لم يكن اختيار الرئيس السوري أحمد الشرع لكل من الشيخ حسن صوفان، ابن اللاذقية والمسؤول عن ملف "أمن السلم المجتمعي" في منطقة الساحل السوري، والشيخ أنس عيروط، ابن مدينة بانياس التابعة لمحافظة طرطوس، في "اللجنة العليا للحفاظ على السلم الأهلي" أمراً مفاجئاً، إذ يتماشى مع دورهما البارز في طمأنة أبناء الساحل، وتعزيز المصالحة، واحتواء التوترات منذ سقوط نظام الأسد في 8 من كانون الثاني 2024.
لكن المفاجأة جاءت مع الاسم الثالث الذي انضم إلى اللجنة، حيث أثار تعيين خالد الأحمد، المستشار السابق غير الرسمي لرئيس النظام المخلوع بشار الأسد، والمتهم بقضايا فساد، موجة من الجدل في الأوساط السورية، نظراً لتاريخه المثير. فمن هو الأحمد؟ وما صحة الأنباء المتداولة عنه؟ وما الأدوار التي لعبها خلال سنوات الثورة؟
كيف انطلقت شرارة التصعيد؟
بدأ التصعيد العسكري في الساحل السوري يوم 6 آذار الجاري، حين اندلعت اشتباكات عنيفة في ريف جبلة قرب اللاذقية، إثر هجوم منسق شنّه فلول النظام المخلوع على قوات الأمن، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى.
وسرعان ما امتدت المواجهات إلى ريف اللاذقية وطرطوس، وسط تقارير عن انتهاكات دموية ضد المدنيين. ما دفع الرئيس الشرع، يوم أمس الأحد، إلى تشكيل لجنة وطنية مستقلة للتحقيق في هذه الأحداث، أعقبها إعلان ثان عن تشكيل "اللجنة العليا للحفاظ على السلم الأهلي"، في خطوة تهدف إلى احتواء التوترات ومنع تجدد العنف في المنطقة.
وتتضارب أعداد القتلى بين القوات الأمنية وفلول النظام والضحايا المدنيين في أعمال العنف. وأعلنت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، اليوم الإثنين، توثيق مقتل 779 شخصاً منذ 6 آذار في مناطق الساحل.
خالد الأحمد: من مستشار إلى منفي ثم دور خفي في "ردع العدوان"
خالد الأحمد، من مواليد حمص عام 1980، هو شخصية مثيرة للجدل بدأت مسيرته المهنية في سوريا بصعود سريع قبل أن يتحول إلى مستشار ومن ثم منفياً، ودور محوري في عملية ردع العدوان، وفق مصادر إعلامية.
ونشأ الأحمد في كنف والده القيادي السابق في "حزب البعث"، وتلقى رعاية خاصة من إخوته. على عكس توجهات والده الأيديولوجية، انجذب خالد إلى "الحزب السوري القومي الاجتماعي"، وتوجه لدراسة اللغة الإنكليزية.
وقبل الثورة السورية، كان الأحمد قد بنى بالفعل علاقات قوية داخل النظام، مستفيداً من علاقات والده وشبكاته في "الحزب السوري القومي".
بعد اندلاع الثورة، برز اسم الأحمد كمستشار غير رسمي لبشار الأسد وأسهم في إطلاق مشروع المصالحة الوطنية.
ولعب دوراً دبلوماسياً سرياً، والتقى بمسؤولين من الولايات المتحدة والأمم المتحدة، بمساعدة صديقه الصحفي نير روزن.
وفي عام 2018، وبعد عودة سيطرة النظام على مناطق واسعة في سوريا، أُبعد الأحمد بتهم من متنفذين في القصر الجمهوري عن فساد مالي وعلاقات دولية تضر بنظام الأسد وانتقل بعدها إلى لبنان ثم مُنع من العودة إلى سوريا.
دور الأحمد في معركة "درع العدوان"
بحسب مجلة "الإيكونوميست" البريطانية، كان خالد الأحمد صديقاً قديماً للرئيس أحمد الشرع خلال الدراسة الثانوية في سوريا، ودخل الأحمد الذي ينتمي إلى الطائفة العلوية، بحسب المجلة، إلى إدلب في العام 2021 عن طريق وسطاء أتراك حيث ناقش مع الشرع إسقاط نظام الأسد ودوره فيها.
ولعب الأحمد دوراً مهما كوسيط ومفاوض خلال معركة إسقاط النظام السوري في أواخر 2024، وكان دوره الرئيسي يتمثل في التواصل مع كبار ضباط النظام المخلوع لتسهيل استسلامهم أو انسحابهم من دون قتال، مما سرّع انهيار النظام وسقوط دمشق من دون معركة دموية كبيرة.
وفي أثناء تقدم قوات "هيئة تحرير الشام" والفصائل المسلحة نحو حلب ودمشق، كان الأحمد يرسل رسائل إلى الضباط الكبار في قوات الأسد، يقنعهم بعدم المقاومة وتسليم مواقعهم.
وبحسب المجلة، نقل رسالة واضحة لقادة النظام: "لن تجري ملاحقتكم إذا انسحبتم"، مما أدى إلى تفكك خطوط دفاع النظام بسرعة مذهلة.
