ثقافة الطرابيش الأسدية

ثقافة الطرابيش الأسدية

الصورة
74313597_2883500938380598_8364609835873861632_o.jpg

النظام يفتتح أيام (السينماتيك السوري) في سينما الكندي بدمشق (إنترنت)

04 كانون الأول 2019

بخجل ودون التطبيل الإعلامي المعتاد لدى المؤسسة العامة للسينما، افتتح مديرها العام مراد شاهين وبرعاية محمد الأحمد وزير ثقافة النظام قبل أيام (السينماتيك السوري) أو المكتبة الوطنية للسينما، في مبنى سينما الكندي بدمشق، لتُظهر الصور التي نشرتها المواقع الإلكترونية السورية وصفحات السوشال ميديا قاعة مشاهدة تحتوي عدة أجهزة كومبيوتر، وكذلك مكتبة للأقراص المضغوطة، وبما يختصر وفق طريقة النظام التقليدية الحاجة الماسة لمؤسسة (السينماتيك) تاريخياً، بإنشاء ما يشبه بسطة فيديو في شارع البحصة، أو قاعة سمعية بصرية في مكتبة عامة!

بعض من تابع الحدث في الداخل علّق همساً أن السينماتك المأمولة من المؤسسة العامة للسينما التي بقيت ردحاً من الزمن بإدارة وزير الثقافة الحالي، ستكون من شاكلة المؤسسة ذاتها، لا بل إنها ستكون مفصلة حكماً كدكانة فيديوعلى قياس الرجل الذي جعل السينما السورية طيلة عقدين من الزمن محدودة بأربعة أو خمسة أفلام تنتجها طيلة السنة، مع عدد من الأفلام القصيرة التي تتيحها المحسوبيات والعلاقات لعدد من الشباب!

هضمُ الأحلام ثم تقيؤها بعد سحب خيرها منها، هو منهج إدارات النظام تاريخياً في التعاطي مع حاجات المثقفين وشرائح الفنانين

وبالتالي فإن الآمال المعقودة على أي إنجاز تصنعه هذه المؤسسة ستخيب حكماً، كما خابت الأسابيع السينمائية في تحريك أي فضاء في البلد وكما خابت المهرجانات السنوية في صناعة أي حضور مهم راسخ للسينما السورية قبل الثورة!

هضمُ الأحلام ثم تقيؤها بعد سحب خيرها منها، هو منهج إدارات النظام تاريخياً في التعاطي مع حاجات المثقفين وشرائح الفنانين، فهو وبحسب سياساته المعلنة يعمل على خدمة الثقافة والفن، وفي القيادة القطرية لحزب البعث ثمة مكتب مخصص لهذه الشؤون، كما أن هناك موازنة سنوية يجب إنفاقها في هذا المسعى، ولكن جل ما أنتجته المؤسسات الثقافية طيلة عقود كان محدوداً ومقيداً! وإذا بدأ عملها بشكل لائق فإنه سرعان ما سينحدر نحو الأسفل بعد أن تتسرب له أيدي الأجهزة الأمنية، فتمضي بتحكمها بإداراته، وتدأب في عملها الحثيث على جعل المحسوبين عليها هم أصحاب القرار فيها!

كل شيء في سوريا الأسدية خضع لهذه المعادلة، ولا شيء خرج عن هذه القواعد. فكل المؤسسات التي جعلها بعثيو الستينيات عنواناً لمرحلتهم في هذا المجال كمؤسسة السينما ومديرية المسارح والموسيقا ستمتد إليها أيدي الأسديين في عقد السبعينيات وما بعده ما جعل فضائها خانقاً طارداً ليغادرها كثيرون مع استشراء القمع وتقييد الحريات في البلاد ولاسيما فيعقد الثمانينيات!

كما سيكون لدى السوريين كليات فنية مثل الفنون الجميلة والمعاهد العليا للفنون المسرحية والموسيقا وغيرها، ستتحول هذه المؤسسات العلمية عاماً بعد عام إلى مؤسسات مستنزفة، يهرب منها المختصون طالما كانت الإدارات الوزارية ومن خلفها الاجهزة الأمنية تتدخل فيها وتقوم بتقييم العاملين فيها!

