"ثقافة الوهم"

"ثقافة الوهم"

الصورة
التشرد والضياع ثمن البحث عن الذات والتوق إلى الحرية (موقع العرب)
10 أيلول 2019

سلام الكواكبي

مدير المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات في ب

يُعرَّف الوهم على أنه شكل من أشكال التشوّه الحسيّ، ويدلّ على سوء تفسير الإحساس الحقيقي، ويعرف أيضاً على أنّه إيمان الشخص بمعتقد خاطئ بشكل قوي، رغم أنّه لا توجد أدلة على وجوده أصلاً، كما عرفه البعض على أنّه شكّ، أو وسواس يصاب به الفرد ليرى بعض التصوّرات غير الموجودة على أنها حقيقة واقعة.

وفي المشهد السياسي العربي، وعلى الرغم من أن الغرق في الوهم وأحداثياته يمكن أن يكون جزءاً من عارضٍ نفسيٍ مزمن وخطير، إلا أنه وعلى النقيض من منطق الأمراض، يُعتبر الوهم "علاجاً" للكثير من الإحباطات المتراكمة عند ساكني هذه المنطقة، وذلك على الأقل منذ خروج ملوك الطوائف من الأندلس. فالوهم بحصول انتصارات عظيمة أو اختراعات خيالية أو إنجازات جبّارة، كلها تصب في ساقية العلاج من الإحباط المزمن والمتفاقم مع تفاقم الهزائم على المستويات كافة، شخصياً ومحلياً وإقليمياً ودولياً.

فكم من الوهم تحمله سردياتنا التاريخية التي يتناقلها عامتنا ويجرؤ أحياناً بعض خاصتنا من أنصاف المؤرخين أن يتلوها وكأنها محققة ومثبتة؟ فمن الإعجازات التي تُنسب لرموز دينية أو من تلوذ بعباءاتها، أو عماماتها، إلى الانتصارات التي أنجزها قادة ما عرف عنهم إلا الطغيان أمام شعوبهم والانهزام أمام أعدائهم. إلى الاختراعات المكافحة للإيدز والتي تعتمد على سيخ الكباب أو التي تعيد اختراع العجلة أو تحدد جنس الملائكة. إلى فوز بعضنا في جوائز عالمية نقدمها كأنها الأهم من نوعها والتي ربما تمنحها حقيقة قرية في الريف الإسكتلندي. كما إن بعض الطغاة يوهمون العامة بالمعجزات ويعتمدون في ذلك على مؤازرة الخاصة من المُتَمَجّدين.

صار الجميع، من جهلة ومتعلمين، من أبرياء ومغرضين، قادراً على اختراع الوهم والمساهمة في انتشاره على أوسع مستوى

ومع توفر وسائل التواصل الحديثة، تدمقرط صنع ونشر الوهم وصار الجميع، من جهلة ومتعلمين، من أبرياء ومغرضين، قادراً على اختراع الوهم والمساهمة في انتشاره على أوسع مستوى. وصارت نسبة تصديق الوهم والتشبث به مرتفعة للغاية. وأبعد العقلاء عقولهم عن التفكير مهما كان بدائياً. وفي أطرف الأوهام، ما وردني منذ أيام عن استطاعة جيش الطاغية صدام حسين، الذي انهزم شر هزيمة أمام الغزاة الأميركيين سنة 2003 لأنه كان جيش نظام وليس جيش وطن، استطاعة المنهزمين الذين خلعوا ستراتهم في الشوارع وجروا عراة، أن يقتلوا عشية الهزيمة، وفي عملية واحدة خاطفة تشبه أفلام غراندايزر، 2019 جندياً أميركياً في مطار بغداد من وحدة النخب الخاصة لجيش اليانكي المحتل. وفي نص يطول، ترد التفاصيل التقنية وكأن كاتبها مخترع للذرّة وفقير الخيال.

من اخترع هذه الرواية/ الوهم، هو بلا شك مبتدئ في العمل الروائي وفي كتابة السيناريوهات الفاشلة حتى للمسلسلات المكسيكية. أما من نشر هذا الوهم هم أناس طيبون وربما لم يكذبوا في حياتهم حتى فيما يخص الأحوال الجوية، ولكنهم، كما ورد بداية، هم جزء من مجموعات بشرية صار لها قرون تعيش في مستنقعات الوهم وهي بحاجة دائمة لتجديد الجرعات لأن حيواتها مهددة إن نضب هذا الوهم. وتتوالى الأوهام ومن ينشرها ومن يصدقها ومن يبني عليها سرديات تاريخية تدخل في كتب التاريخ وتخوض في تشويه تربية الأجيال ونشوء الإنسان لكيلا يبتعد عن مرحلة النشوء الأولى التي مناطة بالتقدم القائم على قدم وساق في العالم قاطبة أن ينتشله منها.

الوهم هو حالة إحباط وتعسف ذهني تدفع بالمتوهم إلى اختراع الكذبة أو مجرد نقلها والتصديق عليها والإيمان بها ومحاولة الدفاع عن "حقيقتها" الكاذبة

هل يمكننا أن نتطرق أيضاً في هذه العجالة إلى تشبيه خاطئ وظالم للوهم بالأسطورة ووضعه في مستوى "مكانتها" الأدبية والتاريخية؟ أكاد أعتقد بأنه لا مجال لهذه المقابلة، فالوهم هو حالة إحباط وتعسف ذهني تدفع بالمتوهم إلى اختراع الكذبة أو مجرد نقلها والتصديق عليها والإيمان بها ومحاولة الدفاع عن "حقيقتها" الكاذبة. أما الأسطورة، فهي حكاية أو "حتوتة" ترجع إلى زمنٍ قديمٍ وهي تكون دائما قصصاً غير حقيقية ولم تحصل البتة على أرض الواقع. ومن الممكن جداً أن تكون مرتبطة بخيوط درامية أو سردية بأحداث حقيقية محددة وبأشخاص معينين وبأماكن معروفة ومسماة لتحلق فيما بعد في فضاء الخيال. الأسطورة تقترب أيضاً من الحكايات الشعبية التي يرويها في المقهى "الحكواتي" لاحتوائها في غالب الأحيان على أشخاص خارقين وعلى ظواهر طبيعية مصدرها بالتأكيد هو من إبداع الخيال. وتنتقل الأساطير من جيل إلى آخر حيث يمكن أن يتم تضخيمها أو تشذيبها، أو أن تتم إطالتها او اختصارها. ويختلف سرد الأساطير فمنها ما يتم سردها من خلال الشعر أو الروايات المروية شفهياً أو المدوّنة منها. كما من الممكن أن يكون لنفس الأسطورة عدة ترجمات تتأقلم مع طبيعة الشعب الذي تستهدفه. وتهدف معظم الأساطير إلى تقديم درس معيّن أخلاقي أو سواه، أو يكون هدفها فقط هو لتسلية المستمعين أو القرّاء. هي إذاً تحفّز الخيال الإنساني دون البحث عن إثارة الوهم أو نشره أو تدعيمه. وهي أيضاً تساهم في تطوير ذائقة إبداعية في مجال محدد. فسرد الأساطير بشكل مميّز وجذّاب هو جزء من عمل إبداعي يُحسد عليه منتجوه.

مازال الوهم يسيطر على جزء كبير من البناء الذهني في منطقتنا العربية ويساهم الطغاة كما الظلاميون في استمراره بعد أن ساهموا في التأسيس لثقافته.

شارك برأيك