"تي 4" في قلب معركة إيرانية إسرائيلية محتملة

تاريخ النشر: 02.05.2018 | 22:05 دمشق

آخر تحديث: 06.07.2018 | 20:12 دمشق

الغارديان - ترجمة وتحرير موقع تلفزيون سوريا

تقع أكبر قاعدة جوية سورية في منطقة معزولة بين كثبان الرمال القاحلة وسط البلاد، وتمتد على مساحة تقدر بحوالي خمسة أميال. ويحيط بهذه القلعة مترامية الأطراف مشهد رملي يمتد على مئات الأميال. وتتكون القاعدة من العديد من الملاجئ المحصنة المخصصة لإيواء الطائرات، حيث تحوي بين جدرانها على المقاتلات الروسية ومقاتلات "سوخوي" التي تعرف بسرعتها التي تفوق سرعة الصوت.

على مدى سبع سنوات من الثورة السورية، طغى اللون الأسود على مدرج هذه القاعدة بسبب جحافل الطائرات النفاثة التي تحط بإطاراتها المطاطية عليه عند عودتها من طلعاتها الجوية، في إطار حربها المدمرة بين قوات النظام والثوار.

في الواقع، ساهم الموقع النائي لقاعدة "تي 4"، وتحصيناته التي تعود للحقبة السوفيتية، في جعلها بعيدة عن الخراب الذي لحق بسوريا. على الرغم من ذلك، تحمل واجهة القاعدة العسكرية آثار دمار تعود لسنة 2016، عندما قام تنظيم "الدولة" بشن هجوم مدفعي على منشآت القاعدة ليتسبب في تدمير أربع مروحيات قتالية.

في الوقت الحالي، تعتبر القاعدة محور حرب محتملة، تتخذ نسقا تصاعديا وتسير نحو منعطف كارثي. تجدر الإشارة إلى أن هذه الحرب لم تعد بين النظام وخصومه المحليين فحسب، بل اتخذت منحا مختلفا لتصبح بين إيران وإسرائيل، العدوين اللدودين في المنطقة. وتعتبر قاعدة "تي 4"المكان الذي مكن إيران من أن يصبح لها موطئ قدم ذا صبغة عسكرية داخل الأراضي التابعة لحليفتها العربية، سوريا. وحسب ما أفاد به مسؤولون إسرائيليون، تقلع الطائرات من دون طيار، التي تحوم فوق سوريا، من هذه القاعدة.

وتظهر صور القمر الصناعي التي تم التقاطها خلال شهر نيسان الماضي، والتي تحصلت عليها صحيفة "الغارديان"، ما يُعتقد أنه آثار قصف إسرائيلي على القوات الإيرانية المتمركزة في قاعدة "تي 4". ويمكن اعتبار هذه الصور دليلا على حدوث مواجهة مباشرة بين البلدين.

بعد مرور 48 ساعة على الهجمة التي قال النظام وروسيا إنها نُفّذت بواسطة طائرات "إف 15"، أظهرت الصور الملتقطة واجهة محطمة لمستودع حديدي للطائرات. وقد أفادت وكالة "تسنيم" الإيرانية للأنباء أن سبعة مسؤولين إيرانيين قتلوا جراء هذا الهجوم، ونشرت كذلك صورا لما يبدو أنها أبواب المستودع الحديدية البيضاء التي مزقتها الشظايا.

في السابق، نشرت إسرائيل صورة جوية لطائرة من دون طيار تغادر قاعدة "تي 4" من المستودع الشرقي ذاته، مما يشير إلى أنه كان يستعمل لخدمة أهداف عمليات الطائرات من دون طيار الإيرانية. وحيال هذا الشأن، تحدث رئيس الاستخبارات العسكرية السابق، عاموس يدلين، إلى صحيفة الغارديان، قائلا إن :"فرص التصعيد في صراع عسكري شامل في سوريا أصبحت أعلى من أي وقت مضى، ولا شك في أن إيران تخطط بشأن حاجتها للرد. نتيجة لذلك، سيكون علينا الانتظار".

من جهته، لطالما سعى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى التشكيك في نوايا إيران التي دأب على وصفها "بالنظام الإرهابي". وفي تصريح قام به يوم الإثنين الماضي، ادعى نتنياهو أن المخابرات الإسرائيلية كشفت أكاذيب إيران حول برنامجها للأسلحة النووية، فضلا عن معرفتها بكيفية قيام طهران بذلك بعد الاتفاق النووي في سنة 2015.

