ثنائية الضحك والبكاء.. خطيب بدلة في قصص "أساطير بعثية"

تاريخ النشر: 27.05.2021 | 09:20 دمشق

محمد علاء الدين عبد المولى

في كتابه القصصي الجديد (أساطير بعثية) الصادر أخيرا عن دار موزاييك للدراسات والنشر (تركيا)، يواصل الكاتب السوري القاص خطيب بدلة مشروعه الأدبي الذي قطع فيه مراحل وراكم عبره تجارب مختلفة منذ كان داخل سوريا.

وكلمة أساطير الواردة في عنوان الكتاب تأتي إعلاناً عن هدف الكاتب في تقديم أساطير يصفها بأنها بعثية. لكن بحسب فضاءات القصص في الداخل سنعيد فهم العنوان من جديد، فالبعث أعجز من أن يصنع أساطير حقيقية. والأساطير في القصص هي مواقف أو أشخاص من قلب الواقع السوري في شتى الميادين، قامت بتصرفات وأفعال لا يمكن تفسيرها منطقيا وبحسب شروط الواقع الطبيعي لأي مجتمع. وإنما كانت غير عادية بسبب أنها تشكلت في ظلّ نظام البعث، الذي حرف كل مسارات الحياة السورية لتنحو منحى غرائبيا غير معقول. فكان واقعنا السوري أشبه بأساطير سواء أكانت مضحكة أم فاجعةً كما في القصة الأولى التي تظهر فيها براعة الكاتب في تقديم نموذج يبتعد فيه عن مناخ السخرية والإضحاك، بل إن القارئ قد يشعر بدموعه تنهمر وهو يقرأ نهاية القصة.

حين تحضر السخرية في شتى مناحي السلطة

صناعة الموقف الساخر يأتي عبر عدة أساليب، منها مثلا إطلاق صفات كاريكاتورية من اختراع الكاتب على شخصياتٍ من الحياة تقوم بسلوكٍ ما يحتاج إلى تفسير أدبي يفضي إلى جعله سلوكاً ساخراً. مثال ذلك أن عددا من الوزراء يتم إعفاؤهم من الصلاة التي يقيمها رئيس الوزراء. (هذه الجملة بحد ذاتها حدث أدبي مثير للضحك العميق. فلنا أن نتخيل صلاة جماعة يقيمها رئيس وزراء سوريا ووراءه الوزراء!) الوزراء الذين يعفون من الصلاة هم (وزير الضرب بالمليان) فهذا معفى من مفتي الجمهورية لأنه يقوم بمهمة مكافحة الإرهاب. وإعفاؤه ساري المفعول حتى يتم القضاء على آخر إرهابي في البلاد.

ووزيرة المصالحة الأهلية لم تشارك في الصلاة لأن لديها المانع الشرعي. أما وزير الحدائق فقد أعفي من الصلاة لأن جسمه ضخم ويخشى من أن ينفقع بنطاله من مؤخرته عند السجود.

يحافظ خطيب على توازن بين عناصر السخرية في القصة كتقنيات مطلوبة. فهو على سبيل المثال يسرد الواقعة وكأنها حدث فعلي يقنعك به.

فكرت للوهلة الأولى كقارئ أن وزير التموين كان أجدى من وزير الحدائق بهذه الوقفة الساخرة. فضخامة الجسد توحي بالأكل الشره من تموين البلاد. لكني وجدت أن خطيب محقّ في ذلك، لأنه يضع أسماء وزارات لا وجود لها أصلا، وإطلاق تسميات على الوزارات هو الآخر فعل سخرية وتهكم.

