icon
التغطية الحية

توفي مظفر النواب تاركاً قصائد وشتائم ونزقاً وغضباً

2022.05.20 | 22:37 دمشق

wfat-alshar-mzfr-alnwab.jpg
+A
حجم الخط
-A

يعرف كثيرون الشاعر مظفر النواب عبر مجموعة من الشتائم الموجهة نحو الحكام العرب، والمصاغة على شكل شعر مبثوث في بعض القصائد التي ألقاها في المهجر والعواصم العربية، كان النواب مميزا في سبك النقد اللاذع وجعلِه مناسبا لإعادة التكرار، حتى تحول إلى قوالب تقليدية صارت موازية لشخصية الشاعر العراقي الراحل، تُسمع  شتائمُه وتردَّد كتنفيس عن حالة قهر أو غيظ، لكن الغوص في الاستماع إلى قصائده المنثورة على المواقع التي تتيح عرض الفيديو أو الملفات الصوتية يمكِّن المهتم من اكتشاف شاعر آخر مختلف، قصائده أغانٍ مبللة بمياه دجلة ومكسوة بحزن يشبه العراق، فيها حقول ونساء وقوافل تتجهز للرحيل وكثير من اللوعة، يُخرج فيها النواب وجهه الثاني الذي يموهه بالشتائم.

في بغداد التي يقْسِمُها نهر دجلة إلى الكرخ والرصافة، نشأ مظفر في بيئة أرستقراطية في الكرخ، ولكنه تخطى بيئته الاجتماعية ليصبح شيوعيا، وقد كانت الشيوعية تيارا جذابا في الخمسينيات والستينيات، في بلدان العالم الثالث، يغري حتى الميسورين ومنهم شاعرنا، وعلى خلفية الصراع الذي نشأ في الستينيات بين القوميين والشيوعيين هرب مظفر من العراق إلى إيران وهناك قبضت عليه أجهزة أمن شاه إيران وأعادته إلى العراق، وحُكم عليه بالسجن المؤبد، وهنا وعلى طريقة الكونت دي مونت كريستو، هرب النواب من السجن مع بعض زملائه من أصحاب الأحكام الثقيلة، واختفى في حارات بغداد مدة من الزمن، ثم انتقل إلى الأهوار في الجنوب، وما لبث أن صدر عفو عام فرجع بعدها إلى عمله الحكومي، ولكن سرعان ما جرت اعتقالات جديدة للشيوعيين ومنهم النواب، وفي هذه المرة توسط له عضو قيادة في حزب البعث العراقي فخرج وانتقل إلى بيروت، ومنذ تلك اللحظة لم تتسع له أرض، فسافر من عاصمة إلى عاصمة ومن مدينة إلى أخرى حتى مر على قارات الدنيا كلها قبل أن يستقر جثةً مسجاة في إحدى مستشفيات مدينة الشارقة في الإمارات العربية المتحدة.

استخدم مظفر النواب اللغة المحكية العراقية وأبدع فيها مجموعة من القصائد الشعبية الشجية، وجد بعضها طريقا للتلحين والغناء، وتكرر غناؤها عشرات المرات في أوساط كثير من مطربي العراق، كانت مفرداته العامية مغرقة في الشعبية ومواضيعه تشبه أيام العراق وليالي متعبيه، فغنى للحب والحرمان والثورة، واستخدم ما يقع تحت يديه وعينيه من أشياء وتفاصيل يومية، وكانت السياسة والمرأة غرضين أساسيين في شعره الشعبي، وانتقى مفردة مناسبة وسهلة الترديد في قصيدته "للريل وحمد":

يا بو محابس شذر يلشاد خزامات

يا ريل بالله بغنج من تجزِ بأم شامات

ولا تمشي مشية هجر ..... قلبي بعد ما مات.

وبدا شديد الرقة وهو يتحدث إلى القطار المار بديار الحبيبة، ولكن لكنته تحولت إلى صراخ قصير حاد وهو يحكي عن الظلم في قصيدة "مضايف هيل" فيقول:

هاه... شوسع جرحك ...ما يسده الثار

يا صويحب.. وحق الدم .... ودمك حار

من بعدك... مناجل غيظ .... يحصدن نار.

غيرت المنافي هذه الرقة في مشاعر العشق وصعَّدت حتى النزق في قصائد الثورة، فتحول إلى موجة عارمة من الغضب. يبصق الشاعر مرارته وخيبة أمله على شكل عبارات نارية، ولا يأبه لو خرجت بعض الألفاظ التي تسمى نابية، فيصر عليها ويرددها مرارا، والمخاطَب هو الحاكم العربي الذي لا تجوز مناقشته ولا محاورته بالمنطق أو الحجة ولا ينفع معه إلا السباب.. يتسلح النواب بلهجة منبرية ولكنها خطابية حادة يستخدم فيها إمكانات صوته الرخيم، وقد يتحول في لحظة نشوة من الإلقاء إلى الغناء، فيتخلى عن الغضب ويعود إلى قصائد الخمسينيات، وكأنه حنين إلى زمن كان العشق فيه غضا والثورة طرية.

لا يتخلى النواب عن المرأة في ثورات الغضب العارمة ويجد لها مكانا بين وصلة سباب وأخرى، وهو دأب الغريب الذي يتنقل من مكان إلى آخر، ويبحث عن غرفة في فندق أو حانة قريبة أو امرأة ترضى مصادقة الغرباء الذين لا تعرف عنهم شيئا، فيعود إلى حالة العشق الأولى التي تلبسته ويقول بكثير من الحنين واللهفة "من تشتريني بقليل من زوايا عينيها"..

مات النواب وقد تجاوز الثمانين ولا يعرف أحد إن كان ثمة من اشترته بقليل من زوايا عينيها، ولكن ما نعرفه أن موجات الشتائم التي وجهها لحكامٍ رحل معظمُهم، ما زالت صالحة للاستخدام بذات النبرة وذات الغضب العارم.