وقد جاء هذا العرض التقديمي قبل أقل من أسبوعين من قرار دونالد ترمب حول مواصلة التزام واشنطن بالاتفاق النووي الإيراني الذي أبرم سنة 2015 من عدمه، ومواصلة رفع العقوبات على إيران. ولم يقدم هذا العرض أي دليل على أن إيران انتهكت الاتفاق منذ دخوله حيز التنفيذ.

ومنذ اندلاع الثورة السورية سنة 2011، نفذت إسرائيل ما لا يقل عن 100 هجوم عبر حدودها مع سوريا. والجدير بالذكر أن أغلب هذه الهجمات استهدفت وكلاء إيران في المنطقة، بما في ذلك شحنات الأسلحة الموجهة إلى حزب الله، الجماعة اللبنانية المسلحة، التي لطالما مثلت الأداة التي تستخدمها إيران لضرب إسرائيل.

عموما، تُجمع الأوساط الاستخباراتية الإسرائيلية على أن الحرس الثوري الإيراني مكلف بهجوم انتقامي، كما سبق لإيران وحلفائها التحذير بصفة علنية من التصعيد. من جانبه، قال قائد ميليشيا "حزب الله" حسن نصر الله إن الضربة الجوية على قاعدة "تي 4" كانت "خطأ تاريخيا"، ووضع إيران في حالة "مواجهة مباشرة" مع إسرائيل. كما صرح نصر الله بأن ما حصل هو أمر لم يسبق لنا رؤيته خلال سبع سنوات، وهو مهاجمة إسرائيل للحرس الثوري الإيراني بصفة مباشرة.

علاوة على ذلك، نقلت وكالة فارس للأنباء عن ممثل المرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله علي خامنئي، علي شيرازي، توعّده بالانتقام، حيث حذر من أن "إسرائيل وفي حال أرادت مواصلة تواجدها، فعليها تجنب التدابير الغبية، إذ أن إيران قادرة على تدمير إسرائيل.

من جهتها، ترى إسرائيل أن الدعم العسكري الإيراني لسوريا خلال الحرب ازداد توسّعا ليشمل شحن كميات كبيرة من الأسلحة، التي كانت توزع في بعض الأحيان على أنها مساعدات إنسانية، فضلا عن إرسال الجنود المقاتلين. ومنذ بداية سنة 2015، تم استخدام طائرات الشحن العسكرية، التي تم تصنيفها على أنها طائرات مدنية، لتقل المسؤولين العسكريين بشكل منتظم من مطار مهر آباد الدولي في طهران. بالإضافة إلى ذلك، تم جلب أنظمة أسلحة متقدمة، على غرار الطائرات من دون طيار.

في هذا الإطار، تمركز الأشخاص المسؤولون عن تسيير الطائرات من دون طيار في مطار دمشق الدولي، لكنهم انتقلوا على نحو تدريجي إلى عدة قواعد في جميع أنحاء البلاد. ويعتقد أن هذه القوات تعمل على نحو بارز خارج دمشق وحلب ومطار بالقرب من العاصمة، فضلا عن قاعدة دير الزور الشرقية وقاعدة "تي 4".

في شأن ذي صلة، أفاد الباحث في مؤسسة "المجلس الأطلسي" البحثية، علي الفونة، الذي يتابع نشاط إيران وحضورها في سوريا، أنه في البداية، كان هدف طهران يقتصر على إبقاء الأسد في السلطة وتأمين الممر البري من طهران إلى لبنان. ومع تحقيق هذه الأهداف، تدرس إيران كيفية الحفاظ على صراع منخفض الحدة مع إسرائيل، وذلك بهدف إبقاء إسرائيل مشغولة، فضلا عن الرفع في تكلفة الغارات الإسرائيلية المحتملة ضد إيران في المستقبل.

من جهته، نفى وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، تشغيل إيران لأي طائرات من دون طيار داخل البلاد، مضيفا أن قاعدة "تي 4" ليست قاعدة إيرانية. مع ذلك، أفاد مصدر عسكري إسرائيلي أن بعض الطائرات من دون طيار ما تزال موجودة داخل القاعدة. وأفاد المصدر ذاته، دون تحديد إحصائيات دقيقة، قائلا: "نحن على دراية، بشكل قاطع، أن هناك طائرات إيرانية من دون طيار في قاعدة "تي 4".

في الحقيقة، كان هجوم نيسان الماضي ثاني الهجمات التي تشنها إسرائيل على قاعدة "تي 4". وخلال شهر شباط الماضي، أسقطت إسرائيل طائرة من دون طيار تابعة لإيران وتسللت عبر الحدود. وقد أعلنت المصادر الإعلامية الإسرائيلية في وقت لاحق أن هذه الطائرة كانت محملة بالأسلحة. ومثّل اختراق هذه الطائرة للمجال الجوي الإسرائيلي أول محاولة إيرانية للتحرك ضد خصمها اللدود، الذي كان رده فوريا، بما في ذلك الهجوم على قاعدة "تي 4".