يحافظ خطيب على توازن بين عناصر السخرية في القصة كتقنيات مطلوبة. فهو على سبيل المثال يسرد الواقعة وكأنها حدث فعلي يقنعك به. وفي سياق سرده للحدث يستخدم لغة بسيطة موجزة العبارة تؤدي الهدف من السخرية باستعمال ألفاظ غير مألوفة حتى في السرد الأدبي العادي. مجرد استعمال عبارة (أبو عروبة العرصا) سوف تخلق حس السخرية في المتلقي. هذه العبارة التي تصف صحفيا، لو وردت في قصة تراجيدية مثلا لكان وصف (العرصا) لا قيمة له ولن يؤدي وظيفة. فسياق قصة تراجيدية لا يحتمل هذه الكلمة ولو وردت فسوف تكون نشازا يؤخذ على الكاتب. في حين توافرت ظروف فنية مغايرة في سياق قصة ساخرة لتأتي المفردة بمهارة وبلا حذلقة.

وكما في رسوم الكاريكاتير تبرز سمة تضخيم الأجسام بطريقة هزلية مضحكة، لتؤدي اللوحة وظيفتها الفنية، فهناك في قصة خطيب بدلة كفن ساخر يوجد تركيز على بعض صفات الشخصية وتضخيمها بل والمبالغة فيها مبالغة فنية، فالمبالغة هنا تحقق دورا في خلق (المفارقة) التي هي أساس مهم من أسس السخرية بعامة في القصة وغيرها. حتى في الكوميديا كتمثيل يتم الاعتماد على التضخيم لإثارة أكبر قدر من التهكم.

في حين لو اعتمد الشاعر مثلا في قصيدة حب مثلا أو قصيدة عن مكان متفجر أو عن جثة متفحمة، فهنا تبدو المفارقة سلوكا لاأخلاقيا! ستبدو أمرا مناقضا لهوية الموقف المراد بناؤه شعريا. فإذا اعتبرنا التضخيم والمبالغة تقنية بلاغية، فهي من أجل استعمالها في السياقات الملائمة لها. وإلا فستظهر من خارج اللحظة وتخلق نتائج معاكسة لرسالة الفنّ. من هنا نفهم وعي الفن الساخر الذي يمتلكه خطيب بدلة خاصة حين صارت كتاباته تعبر بصراحة عن فساد الواقع السوري وخرابه ومظاهر استبداده وانحلاله الأخلاقي.

شعراء المخابرات

حين كان في سوريا لم تكن الشروط مساعدة ليظهر خطيب هذا الجانب كما يظهره الآن وهو بمأمن من الاستبداد وأجهزته. مع أنه كان يركز على مفارقات ومبالغات اجتماعية وإنسانية لا حصر لها مما تشهده حياتنا السورية، لكن كانت الحرية معدومةً لتناول موضوعات مثل كيف يبرز شعراء المديح الأسديّ وكيف يتملقون ويريقون كرامتهم على أبواب فروع المخابرات من أجل الحصول على حصة بمشاركة في مهرجان يحضره حافظ أسد مثلا!

وعلى الرغم من أن مثل هذا الموضوع موضوع بمنتهى الجدية والخطورة، ويتطلب دراسة نقدية واجتماعية وفكرية للبحث في واقع الشعر المبذول على أقدام الرئيس وقصره ومنجزاته، لكن القاص الساخر يحوله إلى حقل غنيّ للتهكم والكوميديا. لا سيما أن عناصر الموضوع عناصر هي في الأساس متضخمة ومبالغ في مكانتها. شخوص القصة باستثناء الشاعر وزوجته المنحدرين أصلا من بيئة عادية، فهم شخوص في مواقع حزبية (بعثية) بدءا من فرقة وفرع وصولا إلى قيادة عليا وفروع مخابرات وإدارة تلفزيون بل حتى وصولا في النهاية إلى شخص الرئيس. كلها شخوص يضعها خطيب تحت مجهر السخرية الفاقعة كل بحسب موقعه ووظيفته. والغريب في الأمر أن هؤلاء الشخوص مع كونهم أبطال السخرية هنا، لكنهم في أرض الواقع هم أسباب خراب البلاد وفسادها وفقرها وتأخرها. فبعد أن ينتهي القارئ من الضحك حتى السطر الأخير، يتأمل مليا في حال البلاد التي يحكمها هؤلاء السفلة. في حال ثقافةٍ يصبح أحد نجومها شاعراً رديئاً تصنعه المصادفات والولاءات والانتهازية بشكل لا مجال فيه لحديث عن كرامة الشعر والإبداع.