وعندما بدأت قوات "هيئة تحرير الشام" بالهجوم على حلب، لعب الأحمد دوراً رئيسياً في إقناع القادة العسكريين بعدم خوض معركة خاسرة.
وبفضل جهوده، سقطت المدينة بسرعة، وتمكن من التفاوض على إخراج 630 طالباً عسكرياً شاباً من الأكاديمية العسكرية، وإنقاذهم من القتال المحتوم، وبعد سقوط حلب، أبلغ الشرع قائلاً: "الطريق إلى دمشق مفتوح"، في إشارة إلى انهيار النظام بالكامل.
ومع انهيار دفاعات النظام، استمر الأحمد في التواصل مع قادة "الحرس الجمهوري"، القوة الأساسية التي تحمي بشار الأسد، وأقنعهم بعدم القتال، ما أدى إلى تفكك الدفاعات حول العاصمة دمشق وسقوطها دون مقاومة تذكر.
خلال المعركة، حافظ خالد الأحمد على اتصال مباشر ومستمر مع الرئيس الشرع، فقد كان يطلعه على التطورات الميدانية في صفوف النظام لحظة بلحظة، ويعمل على تأمين قنوات التواصل مع قادة النظام المنهار لضمان انسحابهم من دون مقاومة، مما أسهم في تفكك الدفاعات وسقوط دمشق بسرعة غير متوقعة.
وبعد انتصار الثورة وسقوط نظام الأسد، زار الأحمد دمشق عدة مرات، حيث التقى بالرئيس الشرع، ووفقاً لما ذكرته مجلة الإيكونوميست، التي أجرت مقابلة مع الأحمد.
من هو حسن صوفان؟
حسن صوفان، والمكنى بـ"أبو البراء" والمعرف بالاسم المستعار "شادي المهدي"، هو شخصية سورية بارزة وُلد في مدينة اللاذقية عام 1979. درس الاقتصاد في جامعة تشرين، والتحق بعدها بجامعة الملك عبد العزيز في السعودية لتحصيل العلوم الشرعية. سجن في السعودية لمدة عام ونصف بتهم التواصل مع تنظيم القاعدة عام 2004، قبل أن يعود إلى سوريا.
في عام 2004، اعتُقل صوفان من قبل نظام الأسد خلال حملة استهدفت المعارضين السياسيين، وقضى حوالي 12 عاماً في سجن صيدنايا، حيث حُكم عليه بالسجن المؤبد. أُفرج عنه في كانون الأول 2016 بصفقة تبادل أسرى بين النظام وحركة أحرار الشام.
بعد خروجه من السجن، تولى صوفان قيادة حركة أحرار الشام في آب 2017، في محاولة لإعادة تنظيم صفوف الحركة بعد خسائرها أمام "هيئة تحرير الشام"، ومن ثم استقال من منصبه في أيار 2019 لأسباب خاصة، لكنه أكد استمراره في دعم الثورة السورية من دون الانتماء لأي فصيل محدد.
وحالياً، يشغل صوفان منصب مسؤول ملف "أمن السلم المجتمعي" المتعلق بالطوائف في الساحل السوري.
من هو أنس عيروط؟
أنس عيروط، عالم دين وناشط بارز في الثورة السورية، وُلد عام 1971 في بانياس بريف طرطوس. درس الشريعة في جامعة دمشق وتابع تعليمه العالي في بيروت، حيث حصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الفقه والقانون.
قبل الثورة، عمل إماماً وخطيباً لمسجد الرحمن في بانياس، الذي كان مركزاً للحراك الثوري عامي 2011 و2012، ما جعله هدفاً لملاحقات أمنية. تولى رئاسة مجلس قيادة الثورة في بانياس، وانضم إلى المجلس الوطني السوري، ثم أصبح قياديًا في جبهة تحرير سوريا الإسلامية، وعضواً في الائتلاف الوطني ومجلس العلماء السوريين.
في 2017، كان من مؤسسي مبادرة الأكاديميين التي أدت لاحقاً إلى تشكيل حكومة الإنقاذ في إدلب، حيث تولى رئاسة محكمة الاستئناف ثم أصبح عميد كلية الشريعة والحقوق بجامعة إدلب. في 2018، تعرض لمحاولة اغتيال بعبوة ناسفة من قبل "تنظيم الدولة" (داعش) في إدلب وأصيب بجروح.
حالياً، يشغل عيروط منصباً في "اللجنة العليا للحفاظ على السلم الأهلي"، تقديراً لدوره في تعزيز المصالحة واحتواء التوترات في الساحل السوري.
وتواجه اللجنة حالياً تحديات معقدة تتمثل في احتواء التوترات ومعالجة الانقسامات العميقة داخل المجتمع السوري، والتي تعود جذورها إلى إرثٍ ثقيلٍ امتد على مدار 53 عاماً من حكم نظام الأسد الأب والابن. فقد انتهج النظام سياسات طائفية ممنهجة، عمّقت الشرخ الاجتماعي ورسّخت مشاعر الكراهية، وتركت آثاراً عميقة تحتاج خطوات جادة وجهوداً حثيثة، وربما فترة طويلة من الزمن، كي تتمكن البلاد من التعافي تماماً.