وبشكل مغاير للهجوم الذي جدّت أطواره في شهر شباط الماضي، كان هجوم نيسان بمثابة خطوة استباقية أقرب من كونها ردة فعل. وفي إطار لعبة قوامها قانون العين بالعين، من المتوقع أن تقوم إيران بالحركة التالية. وضمن ما تم تفسيره على أنه محاولة لدرء إيران من القيام بأي أعمال انتقامية، أصدرت الصحافة الإسرائيلية والأجنبية صورا بالأبيض والأسود لقواعد سورية تشهد نشاط القوات الإيرانية.

وبحسب تصريح المراسل العسكري لصحيفة هاآرتس الإسرائيلية، تعتبر الرسالة الموجهة إلى إيران واضحة، وتفيد بأن :"الجيش الإيراني مكشوف لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، مما يجعله عرضة لهجمات إضافية بشكل كبير".

سواء كان التكتيك المعتمد واضح أم لا، فإن آثار الهجوم الصاروخي الذي حدث مساء الأحد الفائت قد ولّد مخاوف تتعلق بردة فعل عنيفة من الجانب الإيراني. والجدير بالذكر أن إسرائيل لم تدل بتعليق حول هذا الهجوم. لكنها تعتقد أنها استهدفت مستودع لصواريخ أرض أرض في الأماكن التي تتمركز القوات الإيرانية فيها. حيال هذا الشأن، أفاد وزير الدفاع الإسرائيلي أن :"إدارة إيران لعملياتها العسكرية من دولة تشترك في حدودها مع إسرائيل سيكون بمثابة تضييق الخناق علينا".

تجدر الإشارة إلى أن الجيش الإسرائيلي بدأ بتجهيز نفسه لاحتمال نشوب حرب حدودية بين الدول منذ احتلاله لمرتفعات الجولان، وهي هضبة تم الاستيلاء عليها من الأراضي السورية سنة 1967. ويمكن القول إن الدولة صغيرة الحجم لم تكن مضطرة لمواجهة مثل هذا الوضع الراهن منذ عقود. وعند التأمل في هذا المكان، نتبين وجود منازل سورية مبنية من الصخور البركانية السوداء. وتنتشر هذه المنازل المهجورة منذ زمن بعيد في المشهد الطبيعي، فضلا عن انتشار حقول الألغام، لتمثل شاهدا على تاريخ الصراعات الذي يأمل الكثير من الإسرائيليين أن يتمكنوا من نسيانه.

في هذه الهضاب، تتغذى الأبقار على كلأ الحقول التي تم تطهيرها من الألغام، فيما يمشي المتجولون الذين يأتون في نهاية الأسبوع على طول الطرق المحاطة بأشجار الأوكالبتوس. وعمدت السلطات إلى تحويل مواقع الجيش الإسرائيلي التي اعتمدها خلال حروب 1967 و1973 إلى مناطق تجذب السياح، يحدها شرقا الأراضي السورية، في حين يمكن للناظر شمالا رؤية الأراضي اللبنانية. وفي خضم هذا المشهد الذي دأبت إسرائيل على تهيئته، يلعب الأطفال الغميضة داخل المخابئ القديمة.

على الرغم من أن حوامتين إسرائيليتين كانتا تحومان فوق رأسه، استنكر عساف مندل، الذي يبلغ 45 سنة والذي سافر إلى الجولان برفقة زوجته وطفليه الصغيرين، وجود أي تهديد مباشر لدخول إسرائيل في حرب مع إيران، حيث صرح أن ذلك أمر لا يمكن تصديقه. وأضاف الرجل قائلا إن "الحكومة ترهب الساكنين هناك. نحن على دراية بأن تواجد إيران في سوريا ليس بالأمر الجيد، إلا أن جيشنا قوي".

https://www.theguardian.com/world/2018/may/01/the-syrian-airbase-at-the-heart-of-a-potential-israel-iran-war

 

مقالات مقترحة
موقع تلفزيون سوريا.. قصة نجاح لسلطة الصحافة في حقول من الألغام
"تلفزيون سوريا" يمضي لعامه الرابع بمؤسسة محترفة ومحتوى متميز
استطلاع آراء.. تلفزيون سوريا بعيون السوريين في الداخل
إصابتان بفيروس كورونا في مخيم العريشة جنوبي الحسكة
إغلاق كورونا يكبّد تجارة التجزئة في ألمانيا خسائر كبيرة
الصحة السعودية: لقاح "كورونا" شرط رئيسي لأداء فريضة الحج