الأدب كوسيلة كاشفة لمنظومة الفساد واللصوصية

إذا كان هناك حديث مستمر عن رسالة الأدب ووظيفته، فهذا أمر مفروغ منه بعد أن نكون قد لمسنا في البداية أن النص الأدبي يخلص لرسالته الفنية الجمالية قبل أي شيء آخر. فإذا حقق هذا الشرط صار الحديث يسيرا عن مستوى آخر من (الرسالة). وما يفعله خطيب في كتابه (أساطير بعثية)، أنه لا يكتفي بإثارة المتعة والمرح والمفاجأة في قصته، بل هو يرسم للقارئ أوجهاً من الحياة الأدبية السورية في ظل حكم الأسد.

فهذه الأساطير خلاصات واقع سوريّ محكوم بمنظومة ثقافية تتقدم فيها عناصر الفساد واللصوصية والعقلية المخابراتية لتكون هي البنية الثقافية المهيمنة على الشاعر والصحفيّ والوزير ورئيس التحرير وزملاء المهنة. يقول الصحفي إبراهيم لزميله وهو يسرّ له بأمور لا يمكن الحديث فيها علنا: "الوضع يا أبو الورد ما عاد ينطاق. مرّ معك في التاريخ، وفي الجغرافيا، وفي علم الاجتماع، ونشوء الدول وزوال الممالك، حدا بيفرض ع حدا إنه يمدح حدا؟ أبو الورد أنت لما بتشوف واحد عديم الموهبة، انتهازي، منافق، مهرج، عم يمدح حافظ الأسد، ما بتزعل، لأنه هالشخص ما بيعني لك شي أصلا، لكن مستحيل تقبل النفاق من شاعر حقيقي، أو من صحفي حقيقي، أو من إنسان حقيقي. يا أخي وبركي الواحد ما بيحبه لهالشخص؟ خيو بالمشرمحي أنا ما بحبه لحافظ الأسد، ما بطيقه. كيف بدي إكتب شعر إمدحه فيه؟" ص 46.

وحين يتهرب هذا الصحفي من مهمة الكتابة بمناسبة الحركة التصحيحية بأن يقدم إحالة مرضية للحصول على استراحة، يذهب عنصر من المفرزة الأمنية في الجريدة ليدقق في أسباب هذه الإحالة المريبة في هذه الذكرى العظيمة. فيكتب تقريرا لرئيس فرعه مرفقا معه الإحالة واضعا إشارات حمراء تحت ما ذكره الصحفي من أسباب لإحالته. وهذه الأسباب هي "أعاني من مغص شديد، وغازات... وفي الليل تصدر عني أصوات أنا نفسي أجفل منها". وعنصر الأمن يعتبر هذه الأسباب إهانةً للمناسبة الوطنية العصماء. فكيف يشعر صحفي أديب بمغص وضراط وغازات وهو في يوم ذكرى الحركة التصحيحية؟

كوميديا الحزن!

مثل هذه الوقائع تلخص بانوراما الحياة في سوريا على أي صعيد. ومع أنها مشبعة بالكوميديا والسخرية لكنها لدى التفكر فيها تبعث على الأسى والحزن. إذ كيف يعيش شعب بكامله في مثل هذه الظروف الخانقة؟ التي يراقبك فيها (الأخ الأكبر) في كل حركاتك حتى في أسباب مرضك ويربط ذلك بالمناسبات الوطنية التي ما هي في الحقيقة إلا مناسبات أسديّة لا تمتّ لمعنى الوطن بعلاقة؟      

ما يمكن تسجيله في تطور أدوات السخرية في قصة خطيب بدلة قبل مرحلة 2011 وما بعدها، أنه كان في الأغلب الأعمّ يحقق شرط السخرية والكوميديا بهدف الإضحاك وذلك في مرحلة ما قبل 2011. أما ما بعدها وبعد خروجه من البلاد فقد توسع في الموقف بحيث صارت الكوميديا عنده في كثير من مشاهدها مصاحبة للحسّ الفجائعي. وهذا ناتج عن أنه صار يكتب بحرية عن محرمات الواقع السوري التي لا يمكن للسخرية وحدها أن تعرضها، فهو واقع يخنق الروح ويثقل على كاهل الكاتب وحريته.