قلة من المبدعين السوريين بقوا يعملون أو على علاقة مع هذه المؤسسات على أمل أن تصلح أحوالها، وأظن أن غالبيتهم كانت تدرك أن صلاح الحال لا يتعلق بالأشخاص إنما يرتبط بحال البلد كلها، ولكن غياب البدائل في البلاد المؤممة كلها لصالح النظام الذي يحكم باسم البعث وثورته ربما كان أبرز أسباب الاستمرار!

وهكذا ستكون الثورة في أذار 2011 هي الحد الفاصل بين خديعة الذات هذه ومعها المناورات الشخصية، وبين الحقيقة التي تقول بأن البلاد التي تم تخريب كل شيء فيها من جيشها إلى مؤسساتها التعليمية مروراً بدوائرها الحكومية وقضائها وحتى كرة القدم فيها، لا يمكن أن تنتج ثقافة جيدة، ولا يمكن أن يكون مسرحها رائعاً بينما يُعتقل المسرحيون ويطفشون، ولا يمكن لسينماها أن تبرز وأن ترسخ حضورها بين جمهورها وفي العالم كله بينما يتحكم بها ثلة من المحسوبين على الأجهزة الأمنية!

كما لا يمكن التمترس وراء نجاحات الدراما السورية، بينما يعرف الجميع أن هذه النجاحات لم تكن لتحدث لولا الشركات المستثناة من القوانين ومن السيطرة الحكومية، أسسها محسوبون على خاصة النظام من عائلة نائب الرئيس المنشق عبد الحليم خدام وعائلة رئيس الوزراء "المستنحر" محمود الزعبي سابقاً في نهاية الثمانينيات وواجهات تمثل عائلة الأسد لاحقاً أي في بدايات الألفية الجديدة، تولوا جميعاً تسويقها خليجياً منذ تأسست محطاته الفضائية قبل عقدين من الزمن!

يريد رجالات ثقافة النظام وفنه وإعلامه هذه الأيام إقناع جمهور السوريين في مناطق سيطرته أن الحياة عادت إلى مجراها مع تسويق النظام لانتصاراته

نجاحات كشفت الثورة وانقسام الوسط الفني حيالها عن عورات تكونها فانهارت طيلة السنوات السابقة، وباتت خارج المنافسة ليس بسبب حصار المحطات العربية لها كما يدعي مؤيديو النظام، بل بسبب رداءة محتواها واعتقاد القائمين عليها أن بإمكانهم خديعة الجمهور وإجباره على ازدراد دراما تشبيحية تعيد انتاج رواية النظام عما جرى في سوريا!

يريد رجالات ثقافة النظام وفنه وإعلامه هذه الأيام إقناع جمهور السوريين في مناطق سيطرته أن الحياة عادت إلى مجراها مع تسويق النظام لانتصاراته، فيخططون لمهرجانات سياحية ولأسابيع فنية وثقافية، وينقلون أخباراً عن خطط طموحة لبناء أمجادهم، لكن تشاء الوقائع أن تفضحهم، وأن تجعلهم هم وخططهم علكة في أفواه حتى أولئك الصحفيين العاملين في مؤسسات النظام، الذين رأوا كيف تغيرُ هذه الإدارات الثقافية قناعها الحضاري إلى وجهها الأمني الحقيقي حينما يتم الإقتراب منها صحفياً فتستهدفهم وتهددهم بلقمة عيشهم، وتضعهم قاب قوسين وأدنى من الاعتقال! مثلها مثل أجهزة أمن النظام، فهي منها وإليها، وكل مواردها مقصورة على ثلة من الأسماء تحاصصت عليها، فبات كل شيء ملكها، وأي تغيير فيها لا يعدو كونه لعبة الطرابيش أسدية تندّرَ عليها السوريون طيلة عقود!

شارك برأيك