكون من المكونات"!.
بالله عليكم، كيف ستعيدون النظر بتلك "المناطق الثلاث"؟ وهل سيقوم بصياغة سردية إعادة النظر، نفس الشخص الذي كتب نص قرار منع المشروبات، ونص التوضيح الذي لحقه؟. ما يعني أننا ربما نكون لاحقاً، أمام مجموعة سرديات، يختص بعضها بقرارات تظهر مثل بالون الاختبار، وبعضها تتبعه توضيحات وشرح المفردات مع إفصاح عن النيّات، أي أن الإدارة بـ"التكحيل"، أصبحت منهجاً، وأن السرديات الضعيفة، ليست إلا إشارة لالتباس المعنى أو تردده بالظهور الواضح، عبر نصوص لا تقبل التأويل بعدة أوجه؟.
تُرى، كيف ستكون سرديات القرارات اللاحقة، المختصة بـ"المكونات" غير المنتمية للمناطق الثلاث في أحياء "باب توما والقصاع وباب شرقي"، ممن لا تحرّم سردياتهم بيع المشروبات أو تقديمها وربما صناعتها في المنزل؟.
بالطبع، تسبب القرار بإعادة توتير المجتمع، خاصة بعد اعتصام باب توما المحتج على قرار المحافظة، وقد ظهرت دعوات لتظاهرات واعتصامات مضادة تطالب بفرض منع المشروبات الروحية باعتبارها "أم الخبائث". فهل كان إصدار هذا القرار متناسباً مع الظرف الاجتماعي والاقتصادي الذي تمر به سوريا الآن، أم كان بالإمكان تأجيله لإصدار قرارات تتناول قضايا أكثر إلحاحاً؟. يتساءل الناشط المدني وهو يضرب كفاً بكفّ!.
سردية النشيد الوطني السوري و"المعلقات السبع"!
على الفور، أطاحت قصيدة في "سبيل المجد والأوطان" للشاعر الراحل عمر أبو ريشة، بالقصائد السبع التي تم اختيارها للترشح إلى رتبة "النشيد الوطني السوري".
فظهرت تلك النصوص دون المستوى المنتظر، بل إن إحدى القصائد كتبها شاعران، أحدهما وزير الثقافة "راعي المسابقة"، مع أن لجان التحكيم والإدارات في كافة أنحاء العالم، تحرص على الابتعاد عن قاعدة "فيك الخصام وأنت الخصم والحكم" في مثل هذه المسابقات والحالات؟.
ما أثار قلق الناس، تكرار منهج "التكحيل ولو بالعمى"، في أكثر من مؤسسة. مع أن المقاييس الإبداعية والنقدية، على صعيد الأدب، لا يمكن أن تهادن النصوص متوسطة الحال، كما كان العرب قديماً يحرصون على عدم مدح الرجل بما ليس فيه من خصال؟. فهل سنكون أمام قصيدةٍ، يظهر عليها لباس النشيد الوطني "مبهبطاً"، بسبب اعتماد التكحيل المؤدي للعمى والتعمية؟.
وكما كان متوقعاً، تعرضت القصائد السبع لانتقادات أدبية كتبها مختصون، ولم ينج أسلوب اختيار النشيد الوطني من الانتقادات القانونية التي تناولت حق وزارة الثقافة في تغيير النشيد.
سردية غلاء فواتير الكهرباء وسياسة "من دهنو سقيلو"!
لم تبتعد سردية رفع أسعار الكهرباء، عن السرديات السابقة في الأسلوب والنهج. فرغم أن غلاء سعر الكيلوواط تجاوز المعقول، مقارنة بدخل المواطن السوري، ورغم أن معظم الناس لم تبادر إلى دفع الفاتورة الباهظة التي تم الإعلان عن صدورها في الدورة الماضية، فإن وزارة الطاقة ما زالت تجلس وراء بالون الاختبار وتنتظر كي ترى أكثر تداعيات قرار رفع سعر الكهرباء.
خرجت الكثير من التظاهرات وأقيمت الاعتصامات، كما أظهرت آراء المواطنين عبر وسائل الإعلام، غضباً شعبياً بسبب ذلك القرار، فكتب أحد المعلقين بأنه ليس إلا تمهيداً لخصخصة هذا القطاع بشركة أجنبية ستبيع الكهرباء للمواطن مثل باقات الإنترنت بأسعار خيالية. في حين كان الأجدى التركيز على مشاريع التنمية وإعادة الإعمار التي من شأنها رفع مستوى الدخل، حتى يتمكن المواطن المسكين من دفع الفواتير عن طيب خاطر.
قرارات تضع الحصان قبل العربة!
يقول المواطن إن مقياسه في الحكم على مصداقية المسؤول، هو قدرته على تقديم خدمات الحياة الكريمة للناس، دون "شرشحة" وبهدلة، ولنا في القطاع الطبي مثال يحتذى، حيث يشقى المواطنون المحتشدون أمام المشافي، من أجل شراء الدواء وإجراء التحاليل والصور في القطاع الخاص، لأن تلك الخدمات غير مؤمنة في المشافي العامة.. ويقول أحد أهالي المرضى المصابين بمرض عضال:
"يا أخي، أوقفتم إنتاج الأدوية الوطنية في تاميكو، بحجة تهالك الأجهزة وانتشار الفساد، في حين كان الأجدى أن تؤمنوا البدائل قبل اتخاذ القرار، أو معالجة مشكلات تلك المؤسسة قبل إيقافها للاعتماد على الشركات الأجنبية التي لا تأخذ بحسبانها دخل المواطن السوري المتردي".

