ثورة الحرية والكرامة أم "كرامات" الشيخ "الحوت" وشيوخ العشائر؟

ثورة الحرية والكرامة أم "كرامات" الشيخ "الحوت" وشيوخ العشائر؟

الصورة
الشيخ محمود الحوت (إنترنت)
11 تموز 2019

في حالات كثيرة تقرأ أو تسمع جملة ما، أو خبراً، أو مشهداً، فتصحو من هول ما قد سمعته، أو قرأته أو رأيته.. إذ ينفتح أمامك الجرح بمدى عمقه، وشدة ألمه كما أنك تحسُّه للمرة الأولى.. وهذا ما حدث لي حين اطلعت، بالمصادفة، على هذين الخبرين قراءةً على صفحة أحد المواقع الإلكترونية، ومشاهدةً، واستماعاً عبر فيديو وتسجيل صوتي على الصفحة ذاتها يعرضان ما يلي:

يصوِّر الفيديو الشيخ محمود الحوت القادم إلى تركيا/مدينة أضنة حديثاً. (مقر الحوت وزاويته في جامع الكلتاوية في منطقة باب الحديد بحلب حيث المدرسة الشرعية التي يشرف عليها أيضاً.. وأسرة الحوت، في الأصل، من قرية شرق حلب تدعى تِيَارَه.. وبالمناسبة، إن أغلب رجال الدين الذين يتبوؤون مكانة دينية خاصة في مدينة حلب ينحدرون، في الأصل، من الأرياف، وربما يكون شأنهم كذلك، في المدن السورية الكبرى،).

إن مجيء الشيخ الحوت بمهمة، وهي محاولة إعادة علماء الدين وبعض الوجوه الحلبية ورجال الأعمال إلى حضن النظام، وقد أمَّن لهم عودة سالمة

يعرض الفيديو الشيخ الحوت، وهو يجلس أرضاً في زاوية غرفة، تتزاحم حوله أرجل الشباب، وجسومهم. وترى كلاً من هؤلاء الشباب "الثوريين" ينحني أمام الشيخ في سعي منه لتناول يد الشيخ من حجره لتقبيلها.. بعض الموجودين يحاول ترتيب الدور وإيجاد نظام للتقبيل المفيد..!

تحت الخبر/الفيديو ثمة تسجيلان صوتيان ينبِّهان السوريين في تركيا يطلبان إليهم أن يكونوا على حيطة وحذر تجاه الشيخ الواصل إلى أضنة، منذ يومين فقط، ودونما أي ضجيج، إذ لا يعرف أحد ما الذي أتى به، أو ما الذي جاء من أجله وإلام يسعى.. ويشير الصوت إلى أنَّ الشيخ موالٍ للنظام وإذا كان قد انشق فلِمَ لمْ يعلن انشقاقه حتى اللحظة..! ويبدو أن صاحب التسجيل قد استدرك شيئاً ما، فأتبع تسجيله بآخر يقول من خلاله ما فاته حول مسألة الانشقاق:

إن مجيء الشيخ الحوت بمهمة، وهي محاولة إعادة علماء الدين وبعض الوجوه الحلبية ورجال الأعمال إلى حضن النظام، وقد أمَّن لهم عودة سالمة، وبالطبع التأمين يكون عبر أجهزة المخابرات، والغاية تأدية خدمة للنظام للمتاجرة برجال الدين أمام المجتمع الدولي ولتسهيل مهمة الروس في الاتجاه نفسه، للزعم بأن الوضع في سوريا سليم، وأن رجال الدين الإسلامي مع الرئيس بشار الأسد! وتتمة لهذا الخبر الذي فرضه واقع قدوم الشيخ، فإن خبراً آخر منشور على صفحة الموقع نفسها، ويتضمن رسائل متماثلة أوَّلها ممن يسمون أنفسهم بـ: "إمارة طيْ" (هكذا تلفظها العوام..!) ورسائل أخرى من عدد من العشائر منها: (البحاترة، والهوادجة، والمشاهدة..) والكل يطالب بتمثيله في هيئة التفاوض راجياً من السيِّد "رياض حجاب" رئيس مجلس الوزراء المنشق التدخل لأجل هذا الأمر، ولإيجاد تمثيل لهؤلاء وهذا نموذج حرفي عن تلك الرسائل:

 بسم الله الرحمن الرحيم

"نحن أبناء قبيلة...... في سورية، ونظراً لغياب التمثيل السياسي المستند لتحقيق ثوابت الثورة السورية وفي مقدمتها إسقاط نظام بشار الأسد وتحقيق الانتقال السياسي للسلطة وفق بيان جنيف1 والقرار 2254 وانحراف من يدّعي تمثيل الثورة السورية في المحافل الدولية ومنها ما يسمى هيئة  التفاوض المزعومة وتماهيهم مع الخطة الروسية في إعادة تأهيل بشار الأسد فإننا نعلن الآتي:

1- عدم اعترافنا بما يسمى هيئة التفاوض كمفاوض أو ممثل للثورة السورية ونهيب بهم عدم التحدث باسم الثورة اعتباراً من تاريخه.

2- نطالب بالدكتور رياض حجاب رئيس مجلس الوزراء السوري المنشق عن نظام بشار الإرهابي قائداً وممثلاً للثورة السورية والسوريين الأحرار ونطالبه بتحمُّل مسؤوليته ليلتف حوله السوريون الأحرار وصولاً لإسقاط نظام بشار الإرهابي، وتحقيق الانتقال السياسي للسلطة في سوريا وفق بيان جنيف1 والقرار 2254.."

لاشك بأنَّ هذين الخبرين يحيلان إلى حال الثورة السورية اليوم التي لم تأت قبل تسع سنوات عن عبث أو شهوة حكم بل أتت لضرورات موضوعية لا بد من التذكير بعناوينها الرئيسة بل بدواعيها وأسبابها، وذلك لرؤية الحال التي آلت إليها.. ومن أسبابها البعيدة أسباب اقتصادية واجتماعية تتعلق بحياة الناس ومعيشتهم ويمكن إيجازها بما يلي:

 وقف التنمية، وتزايد البطالة، وتفشي الفساد في مفاصل الدولة الرئيسة بما فيها الجيش المعني بحماية حدود الوطن، إضافة إلى تضخم الأجهزة الأمنية، وتفاقم حدة القمع وما يولِّده من أوجاع وأحقاد.. والأهم من كل ذلك هو تعطيل السياسة، وذلك بإلغاء نوافذ حريتها من أحزاب، ونواد، وجمعيات، وصحافة حرة، وتداول ديمقراطي لإدارة الدولة، وقضاء مستقل.. إلخ. كل ذلك أوصل سوريا خلال العقد الأول من حكم بشار الأسد إلى آخر دولة في سلم التقدم والتطور، وأول دولة في الفساد بحسب المعايير الدولية وتقارير التنمية المتخصصة.. الأمر الذي دعا للإصلاح في إطار من المساواة بين المواطنين وعدم التمييز فيما بينهم على أي أساس كان، بمعنى تحقيق المواطنة الفعلية، وغدا الإصلاح استحقاقاً للشعب، وكثرت الوعود حوله، ومعها كثرت المناورات، ودام الأمر عشر سنين كاملة دون تحريك شيء من مكانه، فقد خشي النظام الإصلاح.. فكان أن هبَّ الشباب متأثرين بالربيع العربي أوائل العام 2011 بذلك الزخم الذي نزلوا به إلى الشوارع عشراتٍ.. عشراتٍ من الألوف في معظم المدن الكبرى، وقد وصلت أحياناً إلى مئات الألوف يجللها فرح مذاقه طعم الحرية التي يهزجون لها، وبها يحلمون كرمى لسوريا ولعودتها عزيزة ذات أصالة وعراقة، ما أرهب النظام وكشف حقيقته، حين لجأ إلى سلاح الجبن والخسة وإطلاق الرصاص على الشعب، وبدأ بارتكاب المجازر وأدخل سوريا في نفق طويل معتم..!

والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة بعد ذلك العرض الذي تقدَّم كرمز أو نموذج عن بعض حوامل الثورة التي تشد إلى الوراء ولا تدفع إلى الأمام بحسب جوهر الثورة وغاياتها

والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة بعد ذلك العرض الذي تقدَّم كرمز أو نموذج عن بعض حوامل الثورة التي تشد إلى الوراء ولا تدفع إلى الأمام بحسب جوهر الثورة وغاياتها، ويبدو أنَّ هذه الرموز كثيرة في مجتمعنا السوري، بل في المجتمعات العربية كلها، وإلا ما سرُّ بقاء هذا القمع الممارس على مجتمعاتنا منذ الاستقلال إلى اليوم، وقد رافقه تفريط بالقضية الفلسطينية، وضياع للجولان، وبروز إسرائيل كدولة إقليمية فاعلة تقرر مصير المنطقة مع كبريات الدول الأكثر تأثيراً في سياسة العالم، إن لم أقل التي توجه دفته.. أعتقد أن لهذه البساطة بل السذاجة فعلها السلبي سواء تلك التي رأيناها في تقبيل يد الشيخ أم في تلك الرسائل التي أتت على ألسنة شيوخ بعض العشائر في مسار الثورة كلِّها. ألم تحتضن هذه الحوامل الشعبية وأشباهها "داعش" وسواها من المنظمات المتطرفة على أنَّها خير من يمثل الدين الحقيقي؟! ألم تسئ بعض الفصائل العسكرية لدورها وترتكب فظائع بحق الشعب تحاكي أفعال المستبد ذاته.. تسع سنوات ليست بالزمن القليل فقد وصلت سوريا إلى أقصى ما يمكن أن تصل إليه من الخراب والدمار الشاملين.. وإذا كان النقد قد طال قيادة المعارضة فلا بأس أن يمتد النقد ليطال حوامل الثورة التي كثيراً ما تلعب دوراً سلبياً.. فالثورة وعي قبل أيِّ اعتبار آخر.. والثورة، في واقعنا، نقلة نوعية أفقها الحضارة القائمة على البناء والتنمية على أسس من العلوم العصرية، والثورة رص لصفوف المجتمع على أسس المواطنة لا تفتيت للمجتمع بتقسيمات فاتها الزمن وتجاوزتها الحضارة.. وإذا كان النظام يصارع لكسب رجال الدين أو شيوخ العشائر فالثورة وقيادتها ومرتكزاتها بحاجة إلى حوامل واعية ترتقي بها وبالشعب.. لقد رأى بعض المفكرين السياسيين "أن المستبد يحتاج، لدوام استبداده، إلى عاملين: جلاد ورجل دين" واحد للترهيب والترويع والآخر للتبرير والتخدير.. بينما رأى عبد الرحمن الكواكبي الثائر ضد المستبد، في كتابه طبائع الاستبداد أن الاستبداد السياسي متولد من الاستبداد الديني إذ يقول:

"تضافرت آراء أكثر العلماء النّاظرين في التّاريخ الطّبيعي للأديان، على أنَّ الاستبداد السّياسي مُتَوَلِّد من الاستبداد الدِّيني، وبعضهم يقول: إنْ لم يكنْ هناك توليد فهما أخوان؛ أبوهما التَّغلب وأمّهما الرّياسة، أو هما صنوان قويّان؛ بينهما رابطة الحاجة إلى التّعاون لتذليل الإنسان، والمشاكلة بينهما أنَّهما حاكمان؛ أحدهما في مملكة الأجسام والآخر في عالم القلوب.." ورأى أيضاً أنَّ:

المستبد لا يخاف من العلوم الدينية المتعلقة بالمعاد لاعتقاده أنها لا ترفع غباوة ولا تزيل غشاوة وإنما يتلهى بها المتهوِّسون.. لكن فرائص المستبد ترتعد من علوم الحياة مثل الحكمة النظرية والفلسفة العقلية وحقوق الأمم أو سياسة المدنية.."

وفي هذا القول غاية الدين، ومبرر وجود الإنسان الذي جعله الله خليفته في الأرض ليعمِّرها ويعلي في بنيانها..!

 

 

شارك برأيك