نستخلص من قصص خطيب عموما أنه يضع لنا النقيضين معاً في اللحظة نفسها، ليخلق أكبر قدر من التأثير المزدوج. فيضحكنا ويبكينا في عملية ثنائية تتناسب مع ثنائية اللحظة المركبة التي يعتمد عليها في تأليف الموقف الساخر

الباحث (ديزموند موريس) صاحب كتاب (القرد العاري) يعتبر "الضحك هو تطور عن البكاء"! فليس بالضرورة أن يكون ناتجا عن أشياء مضحكة، بل ربما يكون سببه مأساة تشبه المأساة التي عاشها ويعيشها السوريون في ظل نظام الأسد. هنا نجد وعيا من نوع مختلف لدى الكاتب حين يضع التهكم والسخرية في سياق أشمل، محققا معنى من معاني الفكرة السائدة في أن السخرية هي سلاحٌ يشهره المجتمع المقهور المسحوق في وجه أنظمته وجلاديه.

وهذا يتوضح أكثر حين نستخلص من قصص خطيب عموما أنه يضع لنا النقيضين معاً في اللحظة نفسها، ليخلق أكبر قدر من التأثير المزدوج. فيضحكنا ويبكينا في عملية ثنائية تتناسب مع ثنائية اللحظة المركبة التي يعتمد عليها في تأليف الموقف الساخر. وكأننا هنا أمام تناقض (العظيم والبذيء) أو (الكرامة والدناءة). وهذه ثنائيات يعتبرها فرانسيس هاتشيسون - وهو المعروف بفيلسوف الضحك في القرن 18 - أهمّ المولّدات للضحك والفكاهة لأنها عبارة عن تجميعٍ غير منسجمٍ بين متناقضات. هي نفسها متناقضات الحياة السورية التي تقف وراء اختراع هذه الأساطير.

إذا تابعنا أسطورة الصحفي إبراهيم فسوف نجد أنه ضاق ذرعا بالحال، وصار ينتقد قصيدة ركيكة في مديح الرئيس وحركته التصحيحية. ويسمي هذه القصيدة (علاك) وذلك بحضور كاتب تقارير مخبر يودي به معتقلا في (فرع فلسطين). ورغم أن خطيبته سمر أعلنت فسخ خطوبتها من قبل أن يعتقل، لكنها حين سمعت باعتقاله بكت.. بل وأرادت أن تزوره في المعتقل برفقة أمها التي تجبرها في الطريق على زيارة قبر أبيها. تقف الأم عند القبر وتقول لزوجها: عجبك؟ الرجل اللي اخترته لبنتك طلع ما بيفهم. إجا لواحد راسه من حديد وصار يناطحه [في إشارة إلى حافظ أسد] . تفضل أنت فهّمها هالحكي لبنتك الحوبة.

نحن هنا أمام صورة واضحة من اقتران (المأساوي بالتافه). ولا ينتج عن هذا الاقتران إلا ألمٌ وأنينٌ يخلط بين الضحك والبكاء. وهذا ما يتقنه خطيب بمهارة في هذا الكتاب الجميل الذي يعتبر نقلة مميزة في مساره الأدبي.  

القصص كلها عيّناتٌ أدبية للأحوال السورية اجتماعيا وثقافيا وسياسيا. فثمة تركيز على هيمنة السلطة على قطاع الثقافة، مجسدا ذلك بنماذج من الشعراء ومؤسسة الصحافة ومجلس الشعب... وفوق كل هذه العينات يجثم حافظ الأسد، وتتحرك الأسطورة السورية بين الرأس والقاعدة، ككرة تتقاذفها الملهاة والمأساة في آن واحدٍ معاً.

كلمات مفتاحية