ثورة لبنان: عن بهجة أسقطت الزمن الإلهي

تاريخ النشر: 24.10.2019 | 19:33 دمشق

آخر تحديث: 24.10.2019 | 23:01 دمشق

لوهلة بدا أن كل شيء في لبنان قد بات مكسوا بطبقة كثيفة من الإلهية المنتسبة إلى حزب الله وزمانه. لم يستطع أحد التفلت من سطوة هذا الواقع أو إظهار ولو حداً أدنى من الاختلاف مع مآلاته وأخلاقه. ساد التماثل وتفشى، حتى لم يعد الفصل بين خطابات التيارات السياسية ممكناً لأنها تنطلق جميعاً من مرجعية واحدة ووحيدة وتصب فيها.

بذلك تحولت السياسة إلى بنية إلهية متعالية عن الواقع، تنحصر مهماتها في تدبير شؤون تسفيهه وتخريبه وتحويله إلى كابوس لا شفاء من سطوته.

رد الناس كان مفاجئا ومباغتا وتمثل في إصرار الثورة القائمة حاليا على إلغاء انتساب مطالب الناس إلى السياسة، ما يعني تاليا الرفض التام لأن يكون لأي طرف سياسي الحق في التفاوض مع الناس.

هجم الناس على السياسة والسياسيين بالبهجة والخفة. كانوا ينتظرون

كشفت القوى السياسية أنها لا تملك شارعا، وفي كل لحظة كانت تحاول فيها التعبير عن تمثيلها لفئة من الناس، لا تجد أمامها سوى الركون إلى فعل بلطجة

ثقلا وصراخا وبكاء أو استجداء أو أي شيء مما يجيدون تماما التعامل معه. كانوا ينتظرون السياسة كي تظهر الثورة كعنوان خلافي بوصفها شارعا يقابله شارع آخر.

كشفت القوى السياسية أنها لا تملك شارعا، وفي كل لحظة كانت تحاول فيها التعبير عن تمثيلها لفئة من الناس، لا تجد أمامها سوى الركون إلى فعل بلطجة، بدا بائداً وقديماً ومفتقداً للجدوى.

نصرالله فقد إصبعه وهوله، واضطر إلى أن يخاطب الناس قائلا يمكنكم أن تشتموني. جمهوره لم يعرف ماذا جرى. نراه ينزل إلى الساحات محاولا البحث عن مقايضة ما بين شتم زعيمه المقدس وبين السماح بشتم نوابه ووزرائه.

الشارع كان أوسع من قداسة نصرالله، وربما يكون هو تحديدا قد سبق غيره من السياسيين في استشعار هول ما يجري ونوعه، لأنه عرف أنه المستهدف، وأن أمواج الهيلا هيلا هو الشتائمية الموجهة إلى باسيل إنما طالت زمنه وروحه.

نصرالله لا يُشتم ولكنه يسقط. يسقطه الجديد وغير المألوف والذي توءَم النبطية، والضاحية، صور وطرابلس، جل الديب وساحة الشهداء، وجعل النبطية أيقونة الثورة.

كان يريد أن يخفي الشيعة في جبّته وأن يخرجهم علينا بهيئة فزاعات ولكنهم خرجوا عليه في النبطية وغيرها. صرخوا في وجهه أنت إرهابي ونحن المقاومة. ولعل صورة الحجة التي كانت تخبئ السلاح للمقاومين السابقين في حديقة منزلها معرضة نفسها وعائلتها للموت وقد سحلت تحت أقدامهم الآن، تقول بوضوح ما لا يستطيع نصرالله تحمله ولا التعامل معه سواء إذا اعتبرنا أنه يفهمه أو لا.

الجديد عطل آلات السياسة وآلات التنظير، وأعاد الاعتبار لطاقة الجسد والبهجة بوصفهما قوة خارقة لا قبل لأحد بتفسيرها ولا بمواجهتها.

لدينا هنا في الساحات طاقة تنزع عن كل ماض هالته، وتتجه حصرا نحو المستقبل ولا تبني على شيء ولا تتخذ من أي شيء مرجعية. كل محاولات مقارنتها بما سبق بدت فذلكة تافهة، وكل محاولات القراءة لا تعدو كونها محاولة للتوثيق.

