ثاني حروب العرب الباردة

ثاني حروب العرب الباردة

الصورة
03 تموز 2019

في عام 1965 كتب مالكوم كير كتابه الشهير الحرب العربية الباردة وهو يحيل إلى سلسلة من الصراعات في العالم العربي التي وقعت كجزء من الحرب الباردة الأوسع بين النظام المصري ما بعد الثورة المصرية عام 1952 وخاصة الرئيس جمال عبد الناصر وبين الأنظمة العربية التي حكمت كلا من سوريا والعراق والأردن والمملكة العربية السعودية واستمرت تقريبا حتى وفاته عام 1970.

فمن جهة، كانت هناك جمهوريات قد تم تأسيسها حديثًا، بقيادة مصر عبد الناصر كما أصبح يطلق عليها، وعلى الجانب الآخر كانت الملكيات التقليدية بقيادة الملك فيصل ملك المملكة العربية السعودية. لقد تبنى عبد الناصر القومية العربية والنظام الاشتراكي كرد فعل عصري مناهض للإمبريالية كما كان يردد باستمرار ومناهض للرجعية العربية كما أسماها ممثلة في الأنظمة

اقتربت الأنظمة الملكية، وهي المملكة العربية السعودية والأردن والمغرب ودول الخليج، من سعيها لمواجهة تأثير ناصر من خلال مجموعة متنوعة من الوسائل المباشرة وغير المباشرة

الملكية واعتبر نفسه المدافع الأول عن الشرف العربي والفلسطيني ضد الإذلال الذي تسببت فيه دولة إسرائيل. تدريجيا، اكتسب ما يسمى بالناصرية تأييد الرؤساء العرب الآخرين لأنهم حلوا محل الحكومات الملكية في بلدانهم، ولا سيما في سوريا والعراق وليبيا وشمال اليمن والسودان. تم إجراء عدد من المحاولات لتوحيد هذه الحالات بتكوينات مختلفة كالجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا والاتحاد العربي بين سوريا ومصر وليبيا، ولكنها فشلت جميعها في النهاية.

في المقابل، اقتربت الأنظمة الملكية، وهي المملكة العربية السعودية والأردن والمغرب ودول الخليج، من سعيها لمواجهة تأثير ناصر من خلال مجموعة متنوعة من الوسائل المباشرة وغير المباشرة.

لم تكن الحرب الباردة العربية في حد ذاتها صدامًا بين النظم الاقتصادية الرأسمالية والشيوعية. ما ربطه بالنزاع الأوسع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي هو أن الولايات المتحدة دعمت الملكيات التي تقودها السعودية، في حين أن الاتحاد السوفيتي أيد الجمهوريات الناصرية، على الرغم من أن جميع الدول العربية تقريباً كانت من الناحية النظرية جزءًا من دول حركة عدم الانحياز، كما أن الجمهوريات الاشتراكية العربية قمعت بلا رحمة الأحزاب الشيوعية الخاصة بهم.

 

بحلول سبعينيات القرن الماضي، ومع وفاة عبد الناصر، لم يتمكن الاتحاد السوفيتي من مواكبة الولايات المتحدة في دعم حلفائها العرب، والفشل المستمر في هزيمة إسرائيل، وصعود إيران كقوة إقليمية معادية للعديد من المصالح العربية، يمكن القول حينها أن الحرب الباردة العربية قد انتهت. أو على الأقل خمدت.

مع اندلاع الربيع العربي اصطفت الأنظمة العربية في موقفها من الثورات العربية وتنحت القضية الفلسطينية رويداً رويداً ليصبح التركيز على معالجة ظواهر المظاهرات والثورات العربية التي عصفت بثمان دول عربية على الأقل.

ومع وصول ترمب إلى البيت الأبيض بدأ بفرض أجندته الخاصة للقضية الفلسطينية مستغلا انشغال العرب بترتيب أنظمتهم السياسية ولا يمكن قراءة مؤتمر المنامة إلا بوصفه تعبيرا عن هذه السياسة الأمريكية التدخلية الجديدة في القضية الفلسطينية.

بكل تأكيد، لا يمكن اعتبار مؤتمر المنامة علامة فارقة في تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي أو الفلسطيني – الإسرائيلي كما كانت حرب عام 1967 أو حتى

غابت الدول التي تثقلها اليوم قضايا الانتقال السياسي من أنظمة تسلطية إلى أنظمة أكثر تعددية رغم لعبها دوراً مركزيا في الماضي في دعم القضية الفلسطينية من مثل الجزائر وسوريا ولبنان وغيرها

افتتاح مؤتمر مدريد للسلام في نهاية عام 1990، لكن بكل تأكيد يعطينا مؤشراً على حالة الانقسام العربي اليوم تجاه القضية الفلسطينية ومركزيتها في القرار العربي اليوم، بحيث يمكن القول إن الولايات المتحدة تحت قيادة ترمب أصبح لها خطة للسلام ولا تقوم بترويجها فقط وإنما تفرضها على الأطراف العربية، وبالتالي حضرت تلك الدول التي تحتفظ أو تريد أن تحتفظ بعلاقة جيدة مع الولايات المتحدة كالسعودية والإمارات ومصر وقطر والبحرين والمغرب والأردن، بينما غابت الدول التي تثقلها اليوم قضايا الانتقال السياسي من أنظمة تسلطية إلى أنظمة أكثر تعددية رغم لعبها دوراً مركزيا في الماضي في دعم القضية الفلسطينية من مثل الجزائر وسوريا ولبنان وغيرها، وطبعا يبقى الغائب الأكبر هم الفلسطينيون أنفسهم.

مؤتمر المنامة سيفشل كما غيره من الخطط المقدمة لحل الصراع العربي – الإسرائيلي لأنه لا يجد له الحد الأدنى الشعبي من قبل الدول العربية، لكن، السؤال الأهم هو وربما لأول مرة تنقسم الأطراف العربية تجاه القضية الفلسطينية بعد أن وحدهم الموقف من مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 ووحدهم انتخاب نتنياهو في عام 1996 ووحدتهم قضية القدس بعد قرار ترمب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس في عام 2018 لكنهم اليوم يبدو منقسمين وعاجزين عن اتخاذ قرار موحد من خطة كوشنر للسلام التي لم تعرض على مستوى جامعة الدول العربية، وهو ما يدفعنا إلى القول أن هدف الدول العربية التي حضرت هو إرضاء واشنطن أكثر منه قناعة أن هذه الخطة ربما تقود إلى حل سياسي دائم لصراع أنهك الدول العربية على مدى الستين عاما الماضية.

 

شارك برأيك