هجمت البهجة على الساحات مخلية المجال لأورغازم ثوري متواصل. رقص، غناء، شتائم، قبلات، رقص في كل الأماكن. خرجت المدن والساحات من التشادور الإجباري لتكشف عريها وترفض النقاش والتفاوض.

يبحث الناس عن الجديد فلا شيء في الماضي الإلهي سوى موتهم. دفن الناس موتهم وعطلوا أدواته. إنهم يعيشون الآن.

اكتشف اللبنانيون أنهم أحياء فخرجوا ليمارسوا حياتهم. ما يحدث ليس سوى الحياة وقد تنفست خارج السياسة ومستنقعاتها.

يرى الناس حاليا في السياسة نزعة لعقلنة التمويت. قدَّم سعد الحريري ورقته الاقتصادية فكان الرد الفوري للناس برفضها، وبعد مضي أكثر من أسبوع على الثورة يخرج رئيس الجمهورية بخطاب مسجل ليقول فيه للناس أنا الأمين على مطالبكم والمرجع المخوَّل بتنفيذها، فكان الرد المباشر بأهازيج السخرية والشتائم.

بدا الزمن الإلهي على هيئة الجنرال المتعب مترهلا وجليديا ومنفصلا عن الزمن. نفهم عمق حرص حزب الله في الدفاع عن العهد العوني ورمزه الوثن العجوز في هذا البعد تحديدا.  يعشق الحزب الإلهي الرموز ويعرف سطوتها، لذا يصرّ أن يلقي في وجهنا بصورة الجنرال الرئيس المستحضرة لموت ممتد يريدنا أن نسكن فيه جميعا. لا أحد يستطيع أن يناقش في أن سعد الحريري الذي لم يبلغ الخمسين

نجحت الثورة في تحويل كلام الساسة كلهم إلى كلام متحفي. بدت الشتائم وكأنها اللغة المحايثة للزمن، واستطاعت وصل البلاد بالعالمية

بعد يردد أصداء صورة عون وأنه، على هيئته ومثاله، بدا مترهلا فاقدا للشباب والحيوية، والقدرة على فهم مطالب الناس وحيوية الشارع.

يُهزم الترهل بالزهو المفتخر للأجساد الراقصة الهازئة وبالمدن التي تصرخ "كلن يعني كلن"، وبتمويت الطائفية وتذويبها بأسيد النشوة وفي خلخلة اللغة والكلام.

نجحت الثورة في تحويل كلام الساسة كلهم إلى كلام متحفي. بدت الشتائم وكأنها اللغة المحايثة للزمن، واستطاعت وصل البلاد بالعالمية، وأعادت إنتاج الهوية اللبنانية ووصلها بثورات المنطقة وخصوصا الثورة السورية.

إن الكسأميّات الموجّهة إلى أركان السلطة في لبنان تصيب أيضاً بشار والولي الفقيه ولعل في استبشار السوريين بثورة اللبنانيين ما يضيء على المعاني الكامنة والصعبة التحديد حاليا فيها. بدأت هذه الثورة كاملة وممتلكة لوعي حاد ومباشر، أسقط فجأة عنوان العنصرية ضد اللاجئين من التداول، فبتنا نعرف الآن أنه لم يكن صناعة لبنانية بل كان صناعة إلهية.

كنا قبل هذه الثورة نلعن البلاد ونخجل من هويتها. الآن إذا سألت أي لبناني، ما خلا هؤلاء الذين يخاطبهم الرئيس المترهل بلقب أعزائي، من أي البلاد أنت لأجابك بكل فخر وثقة: أنا لبناني من بلاد الهيلا هيلا هيلا هيلا هو.

درعا.. ملازم في جيش النظام يهين لؤي العلي رئيس "الأمن العسكري"
تنفيذاً للاتفاق.. النظام يدخل تل شهاب غربي درعا ويفتتح مركزاً "للتسويات"
مع تسارع التطبيع.. هل ينجح الأردن في إعادة تعويم الأسد؟
تركيا.. عدد متلقي جرعتين من لقاح كورونا يتجاوز 68 في المئة
"محافظة حماة" تغلق صالات التعازي حتى إشعار آخـر
"الإنقاذ" تغلق المدارس وأماكن التجمعات في إدلب بسبب انتشار كورونا